طيف قابيل / قصة قصيرة / قلولي بن ساعد *
بواسطة مسارب بتاريخ 20 مارس, 2017 في 02:09 مساء | مصنفة في متعة النص | تعليق واحد عدد المشاهدات : 3077.

كان نائما في قيلولة من تلك القيلولات التي يخلد فيها الموقوفون إلى النوم الإجباري والسفر بين أطياف الأحلام الهاربة إلى حتفها البعيد وعندما إستيقظ كالخرافة بقي لبعض الوقت مستلقيا  على ظهره يتأمل مصباح الزنزانة الباهت الضوء تذكر المصيدة التي إنساق وراءها غافلا  والصدفة اللعينة التي دعته فأستجاب لها وعلى مسافة قريبة من البيوت الواطئة والأحياء الفقيرة المتراصة في تجمعات سكانية متباعدة المأهولة بالبشر والنازحين القادمين من الضواحي القريبة  رأى الناس والدنيا والسهوب العارية  والحارات القديمة بينما الشيخ علال وحده  بإنتظاره يسأل في وجوه العابرين عنه  هجس من داخله  محدثا نفسه ….قلها ولا تخف ومما تخاف … ؟  فما حدث حدث أو دعني أقولها  أثناء ذلك  صرخ الراوي قائلا   / شكرا لك …./

أنا الآن في الزنزانة الباردة التي لا تتسع إلا لأربعين شخصا معي في الزنزانة   تاجر حشيش ولص مختص في سرقة السيارات وتفكيك محتوياتها من قطع الغيار ثم بيعها في السوق السوداء  وشاعر وجهت إليه تهمة القذف لما قرر تجاوز حدود الصمت والإستسلام واضعا شعاره القديم ” كل شئ على مايرام ” في درج النسيان  عندما نشر في جريدة ذات توجه يساري  قصيدة هجاء شديدة اللهجة شتم فيها شخص ريئس البلدية الذي لم يمنحه سكنا كغيره من المواطنين وصحفي تجرأ على كشف ملابسات صفقة بيع أسهم من شركة الإسمنت ومواد البناء الخاضعة للخصخصة بثمن رمزي لمواطن فرنسي من الأقدام السوداء تحت إسم زوجته الجزائرية الأصل وعدد آخر من السجناء جيئ بهم بتهم مختلفة وليس لدي سوى بعض سجائر قليلة سلمها لي سجين آخر لا معرفة لي به سوى أنه طلب مني وجلا أن أكتب له رسالة لعشيقته الميتة التي قام بقتلها عندما وجدها صحبة شاب أمرد الوجه  مثل عاهرة قديمة على حد قوله  خلت نفسي أمام ديك الجن الحمصي * يوم قتل حبيبته النصرانية ورد إثر كذبة لئيمة لخيانة مزعزمة مع خادم يدعى بكر كان قد ساقها إليه كريح مسمومة بدافع الغيرة ليس إلا إبن عمه أبي الطيب  لم أسأله بالطبع مع من سيرسل لها الرسالة وماهو مستواها التعليمي الذي على ضوئه أختار   الأسلوب الذي يناسبها عندما تصلها مبللة بدموعه منثورة عليها أوجاعه وعلله المزمنة … ؟ 

