وتيرة السرد في الخطاب القصصي البوطاجيني / / ساكر حسيبة*
بواسطة admin بتاريخ 26 يونيو, 2017 في 05:36 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2543.

الملخص:

  تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن وتيرة السرد في الخطاب القصصي البوطاجيني للكاتب الجزائري السعيد بوطاجين، من خلال مقاربة مجموعاته القصصية الأربعة ( ما حدث لي غدا، وفاة الرجل الميت، اللعنة عليكم جميعا، حذائي و جواربي و أنتم ). 

الكلمات المفتاحية:

وتيرة السرد ; الخطاب; القصصي; السعيد بوطاجين.

تمهيد:

حتى يتمكن المبدع من بناء علاقة متوازنة بين زمن الحكاية و زمن السرد يلجأ إلى استخدام مجموعة من التقنيات تمنح الزمن الروائي بعدا فنيا يتجاوز الزمن الخارجي، فتجعل الراوي يتحكم في سرعة و بطء زمن النص الروائي، و تتمثل هذه التقنيات في: الخلاصة، و الحذف لتسريع السرد، و المشهد و الوقفة الوصفية لإبطائه.

و عند قراءتنا للمجموعات القصصية (ما حدث لي غدا، وفاة الرجل الميت، اللعنة عليكم جميعا، حذائي و جواربي و أنتم) للسعيد بوطاجين لاحظنا بأنه حاول الاستفادة من هذه التقنيات لإنجاز عمل قصصي متكامل، لكن بطرق متفاوتة؛ حيث استخدم بعض التقنيات بكثرة بينما لم يوظف البعض الآخر إلا في مناسبات قليلة.

1- تسريع السرد:

أ- الخلاصة: Sommaire

«هي ذكر سرد عدة أشهر، أو سنوات سابقة في عدة أسطر، أو في عدة فقرات، أو في عدة صفحات، و يكون ذلك دون تفصيل».[1]إذن فـالخلاصة«هي سرد موجز يكون فيه زمن الخطاب أصغر بكثير من زمن الحكاية، و تتضمن البنى السردية تلخيصات لأحداث و وقائع جرت دون الخوض في تفاصيلها، فتجيء في مقاطع سردية أو إشارات».[2]

و يضيف حسن بحراوي «إن الخلاصة كتقنية زمنية تكون وحدة من زمن القصة تقابل وحدة أصغر من زمن الكتابة تلخص لنا فيها الرواية مرحلة طويلة من الحياة»[3]، «و يعد بيرسي لوبوك(Percy . Lubbock) أول من تفطن إلى أن الخلاصة لها علاقة وظيفية باستذكار أحداث الماضي».[4]

لكن هذا لا ينفي أنها يمكن أن تلخص الأحداث الحاصلة في الحاضر أو التي ستحصل في المستقبل، و من أهم وظائفها:

-      تسريع السرد بالمرور السريع على فترات زمنية طويلة و تجاوز الأحداث الثانوية.

-      الكشف عن بعض جوانب الشخصيات الجديدة أو الثانوية.

-      العمل على سد الثغرات التي يخلفها السرد وراءه، كما تحميه من التفكك.

و نجده في القصص التالية: (خطيئة عبد الله اليتيم، ما حدث لي غدا، مذكرات الحائط القديم، وفاة الرجل الميت، من فضائح عبد الجيب، 37 فبراير، أوجاع الفكرة، الجورب المبلل)، يلجأ في كثير من المواقف إلى تسريع السرد فيها:

و ها هو يستخدم هذه التقنية للكشف عن بعض جوانب الشخصيات و تعريفنا بماضيها، التي تعتبر الوظيفة الغالبة على تقنية الخلاصة في هذه القصص، و نورد فيما يلي بعض النماذج التي سرع فيها الكاتب السرد بواسطة هذه التقنية:

«في العام الماضي مزق كل شهاداته. و قبلها بشنة ذهب إلى مؤششة و طلب من المشؤول أن يعمل دون مقابل»[5]. بلخص لنا القاضي الأخطاء التي ارتكبها عبد الله في سنتين.

