تودوروف… الرّحيل فوق الظل/ عبد الحفيظ بن جلولي*
بواسطة مسارب بتاريخ 23 فبراير, 2017 في 02:40 مساء | مصنفة في أخبار ثقافية, حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1397.

يحتاج العالم إلى صدمات عميقة وقويّة كي يستفيق من هرج الموت، الموت لا يغادر العالم بقدر ما يحايثه بجمالية مفقودة، ذلك أنّ الذاكــــرة لا تمنــــع هجـــرة الجســـد الأزلية نحو التراب، لكنّـها تتحول إلى جسد/ رمز يمنع النّسيان من أن يمــــارس لعبته النّهائية في الإحالة إلى هامش القطيعة، فـ«إذا كنّا ما زلنا نقرأ أعمالا لكتّاب من الماضي، فذلك لأنّهم يعلّموننا شيئا جديدا عن وضعنا البشري»، هذا ما يراه تودوروف في إطلالة سريعة من شرفــــة التّجــــربة واللاقطيــعة مع الذاكــــرة لأنّها تمهلنا برهة للتفكـــير في مآزقنا وانكساراتنا وأحلامنا أيضا، تودوروف يُبعث من حيث يرى العالم أنفاس الرّؤية البعيدة في الأفق وتأويل انطولوجيا الذاكرة. 
يحتاط تودوروف للحظة الاستغراق في ما بعد الجسد، إنّه يرتمي في أحضان الأبدية العارفة، التي فجّرت ذاكرة الكتب، ولم تملك لحظة لملازمة الوجود للنّسيان، لذلك يعترف في شفافية مستحيلة بأنّ الذاكرة يشكلها الكتاب الذي يمنع النّسيان من التسلل إلى مفاصل الكينونة، «مهما أوغلت في الصّعود بذكرياتي، أراني تحيط بي الكتب»، فلا مكان سوى للكلمة التي تؤرّخ للوجود التودوروفي داخل متاهة الحياة، أرخبيل المعنى يرسم الفوارق بين الممرات لتعزل الذات خارج لعبة فرض المعابر، إنّها فقط تذكّر بشيء ذي صلة بالكينونة، إنّها تحيل إلى الكتب والذاكرة كي تمنع الوجه العاشق للعالم من الاندثار، لأنّ ذلك عريق في السّؤال الوجودي الذي لم يهمله تودوروف، بل لم تهمله يومياته الخاصّة التي كتب فيها ذات وقت عن نفسه: «اليوم قرأت على ركبتي جدّي كتابا من 223 صفحة، في ساعة ونصف الساعة». ما معنى أن نستعيد هذه الشّاردة في وعي الطفولة بوعي الكتابة؟
مات تودوروف وترك حيرة معلّقة تنوس فوق مخدّة الأدب الذي أدرك أنه في خطر، فهل تزول الحيرة بإجابة معلنة، أم نتوسّد بعده رميم الأسئلة المقبلة في القصديات النّائمة تحت الظل الذي انطلق منه، ظلّ الشمولية المكبِّلة، وظلّ «الأنوار» الملطّخة بظلمات الحروب و»اللانظام العالمي الجديد»، ظلٌّ ينوء بعبء المراحل التي قطعها فكر تودوروف، وهو يروم شجرة مقصودة بعينها، تمنحه ظلّ البدايات الدائمة، الظلّ في الألوان التي اقترب منها في أفكار «رامبرنت» و»غويا»، وما أنجزه قبل الرّحيل، وسيصدر قريبا حسب ابنته، إنّه العمل /الوصية كما وصفه عثمان تازغارت، «انتصار الفنّان»، فهل هو انتصار الهدوء في الظّلال مهما اختلفت طبائعها، أم إنّه الرّوح المتمرّدة في الرّيشة التي تحيل العالم إلى لون على جدران الذاكرة؟ 
وعي الاستعادات عند تودوروف يتشظّى لكي يلملم لحظة الحركة الهجروية بين صوفيا وباريس، بين لحظة للشمولية وأخرى للحرية، ومن ثمة لم يعد العشق للأدب «محدودا بالتربية التي تلقيتها في بلدي الكلياني». هكذا قال، إذ أفرزت السّوربون تجليات سؤال القصد الأدبي، حيث كان يعرف بأنّ ما يقوم به خلال رحلته الوجودية ما قبل الكتابة والاهتمام بـ»الأسلوب واللغة والنّظرية الأدبيتين»، سوف يكون ذا صلة بالأدب، فالهجرة إلى فرنسا حاضنة الديمقراطية والمعرفة السّاكنة أرصفة الشّوارع، وقلوب المتعبين بالجمال و»جيرمين تيون» القائمة على أشهاد التمرّد والنّضال الوجودي، لم تكن ترفا بقدر ما تفتّقت وعيا ابستمولوجيا ينهض بالذّات من ذاتها المحاصرة بالإيديولوجيا إلى آفاق الحيرة الفاعلة في عقل الفكر والفلسفة والنّقد، إذ كانت الخيبة التي واجهته حين لقائه بالمؤرّخ أندريه إيمار عميد كلية الآداب في باريس، الذي التقاه بتوصية من زميله البلغاري، دافعا لكي يتشبّث بالبحث عن الفكرة المهدّدة بالخطر في دائرة الأدب ليشعل فتيلها وتنهار كل أسيجة الإبعاد، فلازم الحلم