الرقبة يروح يجاهد، والهانة يبيع خوه
(الشيخة الريميتي، 1959)
أدّت الشيخة الريميتي دورًا بارزًا (مع التحفظ عن الفهم السئ للنص وسياقه من طرف البعض)من خلال أغانيها، متجاوزة في أثرها عددًا من الأسماء الفنية المعروفة. ففي سنة 1959 سجّلت أغنية مطلعها: «الرقبة يروح يجاهد، والهانة يبيع خوه»، وبُثّت خلال إحدى السهرات الموجّهة لجنود فرنسيين بمدينة النعامة، دون إدراكهم لمضمونها الحقيقي. وقد كان للأغنية وقعٌ قويّ على الحركى والعملاء، إذ هزّت كلماتها وجدانهم لما تضمّنته من إدانة أخلاقية حادّة، فدفع ذلك بعضهم إلى الالتحاق بصفوف الثورة التحريرية في الجبال.
وهاهو الروائي واسيني لعرج صاحب العشرات من الروايات ومن أبرزها رواية” الأمير “بعد سنوات من العمل والتراكم، منذ سنة 2020 ستصدر له رواية «الريميتي/ أناشيد الجمر والنار»، المرتقب نشرها في بيروت والقاهرة والجزائر، لتكون أول عمل روائي يتناول سيرة الفنانة الريميتي (سعدية بضياف). وقد شكّلت الثورة موضوعًا محوريًا في تجربتها الفنية؛ ويتجلّى ذلك بوضوح في أغانيها، مثل «نوري يا الغابة»، التي تعكس التزامًا عفويًا صادقًا بالقضية الوطنية، بعيدًا عن الادعاء أو التنظير.
هذه الرواية بقدر ماستثيره من نقاش لأننا لم نطلع عليها بعد فهي لم تنزل إلى المكتبات تندرج في رأيي كباحث مهتم بكل انتاج فكري ضمن “تاريخ الهامش “
حيث يقوم مفهوم تاريخ الهامش على إعادة كتابة التاريخ من زاوية الفئات والمجالات التي ظلّت خارج مركز السلطة والاهتمام، بما يشمل القرى والطبقات الشعبية والتعبيرات الثقافية غير الرسمية، في انتقال منهجي من التركيز على النخب والدولة إلى إبراز دور “الفاعلين الصغار” وأشكال مقاومتهم اليومية. ولا يُفهم الهامش هنا بوصفه حيّزًا سلبيًا، بل فضاءً ديناميكيًا يُنتج ثقافات بديلة وذاكرة موازية، ضمن علاقة جدلية مع المركز الذي يهيمن من جهة ويعتمد عليه من جهة أخرى، بينما قد يتحول الهامش نفسه إلى مركز في لحظات التحول التاريخي، كما تجلّى في التجربة الجزائرية خلال الثورة التحريرية.
ضمن هذا الأفق النظري، تندرج رواية «الريميتي» لواسيني الأعرج بوصفها كتابة روائية لتاريخ الهامش؛ إذ تستعيد سيرة فنانة شعبية من بيئة مهمّشة، وتُحوّل فنّ الراي—المقصي ثقافيًا—إلى وسيط للتعبير عن الذاكرة الشعبية ومعاناة الناس وتطلعاتهم، بما يجعل من صوتها شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية للسلطة الاجتماعية والثقافية، ومسارًا لتحول الهامش إلى موقع اعتراف وتأثير.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات منهجية مركزية من قبيل:
- لماذا استدعاء شخصية الريميتي اليوم؟
وما دلالة ذلك في سياق تحولات الهوية والذاكرة؟
وكيف تمثّل الرواية الهامش فنيًا واجتماعيًا وجندريًا؟
- وهل تنصفه أم تعيد تشكيله وفق رؤية نَخَبوية؟
وخلاصة القول إن هذا التداخل بين الإطار النظري والنص الروائي يبرز الهامش بوصفه فاعلًا منتجًا للمعنى والتاريخ، ضمن ثلاثية تحليلية كبرى: الهوية، الذاكرة، وجدلية المركز والهامش.