«كان من أردأ الخلائق على وجه الكون، و لما كان جسده مسمارا سميناه نصف ابن آدم. و مع الوقت امتلك ظلالا لا حصر لها و تعلم الألبانية و بعض الحروف ذات المخارج السهلة فلُقب بالعالم الجليل الذي لا تخفاه خافية»[6]، تكشف لنا هذه الخلاصة عن بعض جوانب شخصية المحقق.

«كان اليوم رماديا و العصافير تتساقط على الأرصفة بقدرة قادر»[7]، لخص لنا فيها عبد الرحيم طارق أحداث يوم كامل.

«في الصباح حملوك في صندوق أخضر و ما عدت تقصين يا نانا. طويت دفترك و ما توقفت الحياة كما كنت أزعم، كان الهمز  و اللمز و الفرز و فرزت. لم يأت زمان البق فالعمر كان بقا، و ذاك الصديق القديم الذي سلاما عليه تبنى الحركة الدائرية و أصبح وزيرا. قولي مبروك»[8]. لخصت لنا هذه الخلاصة ماضي  و حاضر عبد الوالو.

«مات ديدان و ها هو ابنه و المسبح الذي صار بحجم القرية ، و ها هم الديدانيون الخبثاء يملأون الدنيا و يحولون السواقي إلى بيوتهم آمنين»[9]. يلخص لنا الكاتب الوضع المأساوي الذي آلت إليه القرية.

«كان هذا المكان صديقا. كانت هناك حديقة و كان شجر الكرز كان النوار و حديث التربة»[10]. يسترجع ابن آدم في هذه الخلاصة ذكرى المكان.

«خلقت أحمد علي ليكون خليفة يكتب القصص اللذيذ عن بني أنف الكلب، عن يثرب الآثمة و آباء لهب، عن رماد العقل: عن إعدام الحبق و توتنا البري، عن مستقبل الجوارب التي تشبه ذكاءنا الجليل»[11]. يقدم لنا الكاتب  في هذه الخلاصة شخصية جديدة.

«قبل أن أغدو جوربا مبللا كنت نهرا صغيرا يعبر حياة البلدة هادئا ليحي الرميم»[12]، بلخص لنا محمد  دوره في بلدته عندما كان مثقفا فعالا.

ب- الحذف:L’ellipse

هو «تقنية زمنية تقضي بإسقاط فترة طويلة أو قصيرة من زمن القصة و عدم التطرق لما جرى فيها من وقائع و أحداث».[13]

و يضيف محمد عزام «الحذف هو أن يلجأ الراوي إلى تجاوز بعض المراحل من القصة دون الإشارة إليها، مكتفيا بإخبارنا أن سنوات ، أو شهورا قد مرت من عمر الشخصية».[14]

و يعد وسيلة نموذجية لتسريع وتيرة السرد و إسقاط الفترات الزمنية الميتة في القصة، و يقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- حذف محدد: Ellipse déterminée

تكون فيه الفترة الزمنية المحذوفة محددة بكل وضوح كأن يقول الراوي ]مضى شهران، بعد سنتين، بعد أسبوعين…[.

 

2- حذف غير محدد: Ellipse indéterminée

تكون فيه المدة الزمنية المحذوفة غامضة و غير محددة بدقة كأن يقول الراوي: ]مر وقت طويل، بعد زمن طويل…[ «مما يجعل القارئ في موقف يصعب فيه التكهن بحجم الثغرة الحاصلة في زمن القصة».[15]

3- حذف ضمني: Ellipse implicite

«يعتبر هذا النوع من صميم التقاليد السردية المعمول بها في الكتابة الروائية حيث لا يظهر الحذف في النص، بالرغم من حدوثه،  و لا تنوب عنه أي إشارة زمنية أو مضمونيه، و إنما يكون على القارئ أن يهتدي إلى معرفة موضعه باقتفاء أثر الثغرات و الانقطاعات الحاصلة في التسلسل الزمني الذي ينظم القصة»[16]، لذا يصعب على الباحث اقتفاء أثره في النص نظرا لتعقيده و غموضه.