فشرعت في الإستماع إليه وتدوين كل كبيرة وصغيرة لحاجتي الماسة إلى سجائر  الريم التي لا غنى لي عنها في هذا السجن الموحش وقطعة قماش هي كل ما إستطعت الإحتفاظ به من الشيخ علال قبل أن أجد نفسي متهما بجريمة قتل لم أرتكبها ولا صلة لي بها سوى أني وجدت نفسي  في المكان الخطأ وفي الزمان الخطأ عالقا بين أنياب المصيدة  لعلها الصدفة اللعينة  وأي صدفة  … ؟  أنا الذي رميت نفسي وسط  المتاهة دون  أدري لما لم أتحمل كيف تجاهلت تلك البدوية التائهة وجودي بالمرة لحظة أن أستنجدت  بها هاربا من لهيب منظرعار بمدخل الغابة المحيطة بالجامعة التي لا تبتعد عن ثانوية الخنساء  إلا بمسافة قليلة يتوسطهما حي الزهورالممتلئ مساء وفي الصباحات الباكرة بحركة دؤوبة للفيف من النساء من مختلف الأعمار حيث البازار الكبير أو بازار النساء قبلة لهن لإختيار ما يلزم من أدوات الزينة والتجميل والثياب الراقية والعطور والروائح والأثاث المستورد الباعث على الأغراء والفرجة  طالبة مني أدفع لها ضعف المبلغ المتفق عليه مع كل ذروة للمتعة أشتاق فيها إلى صدرها وجسدها الدافئ ذاهلا أو مذهولا  بها مستغلة وضعي وتلك الرجة التي يولدها ضوء الجسد   مبررة ذلك  بإرتفاع سعر الزيت والبن والسكر وكل مواد التموين الغذائية بفعل سياسة التقشف و تدهور سعر البترول في الأسواق العالمية عدت القهقري أجر خطاي لاعنا اليوم الذي رأيتها فيه وساعدتها على إجتياز محنتها القديمة عندما كانت دون مأوى هاربة من قريتها البعيدة بعد فضيحة إغتصابها من طرف شلة من الفريق المحلي لكرة القدم الذين تناوبوا عليها واحدا تلوالآخر عندما كانوا متوجهين قبل موعد الفجر لإجراء مقابلة كروية خسروها بنتيجة ثقيلة لكنهم ربحوا متعة مؤقتة أطفأوا خلالها كل فورات اللهيب التي داهمتهم وهم في مقتبل العمر  لم تحدثني بالطبع لماذا غادرت بيت والدها في ذلك الفجرالمشؤوم لكني إفترضت أنها كانت على موعد مع فتى آخر لا صلة له بأعضاء الفريق المحلي لكرة القدم الذين كلفتهم هزيمة نكراء تقهقروا خلفها إلى ذيل الترتيب الشهري ضمن القسم الذي ينشطون فيه …لقد لاحظت أنها تخلت نهائيا عن تلك الضفائر الطويلة المسدلة على كتفيها وإستبدلتها بتسريحة شعر جديدة بما يتناسب وإيقاع العصر والحداثة وأنها لم تعد تطلي رجليها بالحناء البدوية ” الحنة الورقية” على وجه الخصوص بل  صارت في غنى عنها وعني وعن تلك الأوراق النقدية القليلة التي كنت أسلمها لها بعد كل جولة بين أكمات جسدها وبؤر الرعشة واللذة المسروقة بعيدا عن أعين الوشاة والرقباء  زادتها تبجحا عندما    قامت بشراء آلة بيانو من الطراز الحديث    صارت تلجأ إليها لقتل الوحدة والفراغ  والعزلة خلال أيام العادة الشهرية التي