بداية المأساة كانت قبل بضع سنين لما اكتشفت أول مرة في حوض الحمام و أنا استحم عدد من الشعر ،تفحصته جيدا ،انه من شعر رأسي ولما دققت النظر وجدت بالفعل أن مقدمة رأسي بدأت تخف من الشعر .
كان هذا الاكتشاف بالنسبة لي كصدمة أو زلزال عنيف و لا أعلم لماذا أول شيء خطر بذهني حينها هو سامية ؟…..ربما هي كانت أكثر شخص أهتم لشأنه فسامية فتاة رائعة جميلة جدا و أحبها من كل قلبي وربما كانت علاقتي بها في طريقها لتكون مشروع زواج ، أما لماذا تذكرتها هي بالذات و أنا بهذه الحال فذلك أن أول شيء شد انتباهها نحوي هو شعري حيث قالت –وبالطبع بخجل شديد- :شعرك جميل كشعر توم كروز .
لقد ضُربت علاقتنا في الصميم ،فتوم كروز بلا شعر لم يكن ليحظى بكل هذه النجومية ،لو فقد شعره لا سمح الله لن ينجو من المخدرات و الإدمان أو الانحطاط والضياع ، توم كروز بلا شعر بالكاد سيكون كومبرس مضحك ،
منذ ذلك الحين غيرت تسريحة شعري و فقدت الكثير من الثقة بنفسي و لا أعلم لماذا شعرت بالبرود نحو سامية الجميلة وهكذا مع مرور الأيام لم نعد نلتقي وضاعت أحلامنا مع ضياع المزيد من خصلات الشعر سألتني المسكينة عدة مرات عن سبب فتوري نحوها فكدت أثور فيها :
انظري إلى شعري انني مرشح أن أكون رجلا بالا شعر .
و لكنني لم أفعل و انما اختلقت لها حجج سخيفة ، على العموم لم أحزن عليها كثيراً تلك الفتاة عاشقة الشعر وإن كنت أشعر بالذنب نحوها.
ذهبت للطبيب المختص كان ثمن الفحص باهظا ووصفة الدواء حدث ولا حرج ولكن بدون فائدة ولما ألححت بالسؤال على الطبيب بعد عدة زيارات أكد لي أن سقوط شعري شيء عادي و السبب في ذلك هو نشاط الإفرازات الهرمونية الذكرية (التستسترون) ، كان جوابه هذا بالنسبة لي الضربة القاضية في استعادة شعري و أحلامي الآفلة معه وتباً للذكورة المفرطة.
تزامنت هذه الأحداث الهامة في حياتي مع حرب الخليج الأولى فأسلتني أخبارها المفجعة في التفكير بشعري ، لقد ُسحقتنا بسبب العنتريات التافة و الذكورة الهوجاء ، لاحظت أن أغلب الوجوه التي شاركت في الحرب وحتى السياسين والمفكرين المحللين وجنرالات المتقاعدين يعانون من تساقط الشعر و الصلع و هذا ربما ما أوحى إلى لاشعوري أن أتحول من مراهق تافه إلى شاب جاد و بالفعل ظهر ذلك جلياً في طريقة لبسي و الموسيقى و الكتب التي كنت أقتنيها و حتى في نوعية الأصحاب و الزملاء الجدد لم يكن كلهم يعاني من تساقط الشعر و لكنهم كلهم جادون وملتزمون ، حتى مستواي الدراسي تحسن لحد لم أكن أحلم به .
ولكن التفوق و التغير العظيم الذي كنت أمر به كان بلا ذوق ولا طعم لما بدأنا نحن الجزائريين في مطلع التسعينيات، نعيش حياة الخوف ولا أمن كنا بالكاد نحافظ على رؤوسنا فكيف التفكير بشعرنا و أناقتنا ،وجدتني في أحد الأيام العصيبة أشارك في مسيرة تندد بالإرهاب و العنف على شتى أشكاله ،كانت الكثير من العيون تنظر إلينا ككفرة أو مرتدين ، شد انتباهي و أنا منفعلاً مع المنفعلين في المسيرة محلاً راقي للألبسة الحديثة يعرض مجموعة من بروكات الرأس للرجال بالكاد استطعت أن أمنع نفسي دخول المحل و أن أواصل مسيرتي التي تحولت الى هرج ومرج كدنا أن نموت فيها لما سمعنا طلقات نارية من مصدر غير محدد .
وككثير من الجزائريين الطيبن الصالحين المساكين شاركت في الانتخابات على شتى أشكلها رغم أنني لم أكن مقتنع بضرورة ذلك ولكن لما دخلت أحد المكاتب و جدت سامية مشرفة على صندوق من الصناديق ….بالطبع أقصد صندوق انتخاب ، لما رأتني المسكينة كادت تخرج عن حدود اللياقة وخاصة في مكان وزمان مثل هذا .
وش راك بخير؟ ..أمك بخير؟ …وين تعيش وين تخدم ؟
بخير..بخير..نتكلم فيما بعد.
بالطبع كان جوابي مخيب و محرج و ربما سادي ولكنها كتبت رقم هاتفها الجوال و دسته في يدي ،في ذلك الوقت كان من يملك الهاتف الجوال معدودين على الأصابع ، حاولت أن أتصل بها عدة مرات ولكن أنا في حال تمنعني في التفكير بسامية و بغير سامية كما أن شعري مازال يسوء من سيء إلى أسوء .
مر ألان أكثر من عقد من الزمن ومازال شعري يتساقط ولكن بشكل أقل ومازلت أيضاً أمارس واجبي الانتخابي ككل الطيبين رغم أنني لم أستفد من أي حق ربما من استفاد هم غير الطيبين والدنيا بخير على كل حال. سامية ألان موظفة في المكتبة التي أتردد إليها دائماً في آخر كل أسبوع تقصيت أخبارها فقيل لي أنها مطلقة و أم لطفلين لا أعلم كيف تجرأت ووقفت أمامها خطر لي أن أبدأ كلامي: لقد قرأت أن هناك فيلسوف قديم اسمه سينيسيوس كتب كتابا أسماه في مدح الصلع يعدد فيه……آه ما أتفهني ، سامية هل تقبلين الزواج بي ؟
هل مازلت تفكر بي !!.
أفكر بك !….أنا مذ عرفتك لا أنام حتى أحتلم بك ،طبعاً لم تكن هذه إجابتي إنما حاولت أن أكون أكثر رومانسية ،وهكذا تزوجنا سريعاً و ندمت على كل لحظة مرت بدون سامية .
عبد القادر برغوث





قصة رائعة شكرا على ابداعك نحن دائما في انتظار جديدك
شكرا جميلة أتمنى دائما أن أكون عند حسن ظن من يحسنون الظن بي