و لا يلجأ السعيد بوطاجين لهذه التقنية إلا في مناسبات قليلة هذا ما نلاحظه في النماذج التالية، و التي تنتمي للحذف غير المحدد:

«منذ ساعات طوال لم يغمض له جفن».[17]

«صباح الطاعون أيتها الخربة، منذ عدة أحزان و أنا أنوي إصلاحك».[18]

«منذ ذلك اليوم و الصخب يعظم و يتكاثف كغيمة عاقر غطت كل المسافات».[19]

«منذ عشرة قرون و خمس دقائق و أنا أنتظر الخراب، لكنه تأخر، قل له إن العناكب أقامت في رموشي من فرط الوقوف في طوابير الموتى».[20]

«راحت أيام و جاءت أيام و ها هو “ديدان الخبيث” منتشر فوق رؤوسنا جميعا».[21]

«منذ سقوط مملكة الله غالب لم يضحك بهذه الطريقة الممتعة».[22]

«منذ أجيال و أنا وحدي، مثل قبر قديم دُفنت فيه وردة أو فراشة».[23]

«كان الشعور الوحيد الذي يلازمه منذ حزمة سنين أنه ليس أحسن من جورب مبلل…».[24]

2- إبطـاء السـرد:

يلجأ الكاتب إلى إبطاء السرد بفضل أبرز تقنيتين هما: المشهد و الوقفة الوصفية.

1- المشهد: Scène

هو «المقطع الحواري الذي يأتي في كثير من الروايات في تضاعيف السرد»[25]، و يعتبر عنصرا مهما لما يحظى به من مكانة متميزة داخل الحركة الزمنية للرواية، و ذلك بفضل وظيفته الدرامية في السرد التي تمكنه من كسر رتابة السرد و تحقيق توازن بين زمن القصة و زمن الخطاب.

كما يكشف لنا عن الطبائع النفسية للشخصيات و مواقفها من مختلف القضايا، إضافة إلى أنه يعمل على إيهام القارئ بواقعية أحداث الرواية.

و قد يأتي في شكل افتتاحية للرواية أو مشهد ختامي في نهاية الفصل أو الرواية، كما قد يتخلل السرد أثناء سير الأحداث ، و قد اخترنا من القصص الموميء إليها آنفا   أهم المشاهد التي لكل واحد منها أبعاده و مراميه.

أ-1- المشهد في قصة (خطيئة عبد الله اليتيم):

فهذا مشهد ساخر بين القاضي و عبد الله نكتشف من خلاله التهمة الموجهة له، و المتمثلة في دخوله بيت صاحبة الرسالة دون استئذان، كما تُبين لنا اللغة المضحكة التي يتحدث بها القاضي مدى قصوره و جهله:

«هل قغأت القغأن؟ سأله القاضي.

-      ذهابا و إيابا أجابه.

جيد و هل قغأت: “يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غيغ بيوتكم حتى تستأنشوا و تشلموا على أهلها؟…”

-      في المهد.

-      و هل فهمتها؟

-      طبعا، رد بامتعاض.

-      هل تحب الله؟

-      و من تريد أن أحب غيره؟ السافلين و القتلة؟ لا يا صديقي.

-      إذن لماذا دخلت إلى داغها؟ استرسل القاضي.

-      من؟

-      شاحبة الغشالة.

-      أجب لماذا دخلت داغها؟

-      لم أفهم.

-      أتشخغ مني؟

حاشا، علق عبد الله اليتيم، و أردف لم أفهم ما قلته، هل لك مترجم من العربية الفصحى إلى العربية الفصحى؟».[26]

-      أ-2- المشهد في قصة (ما حدث لي غدا):

يقوم المحقق في هذا المشهد باستنطاق عبد القفار الزوالي قبل أن يقرر مصيره:

«من أنت؟ يسألني الظل.

أنا؟ خطأ مطبعي ارتكبته امرأة، و وزعته على المدن الخاصة جدا لزرع اليأس و الحكمة و مفهمة الأمور الأرضسماوية.

-      رقم فمك؟

-      تسعة و عشرون مزبلة.

-      هل تحلم أحيانا؟

أمس جاءني غاليليو على متن كابوس متقاعد، و أخبرني بأن الأرض توقفت عندما أصبح الناس يدورون.