لاتتحمل مضاعفاتها  مثلما أصبحت ترتدي سراويل ” الجين ” المضبوطة على نصفها السفلي  وتعتني كثيرا بشكلها وهندامها بما ذلك العدد المتنوع الالوان والأشكال من معاطف “الكاشمير” والأصباغ التي تطلي بها خديها الناعمين   عندما تكون متوجهة إلى الحمام أو إلى بازار النساء ولم تتردد أبدا في فتح حساب في التويتر وآخر في الفايسبوك تحت إسم وهمي هو ” كاميليا الساحرة “  يحمل صورة أنثى شبه عارية  مستلقية في فراشها تتلهى بصورة جهاز لهاتف من الهواتف الذكية     حينئذ كنت قد لمحت في آخر الشارع الذي يفضي إلى ملعب مهمل   تيسا عربيا  يضاجع عنزة بيضاء من سلالة إسبانية أمام الأعين المحدقة فيهما  من الرجال والنساء المتوجهات لمقرات عملهن ضاحكات تحدوهن الرغبة المماثلة وقد راقهن المشهد متفحصات من وراء مؤخرة العنزة التي تهتز بين الحين والآخر محدثة رنينا أشبه بالموسيقى العذبة  أو الشبق الذي  يتصبب منه العرق البارد لنساء وبنات في عمر الزهور حسدن العنزة المحظوظة على تلك اللحظات الممتعة التي قضتها مع تيسها المانح لها ما تشتهي من ضروب المتعة والشهوة الباذخة … أنهى التيس جولته الأولى ثم أعاد الكرة حابسا شارعا بأكمله من الفضوليين أمام فرجة لذيذة أقامها تيس عربي وعنزة إسبانية ..لقاء غريب بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب هو أشبه بحوار الحضارات ينبجس بعد سبعة قرون أو أكثر من التناحر والتآكل الحضاري بين ضفتي المتوسط  الحق أقول لك ياهنتغتون * لو أنك رأيت ما رأيت أو إستمتعت قليلا بهذا الحوار الشيق بين تيسنا العربي والعنزة الإسبانية لتراجعت عن كل أفكارك المتطرفة … في الجهة الأخرى من الرصيف الذي أهملته البلدية المشغولة بشراء الذمم والأصوات من الناخبين والناخبات تحسبا لموعد رحيل أعضائها وإنتهاء عهدتهم البيضاء الخالية مما قطعوه على أنفسهم من وعود أكلها الذئب الرابض في أفئدتهم وأنفسهم التواقة لملء أرصدتهم بأموال الريع المهرب في لفائف من المشاريع الوهمية يجلس شيخ طاعن في السن وبين يديه سبحة سوداء من تلك السبحات التي يجلبها الباعة الأفارقة من السنيغال ودول الساحل يردد قراءة المعوذتين نائحا يطلب عفو الله ورحمته ..هالني مشهد بكاء الرجل فنسيت أمري وشأني واللذة العابرة التي راودتني مقتربا منه لمساعدته على تجاوز لحظات البكاء التي إستبدت به  …تقدمت منه سائلا إياه لم يجبني وعندما رفع رأسه ماسحا دموع عينيه بمنديل أزرق طلب مني أن أقوده إلى  بيته الذي لا يفصله عنه  سوى شارع واحد وسط عدد من البيوت المتناثرة بشكل فوضوي عبرت به الشارع الصغير وعندما وجدنا أنفسنا أمام باب خشبي ناولني المفتاح طالبا مني الدخول دون تردد قائلا لي أنا وحدي تفضل …