والتقى أستاذا لم يكن يعرفه من قبل، رولان بارت، الذي أوصله إليه جيرار جينيت، فرنسا لم تكن البديل لبلغاريا، بل كانت استمرارا للذاكرة التي فجّرت العشق للأدب وأحالته إلى ضفاف أخرى ينبت فيها الحلم بعيدا عن المغامرة داخل أقبية الإيديولوجيا، لأنّ سؤال تودوروف العالق على أتربة قبره، بعدما غادر الكينونة الوجودية: «لو ساءلت نفسي اليوم لماذا أحب الأدب، فالجواب الذي يتبادر عفويا إلى ذهني هو: لأنّه يعينني على أن أحيا»، فما بين الحب والحياة علاقة عضوية تُنجب علائقها الرّمزية في لانهايات المطاف، إنّها الدّيمومة التي تمنح الذاكرة بأن تشكل معناها في الرّمز والإشارة والخيال، لهذا يطرح سؤالا مهمّا في كتاب «الأمل والذاكرة» مفاده: «لقد أطلق المؤرّخون على القرن الثامن عشر «قرن الأنوار»، تُرى هل سينتهي بنا الأمر إلى تسمية قرننا بـ»قرن الظلمات»؟ لا ينفك تودوروف يشكل متاهة الكلمات ضمن جسور الأشياء التي تجد معناها في تسمية الأشياء بمسمّياتها، لا يتحوّل الأدب إلى معركة خالدة في ظلال العقل والتنوير، دون أن يشتبك مع المعضلات الوجودية والمسارات النّاشزة في التاريخ، تنبثق الأسئلة لا لمعرفة الحقائق، بل لترسيم الحقائق المحتملة فوق أفق الاستفهام، الذي يكرّس منوال الحوار كرمز عنيد على الالتقاء وتفجير الجروح النّرجسية. «قرن الأنوار» و«قرن الظلمات»، على هذه الخطوات التي ترافق هسيس المطر وهو يبدع صمت العالم، يشتق تودوروف الإنساني مَفْهمة العالم المتربّعة على عرش الخفاء والبعد عن المسمّيات الحقيقية، رغم إنّه نشأ معرفيا ضمن الإمكانات المتعدّدة التي تمنحها الديمقراطية الفرنسية، وتطعن في صيغتها الشّمولية البلغارية، إلا أنّه لا يؤسّس المبدأ على فكرة النّهايات الحتمية، التي تصادر على التّاريخ تحولاته وانبثاقاته المعلنة والخفية، المرتدية لباس العتمة أو لباس الضياء، لأنّ «النزعة الإنسانية ليست برنامج حزب، إنّها بالأحرى رؤية للكائن الإنساني ومجموعة من المبادئ الأخلاقية والسّياسية»، فتودوروف ينأى عن أن يكون سجين البراغماتية السياسية، حيث الحزب ضمن أطرها، لا يمثل سوى برنامج الاستيلاء على صوت المواطن الذي تستفيد منه الشراهة البشرية من أجل سد ثغرة الجوع الأبدي للهيمنة، وهو ما يتناقض عمليا مع الرّؤية الإنسانية لحقيقة مسار التّاريخ البشري النّاهض لتوّه من نضالات مريرة من أجل التنوير، لذلك فـ«لا أنوار بدون أوروبا، لكن أيضا لا أوروبا بدون أنوار»، لأنّ ما يحدثه الصّخب الأوروبي اليوم من خلل في علاقات الأمن والسّلام بين الأمم يشكل أمرا مريعا وفظيعا، إنّه يمسّ بالجوهر الإنساني، والخطر، يكمن في أنّ القوى الغالبة تضع مخطّطات الهيمنة ضمن التّسمية الناعمة «التدخل الإنساني»، ولأنّه كان إنسانيا اقترب من جرمين تيون، هذه المناضلة العنيدة التي دافعت عن حقوق الآخرين، خصوصا الجزائريين المستعمَرين، لقد تعرّف عليها في التسعين، لكن «كانت سليمة الرّوح»، ولأنّه إنساني عانق النّضال في عيون إدوارد سعيد «الذي ظل مشدودا إلى مبادئ العدالة»، وضمن هذا الأرخبيل النّاضج على نيران المحبة والنضال تفجرت أنهار الحياة داخل أغوار الموت السّحيقة، فهل كان تودوروف يريد الانتصار على الموت، موت المفاهيم: الانتخاب، الديمقراطية، قراءة الجرائد، الزّواج، التي لم تكن تعني في بلغاريا الكليانية سوى الإيديولوجيا. لقد بحث عن نفسه داخل الأدب والفلسفة والنّظرية الشّعرية والنّقد السياسي، داخل كل ما يمتّ بصلة للعبق الإنساني الطالع من حدائق الوجود الصّائرة إلى الاكتمال وتاريخ الأفكار والأسماء، فـ»نحن لا نمسك إلا الأسماء» حسب إيكو، وعند الرّحيل لا يبقى سوى رحيق المسار نحو نهايات أكيدة لكن في كينونة الخلود المشفّرة برمزية الكتابة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

/

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* قاص وناقد من الجزائر 

اترك تعليقا