-      ألم تحلم منذ شهر بأنك قتلت نفسك؟

-      أنت و أنت أعلم، لكني أظن أن سحابة غدر دهستني و بعض الظن إثم؟

-      آه…نسيت قل لي ما اسمك؟

-      اسمي؟ عبد القفار بن النحس الزوالي المكنى أبو الصعاليك.

-      ألا زلت تخجل كعادتك؟

-      ذلك إرثي الوحيد، و عندما يضيع الخجل تصبح الدنيا طاحونة».[27]

أ-3- المشهد في قصة (مذكرات الحائط القديم):

نعثر على مشاهد استرجاعية كثيرة تنبعث من طفولة عبد الوالو, يتذكر فيها كيف كان يستفسر من جدته عن بعض الأمور التي لم يفهمها في الحكايات التي ترويها له، لكن أهم مشهد يصادفنا هو ذلك الذي يحمل تهديدا ضمنيا لعبد الوالو على لسان مبعوث الوزير:

«اسمع يا عبد الوالو!وزيرنا المبجل يحترم فيك شجاعتك و حفاظا على سلامتك وزيرنا المبجل يريد مقابلتك علك تفيء و ترجع إلى أمرنا.

-      ليتفضل.

-      انتظر قليلا.

-      اسمع، قل له إن عمري ثلاثون سنة أي ثلاثون معجزة و منذ عشرة قرون و خمس دقائق و أنا أنتظر.

هذا أنت أيها الوزير؟ اللعنة على كل سلالتك و على وجهك كل بصاق المرضى أيها اليهوذا الأسخريوطي».[28]

أ-4- المشهد في قصة (وفاة الرجل الميت):

 نعثر في هذه القصة على هذا المشهد الذي يحقق فيه المحقق مع عبد الرحيم طارق، إذ يضغط عليه لكي يعترف بأنه قيس بن الملوح:

«كيف عرفت بأنك لست قيس بن الملوح؟ مجمج المحقق.

-      لأني لم أعرف امرأة اسمها ليلى أنا من عواصم الموتى التي تنير الطرقات للمكفوفين.

-      ألا تعرف بأنك قيس بن الملوح؟ فاجأه المحقق.

-      أنا عبد الرحيم طارق».[29]

أ-5- المشهد في قصة (من فضائح عبد الجيب):

إن أهم مشهد يواجهنا في هذه القصة هو ذلك المشهد الاستشرافي الذي يحذر فيه الجد حفيده من الخراب الذي سيصيب القرية بسبب عودة “ديدان الخبيث” إليها:

«هل تعرف ديدان الخبيث؟ سألني.

-      رفعت عيني فاقشعر عمري كله، آثار البكاء و حمرة! نمل لحمي و أحسست بالبرد، برد شديد يغزو جثتي الصغيرة التي كدمية ذاهبة إلى الانحلال المؤكد.

-      هل سمعتني؟ سأل ثانية.

-      نعم أعرفه.

-      قلت لي أنك تعرف ديدان الخبيث.

-      نعم أجبته، و كان الحزن يغمرني جدي يبكي!

-      و هل رأيته.

-      ظننته يمزح.

ألم تسمع؟ قال الجد، هل التقيت ديدان الخبيث ابن عمار الذباح الذي اختار صف الغزاة فنهب ما نهب و قتل من قتل، لم يعمل مثقال ذرة خيرا.

هل تسمعني جيدا؟ راحت أيام و جاءت أيام و ها هو ديدان منتشر فوق رؤوسنا جميعا، إنه رأس الفتنة.

اسمع جيدا و كن رجلا، هذا الشجر سيختفي قريبا. تأمل هذه النعمة ستصبح خرابا، سيفعلها ديدان الخبيث، إنه يخطط لترحيلنا عبد الجيب مثل الطاعون و أكثر».[30]

أ-6- المشهد في قصة( 37 فبراير):

تبدأ هذه القصة بمشهد عاصف ينزعج فيه الباش قاعد من كلام ابن آدم الذي يريد أن يفهم, فيطرده الباش واقف، لأن مملكة الله غالب تتوتر من الفئة التي تحب أن تفهم.