إجتزنا الرواق الذي يؤدي إلى غرفتين متقابلتين أحداهما هي غرفة نومه بها سريرين متقابلين وطاولة وصغيرة تقابلهما خزانة ملابسه وعندما تنفس الصعداء متكئا على الجدار الذي يحاذي رأس سرسره تنهد عميقا ثم قال :

كما ترى فأنا لا أنيس لي رغم أني أب لبنت وإبن تائه سرعان ما أخذني إلى دار العجزة عندما وشووشت له في أذنه زوجته التي أتلفت عقله فنسي نفسه وما عليه من واجب نحوي ونحو والدته التي  ”حملته وهنا على وهن ” ثم ماتت بسكتة قلبية في الليلة الأولى التي وطأت فيها أقدامنا دار العجزة عدت منها بشق الأنفس طالبا من إبنتي أن تبحث لي عن بيت بجوارها وقد دفعت فيه كل ما أدخرته سنوات الخدمة والكدح والشقاء ولولا ذلك لوجدت نفسي في الشارع كأي متسول أو مجنون أو معتوه من الذين تعج بهم الأرصفة والشوارع الباردة والدروب المفتوحة كالعادة أمام الذين لا مأوى لهم ولا سقف يقيهم برد الشتاء أو حر الصيف أو أنواء الريح والبرد إعتراني ألم حاد هو أشبه بالمرارة التي راح وقعها يمزق أوصالي أمام رجل مثقل بالحسرة والخيبة ..دارت بي الأرض وأنا لا أزال مصدوما عاجزا على الكلام    لحظات بعدها ترائى لي أني أمام إبني يطلب مني مغادرة البيت وزوجته خلفه تحثه على ضرورة نقلي إلى دار العجزة ..ساعدته على النهوض من جديد وتناول الأدوية الموضوعة أمامه على الطاولة وتغيير ملابسه  بل صرت أحرص على نظافة سريره وأخذ ملابسه المتسخة معي إلى البيت لغسلها وتنظيفها والعودة بها نقية ناصعة وقد أصبح شأنا من شؤوني الخاصة لا أغفل عنه يوما أعتني به العناية القصوى لاحظ الجميع ذلك بمن فيه جيرانه وأحفاده من إبنته الوحيدة وفي نهاية الأسبوع كالعادة أتوجه معه إلى البيداء الشاسعة لأبعد عنه القسوة والملل والوحدة المؤلمة …لم يخطر بذهني أبدا أن أسهو عنه أو أنساه عندما رن في جيبي جهاز هاتفي الجوال قارئا على شاشته إسم زينب أو “كاميليا المزيفة ” إنقطع الإتصال دون أن أسمع صوتها   ورغم ذلك تركت الشيخ علال وتوجهت على الفور نحوها ممنيا نفسي بوجبة سريعة من اللذة المؤقتة كان باب بيتها مفتوحا مشرعا أمامي كشوارع قريتها الواسعة ..ناديتها فلم تجبني ..أغلقت الباب ورائي مفتشا عنها داخل الغرف الثلاث وقبل أن أستيقظ من شرود دام بضع دقائق لاح لي في الأفق طيف شقيقي قابيل أو ” النقبيل ” مثلما كان أبناء الحي يسمونه لقدرته العجيبة  على إخفاء وجهه داخل نقاب كلما أراد إلحاق الأذى بأحد ودم أحمر بداخل المطبخ  حيث جثتها تتمدد مسفوك دمها كانت الشرطة أمامي ولم تعثر على أحد سواي