«بطيبة المنسيين و عفويتهم أحب معرفة هذا المستحيل الذي قاءه الباش قاعد عندما أم مركز الله غالب لاستخراج الوثائق الثبوتية و تصحيح الخطأ الذي لا يعرف عنه شيئا.

-      آو، كيف ولدت يوم 37 فبراير؟ هبلت؟ مستحيل.

الله أعلم، كل واحد و مكتوبه، واحد يولد في الشتاء و واحد في الربيع القضاء و القدر، قال لنا شيخ الجامع أنا لم أفعل شيئا ولدت كالناس.

انزعج الباش قاعد من إجابته التي بدت خرقاء، و فقد الكلام، كاد أن يصاب بالسعار لولا تدخل الباش واقف لطرد هذا الذي يحب أن يفهم.

-      امش من قدامي، صرخ الباش واقف في وجه ابن آدم».[31]

أ-7- المشهد في قصة (أوجاع الفكرة):

نعثر في هذه القصة على مشهد في شكل مونولوج يكشف لنا عن رأي الكاتب فيما يحدث له في حاضره، فإحساسه بالوحدة و الغربة دفعه للتفكير في خلق مخلوق على مقاسه يفهمه  و يسانده، فيكون معه شاهدا على الاضطهاد الذي يتعرض له المثقف في هذا الزمن الآثم:

«يا أحمد علي، رأيت في المنام أني جاعل إياك حكيما.

-      افعل ما شئت فستجدني إن شاء الله من الصابرين.

سأكتبك الآن فوق هذه الورقة و أشملك بعنايتي، فتحت الباب لأحمد علي و قلت له: لا تقلق و لا تحزن إن أصابتك مصيبة لا تقنط من روح الله و من قلمي الذي رأى بالحبر و أنامل الضياء إني هنا، أنا سندك و مأواك.

-      أريد أن أطرح عليك سؤالا يا خالقي.

-      عدت يا أحمد علي، ما بك؟

-      سيدي و مولاي، وجدت على الرصيف رأسا، رأس إنسان و كان الناس يعبرون دون اكتراث.

-      لهذا خلقتك، ستكون شاهدا معي، تدون ما استطعت إليه سبيلا، ترسم لون المجزرة».[32]

 

-      أ-8- المشهد في قصة (الجورب المبلل):

تنتهي هذه القصة بمشهد ختامي يفصح فيه الجورب (أي المثقف) عن الذين اضطهدوه و همشوه:

«من كان يدوسك يا سيدنا الجورب؟ من هؤلاء القذرون؟

-      أقرب الناس إلي، أجاب الجورب الأغبر ، ثم نام».[33]

ويتضح لنا مما سبق أن المشاهد في قصص السعيد بوطاجين ليست فقط تقنية من تقنيات تعطيل السرد، بل تسهم في بناء العمل القصصي، كما تجسد المقاطع الحوارية المبثوثة بين ثنايا هذه الأعمال القصصية مشاهد درامية انفعالية مشحونة بالأحاسيس  و المشاعر و الأحداث و المواقف الجريئة.

ب- الوقفة: Pause

«تعمل الوقفة الوصفية مع المشهد على إبطاء زمن السرد الروائي، حيث يتم تعطيل زمن الحكاية بالاستراحة الزمنية ليتسع بذلك الخطاب و يمتد. فالوصف وقوف بالنسبة إلى السرد، و لكنه تواصل و امتداد بالنسبة للخطاب»[34]، لذا تلعب الوقفة الوصفية دورا بالغ الأهمية في بناء النص الروائي،  فلا نكاد نجد رواية قديمة أو حديثة تخلو منها؛ إذ يلجأ إليها الكاتب لأغراض متنوعة نعرض لها فيما يلي:

-     الوظيفة الجمالية التزيينية:

تؤدي دورا جماليا و تزيينيا في النص الروائي فهي بمثابة استراحة للسرد.

-     الوظيفة التفسيرية الرمزية:

تسهم مساهمة كبيرة في بناء الشخصية أو الحدث.

 

 

-     الوظيفة الإيهامية:

تعمل على إيهام القارئ بواقعية الأحداث.

و عندما ينشغل الروائي أو القاص بالوصف يتعطل زمن السرد و يتمدد الخطاب و يتوسع زمنه، و إذا عدنا لقصص السعيد بوطاجين نجده قد وظف فيها تقنية الوصف لتصوير الأماكن في نادر الأحيان، أو لرسم بعض الشخصيات في أحيان أخرى.

ب-1- الوقفة الوصفية في (خطيئة عبد الله اليتيم):

يتوقف السرد في هذه القصة عندما يصف الراوي عبد الله و يكشف عن بعض ملامحه الخارجية أثناء محاكمته. فقد «بدا متلكئا، غير قادر على هضم لون التهمة»[35]، و «ظل غير مهتم تقريبا، يداه على ركبتيه المطبقتين و هو يتأمل المطلق و شكل البؤرة التي ستحتضنه».[36]

كما يوظف الكاتب الوقفة الوصفية لرسم معالم المكان، فيقدم مجموعة من المعلومات عنه, و ها هو يصف لنا قاعة المحكمة في هذا المقطع الوصفي الذي يؤدي وظيفة تفسيرية  و رمزية, يؤكد من خلاله حقيقة هذا المكان «كانت القاعة مبهرة خانقة كأنما قُدت من بستان ثماره ندوب في أركانها الأربعة جحظت شعارات تنبعث منها رائحة العدل و الأخوة و المساواة»[37]، فقد «أصبحت القاعة كتلة صمت، تابوتا كبيرا محفوفا بالجنازات»[38]، و «جال الحاضرون بنظراتهم في القاعة الكبيرة، أبصروا. هنا و هناك تألقت آيات بيينات و شعرات تمجد الحق و العدل، و السلطان الذي لا تخفاه خافية».[39]

ب-2- الوقفة الوصفية في قصة (ما حدث لي غدا):

نلفي في قصة (ما حدث لي غدا) هذا المقطع الوصفي الذي يصف فيه عبد القفار الملامح الخارجية للمحقق «على بعد أمتار قليلة وقف الظل شاسعا و طويلا كان، و له سيماء هامة أي فرعون هذا؟ لا بد أنه شق السماء و نزل»[40]، «و الظل؟ قشرة طافية على سطح الذكرى: شفتان ممتلئتان متدليتان على الصدر، واسم بلا راية. إنه ابن عم سقطت منه الشهادة و فقد الهوية من وقتها أصبح كنعانيا يبحث عن نسب».[41]

و لم يقتصر السعيد بوطاجين فيها على وصف الشخصية، و إنما برز فيها وصف للمكان بصورة عابرة يجسد من خلاله صورة هذه المدينة الجائرة على آمال و أحلام شعبها، «فتحت سماء المدينة ذات الأزقة الشمقمقية و الشوارع المحظوظة تولد عشرات الأحلام و تموت الآلاف».[42]

ب-3- الوقفة الوصفية في قصة (مذكرات الحائط القديم):

يوظف السعيد بوطاجين في هذه القصة تقنية الوصف بصورة كثيفة، و لعل أهم مقطع وصفي يسترعي انتباهنا هو ذلك الذي يتصل فيه الوصف بالسرد، فيخبرنا من خلاله عبد الوالو عن علاقته بأهل قريته «من نافذتي المخزونة يتلصص عالم بلا شهية، و هذه الوحدة لا تختلف عن كابوس متواصل لا يطاق، و رغم أن سكان القرية طيبون على طريقتهم إلا أنهم يبدون تعساء كل واحد منهم يخفي آلاف الأعين و الأصابع إذ كلما تسللت إلى الشارع خطأ إلا رجعت مسكونا بالقلق الوجودي و الوشوشات: “هذا براني، هذا براني” ».[43]

ب-4- الوقفة الوصفية في قصة (وفاة الرجل الميت):

يكشف لنا الراوي في هذه القصة عن بعض الملامح الداخلية و الخارجية لعبد الرحيم طارق «في دمه يتسكع حزن برباط عنق أصفر»[44]، و «في مكانه مكث واقفا كعمود كهربائي قزم و أعمشن، عيناه تطرقان إلى البلاط و في عروقه تنعق بومة».[45]