هامش

* ديك الجن الحمصي شاعر عربي من شعراء العصر العباسي

*صامويل هنتغتون مؤرخ ومفكر أمريكي و مؤلف كتاب “صدام الحضارات”

/

الجلفة في 25/ 02/2017


/


* قاص وناقد من الجزائر 

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. محمد بوحبيب قال:

    قصة رجل سجين. جلس يستعيد الأحداث الأليمة ـ إن بالنسبة لما وقع له شخصيا، وإن بالنسبة لشخوص أخرى، ذكرها في خضم تداعياته، واعترافاته. لقد وجد نفسه وجها لوجه مع الشرطة، في بيت قتلت صاحبته
    ووجد جثتها غارقة في دمها…
    ذنبه الوحيد، أنه استجاب لعواطفه، وحنوه على رجل متروك في أرذل العمر يعاني الأمرين، ويتلقى ضربات الأحداث؛ وخلال ذلك يرن هاتفه ويقرأ على الشاشة اسم المرأة ـ زينب ـ التي تعلن عن نفسها باسم مستعار ـ كاميليا ـ فيهب مسرعا، استجابة لعادة له معها، في تلقي نصيبه منها ـ هي فيما يبدو بائعة هوى ـ ولكن وجد نفسه كمن ” يموت حتف أنفه” ـ كما يقال ـ وها هو في السجن، في خليط عجيب من الناس، بين قاتل، وصحفي متهم بالقذف، ولص محترف سرقة السيارات، وشاعر ركب رأسه، وهجا بعضا ممن ـ لا يليق تناول حالهم بالشعر ـ وغيرهم.
    وهو في ذلك يبحث عن الذنب الذي اقترفه، فلم يجد سوى أنه تواجد في المكان الخطإ، والزمان الخطإ، ويبدو أنه بصدد معاونة غيره، في السجن كما خارج السجن؛ فهو إذن يعايش الناس بطريقته؛ ولكنه يعترف في هذه المرة، أنه قبل إلحاح أحد المسجونين، في أن يكتب بلسانه رسالة إلى حبيبته، يبثها لواعجه وآلامه وأشواقه، فصبر عليه، لمجرد أنه يقدم له سجائر “الريم”، التي يدمن عليها…
    كيف بنى الكاتب نص القصة: اعتمد طريقة الفلاش باك في ذلك. ففي لحظة استيقاظ السجين من غفوة القيلولة، راحت تتدفق على لسانه الأحداث، ليطوف ويحلق في ثنايا مجتمع، تنخر أوصاله مظاهر اجتماعية؛ هي خليط من تصرفات وصولية، انتهازية، دافعها في كثير من الأحيان، السعي وراء المادة ـ كاحتراف سرقة السيارات وبيعها مفككة، والخضوع لشهوات البدن ـ كاحتراف البغاء ـ زينب أو كاميليا ـ إلى الفساد في التسيير، وخيانة الأمانة كالمنتخبين الذين انتهت عهدتهم بيضاء ـ وإلصاق التهم، بأشخاص، حاولوا فضح الفساد ـ كالشاعر والصحفي المحكوم عليهما، بتهمة القذف ـ وغير ذلك ـ. والأفضع من ذلك ظاهرة التخلي ـ أو بالأحرى ـ التخلص من الأصول ـ مثلما حدث للشيخ علال، إلى جانب النزوح والسعي وراء التغيير، وهو ما فعلت “كاميليا الساحرة” التي تخلت عن اسمها ـ زينب ـ وتخفت وراء اسم براق، ثم تغيير السحنة
    ” اللوك” بالطريقة التي تتواءم مع مهنتها ـ مع أنها في الأصل فتاة قروية ـ نشأت على عادات وتقاليد، ولسبب ما انحرفت بمائة وثمانين درجة، نحو الهاوية.
    ولم يكتف الكاتب بالسرد فقط عن الداخل ـ الوطن أو الجزائر ـ بل خرج إلى العالمية، ونطح بفكرته ـ خلال السرد ـ الكاتب الأمريكي صموئيل هنتينغتون ـ صاحب نظرية ” صدام الحضارات” من خلال لقطة علنية عبر الشارع ـ بين تيس عربي، وعنزة إسبانية، فقال له بلسان البطل الراوي: لا يا صاح! نحن بصدد لقاء الحضارات، لا صدام الحضارات، وكأني بالأستاذ بن ساعد، يحيي فكرة الروائي الطيب صالح في رواية ” موسم الهجرة إلى الشمال” في لقاءات بطله مصطفى سعيد السوداني، مع عشيقاته الإنكليزيات…
    لقد استطاع الكاتب على مسافة ـ ثلاث صفحات ونصف تقريبا ـ أن يبني نصا مكثفا، حافلا بالأحداث، فيها الخيال الممكن، وتوظيف شخوص مختلفة الانتماء، متفاوتة المستوى الثقافي: من الصحفي إلى الشاعر، إلى منتخبين ـ يفترض أنهم ذو مستويات ثقافية معتبرة ـ إلى أناس لا يقرأون ولا يكتبون ـ السجين الذي طلب من البطل الراوي، تحرير رسالة ـ
    ولكن يبدو أن المستوى الثقافي، لا يعصم صاحبه من الوقوع في مطبات المجتمع المتلاطم بمظاهر لا ترحم الغافل، فهاهو البطل ذو مستوى ثقافي عال ـ فيما يبدو ـ ومع ذلك، فقد أغوته الأجواء السائدة، وانساق مع بائعة الهوى هذه، فوجد نفسه ـ دون أن يقترف الجرم ـ في زنزانة بين قتلة لصوص…
    وماذا عن العنوان: “طيف قابيل”.
    العنوان بهذه الصيغة، قد يخدع القارئ، فلأول وهلة ـ وهو يلقي نظرة عليه ـ يتصور أن النص سيتناول فيه الكاتب قصة ـ قابيل التاريخية ـ ولكن حبكة النص، تتناول حدثا مختلفا ، أو بالأحرى معاصرا ، وإن كان فيه فعل القتل قائما…
    وبشيء من التأمل، نجد الإيحاء، أو التصريح المغلف يشير إلى أن قابيل المقصود في النص إنما هو البطل الراوي نفسه ـ في نظر الشرطة التي ضبطته بمكان الجريمة ـ هو القاتل. أو الإشارة إلى واحد آخر غائب عن جلسة السرد، وهو شقيقه، الذي يكنيه أبناء الحي ” النقبيل” ، كأنما هم يستعملون ما يسمى في النحو ” النحت” أو تركيب كلمتين منحوتتين في لفظ واحد ” النقبيل = النقاب + قابيل” وقد فعلوا ذلك نظرا لقدرته على التخفي وراء نقاب، لما يعزم على إلحاق الأذى بخصمه، فهو بذلك، أشبه بالبطل الأسطوري ” زورو”

اترك تعليقا