كما يقدم لنا بعض المعلومات عن المكان الذي وُضع فيه، فقد «اقتيد في صمت مجلل إلى قبر آهل بالعتمة و العطش».[46]

ب-5- الوقفة الوصفية في قصة (من فضائح عبد الجيب):

نجد في هذه القصة عدة مقاطع وصفية لكن أهمها تلك التي جاءت على لسان سعيد حينما يصف ملامح جده «أشهد أني أبصرت خللا في وجهه النوراني لمحت تلك الإشراقة و في مكانها استقر لون يشبه الندم و الكآبة»[47]، و «في عينيه أبصرت آثار البكاء».[48]

كما نعثر أيضا على مقطع آخر وصفي ختامي استرجاعي, يستحضر من خلاله سعيد ذكرى المكان قبل خرابه، فيصفه قائلا: «ها هنا كان شجر التفاح و الدالية، هنا التين و الزيتون و الكرز و النخل. ها هنا آثار الأهل و الرمان و الساقية التي حملت سفني الورقية».[49]

ب-6- الوقفة الوصفية في قصة( 37 فبراير):

تتخلل هذه القصة عدة مقاطع وصفية يصف فيها الكاتب شخصيات مملكة الله غالب، نذكر من بينها وصف المعلم لبعض الملامح الخارجية للباش قانون «إنه الخبث ذاته برجلين و ربطة عنق و بعض العطر و الياسمين و القبائل البائدة».[50]

ب-7- الوقفة الوصفية في قصة (أوجاع الفكرة):

نلفي في قصة (أوجاع الفكرة) العديد من المقاطع الوصفية, التي يكشف فيها الكاتب عن بعض الملامح الخارجية و الداخلية لفكرته, التي جعل منها إنسانا يحس و يحاول أن يفهم ما يدور حوله ، كما أطلق عليها اسم أحمد علي «تأملت رأس أحمد علي، كان هناك في المكان الذي رسمته فيه، شعر يقظ و عينان ذابلتان يعلوهما ضياء غريب لم أتبين مصدره»[51]، و «كان يمشي خببا، يلتفت يمنة و يسرى كمن يبحث عن سر ما»[52]، لكنه رجع «فتحت له الباب فدخل ممتقعا، اتكأ على حائط البهو و نظر إلي مصعوقا، كان وجهه مرتبكا مثل عصفور مبلل بخوف العبيد».[53]

ب-8- الوقفة الوصفية في قصة (الجورب المبلل):

يبرز لنا في هذه القصة هذا المقطع الوصفي المهم الذي يجسد الصورة المزرية و المؤسفة التي وصل إليها المثقف في هذا الزمن «بقي في النهر الطيب فُتاة ماء استحال بركا صغيرة أمتها الضفادع و الحشرات، و مع الوقت أصبح الناس يغسلون جواربهم هناك و يشربون النبيذ على ضفافه الحزينة التي تيبست مثل تجاعيد فكرة مذهلة».[54]

نشير في الأخير إلى أن السعيد بوطاجين قد اعتمد في تقديمه لأغلب المقاطع الوصفية على الرؤية البصرية باعتبارها أهم آليات الوصف، كما أنه تمكن بفضل تقنيات زمن السرد من التحكم في سرعة الزمن، فعمل على تسريعه بالاختصار و الحذف، أو تعطيله بالحوار و الوقفة الوصفية.

خاتمة:

و مما سبق يمكننا القول إن وتيرة السرد في الخطاب القصصي البوطاجيني قد تميز بالخصائص الآتية:

- تركيز الكاتب على كل من المشهد و الوقفة الوصفية لتعطيل السرد, مقارنة بالخلاصة و الحذف الذي مدد إلى حد ما من زمن الخطاب.

- استخدام المشاهد لزيادة توتر الأحداث، و للكشف عن بعض الحقائق الغامضة.

- اعتماد الكاتب على تقنية الحذف غير المحدد.

- تأدية أغلب الوقفات الوصفية المستخدمة في القصص وظيفة تفسيرية رمزية.   

- توظيف الكاتب الوقفات الوصفية بغرض الكشف عن معالم بعض الأماكن و تبيينه علاقة الشخصيات بها، كما أسهمت أيضا في إماطة اللثام عن بعض الملامح الداخلية و الخارجية لبعض الشخصيات داخل هذه النصوص القصصية.   

  مصادر 



[1]  Gérard Genette: Figures III 1972, ,p130.

[2] مها القصراوي: الزمن في الرواية العربية، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، 2004، ص 224.

[3] حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي(الفضاء، الزمن، الشخصية)، المركز الثقافي العربي، ص 145.

[4] المرجع نفسه، ص 146.

[5] السعيد بوطاجين: ما حدث لي غدا (قصص)، منشورات الاختلاف، الحزائر، ط 2، 2001، ص 9.

[6] المصدر نفسه، ص 89.

[7] السعيد بوطاجين: وفاة الرجل الميت (قصص)، دار الأمل للنشر و الطباعة و التوزيع، تيزي وزو،الجزائر، ط 2، 2005 ص 98.

[8] المصدر نفسه، ص 90.                                

[9] السعيد بوطاجين: اللعنة عليكم جميعا (قصص)، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2001، ص 35.

[10] المصدر السابق، ص 62.

[11] السعيد بوطاجين: اللعنة عليكم جميعا (قصص)، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2001، ص 35.

[12] المصدر نفسه، ص 51.

[13] حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي(الفضاء، الزمن، الشخصية)، ص 156.

[14] محمد عزام: شعرية الخطاب السردي(دراسة)،إتحاد الكتاب العرب، دمشق،2005، ص 110.

[15] حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي(الفضاء، الزمن، الشخصية)، ص 157.

[16] المرجع نفسه، ص 162.

[17] السعيد بوطاجين: ما حدث لي غدا (قصص)، ص 10.

[18] المصدر نفسه، ص 82.

[19] السعيد بوطاجين: وفاة الرجل الميت (قصص)، ص 103.

[20] المصدر نفسه، ص 93.

[21] السعيد بوطاجين: اللعنة عليكم جميعا (قصص)، ص 27.

[22] المصدر نفسه، ص 63.

[23] السعيد بوطاجين: حذائي و جواربي و أنتم (قصص)، ص 16.

[24] المصدر نفسه، ص 50.

[25] حميد الحميداني: بنية النص السردي( من منظور النقد الأدبي)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط 3، 2000، ص 78.

[26] السعيد بوطاجين: ما حدث لي غدا (قصص)، ص ص 15-17.

[27] المصدر نفسه، ص ص 87،88.

[28] السعيد بوطاجين: وفاة الرجل الميت (قصص)، ص ص 93،94.

[29] المصدر نفسه، ص ص 100، 101.

[30] السعيد بوطاجين: اللعنة عليكم جميعا (قصص)، ص ص 26 – 29.

[31] المصدر نفسه، ص 55.

[32] السعيد بوطاجين: حذائي و جواربي و أنتم (قصص)، ص ص 12-21.

[33] المصدر نفسه، ص 56.

[34] مها القصراوي: الزمن في الرواية العربية، ص 247.

[35] السعيد بوطاجين: ما حدث لي غدا (قصص)، ص 9.

[36] المصدر نفسه، ص 9.

[37] المصدر نفسه، ص 9.

[38] المصدر نفسه، ص 17.

[39] المصدر نفسه، ص 20.

[40] المصدر السابق، ص 84.

[41] المصدر نفسه، ص 89.

[42] المصدر نفسه، ص 82.

[43] السعيد بوطاجين: وفاة الرجل الميت (قصص)، ص 81.

[44] المصدر نفسه، ص 97

[45] المصدر نفسه، ص 101.

[46] المصدر نفسه، ص 98.

[47] السعيد بوطاجين: اللعنة عليكم جميعا (قصص)، ص 23.

[48] المصدر نفسه، ص 25.

[49] المصدر نفسه، ص ص 34، 35.

[50] المصدر نفسه، ص 63.

[51] السعيد بوطاجين: حذائي و جواربي و أنتم (قصص)، ص 19.

[52] المصدر نفسه، ص 14.

[53] المصدر نفسه، ص 19.

[54] المصدر نفسه، ص 54.

/

* قاصة وأستاذة جامعية من الجزائر 

اترك تعليقا