رحل الشاعر اليمني عبده عثمان مُحَمّد، ووطنه يمرّ بمرحلة حرجة، لدرجة لم يلتفت لوفاته ما تبقى من الإعلام المحلي، باستثناء رسائل نعي ظهرت على عجلٍ وخجلٍ في هوامش إخبارية، وحتى هذه الرسائل لم تمنحه حقه ومكانته الأدبية، واقتصرت على صفته الدبلوماسية سفيراً.
ومثل هذا قد يكون طبيعياً في مرحلة يمنية لا صوت فيها يعلو فوق صوت السياسة والرصاص، وفي واقع كهذا من الطبيعي أن تتراجع الكلمة ويخبو بريقها الأدبي.
رحل بصمتٍ وحتى بعد رحيله بشهرٍ لم نقرأ أو نسمع من يتحدث عن تأبين تذكّري احتفائي بتجربته، بما فيها وزارة الثقافة واتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين؛ فالجميع مشغولون بتداعيات الحرب وغابوا تحت وطأة الحرب والموت اليومي.
توفي عثمان (1936-2017) في القاهرة؛ وهي العاصمة التي ظهرت وتبلورت فيها تجربته الشعرية، بصحبة عددٍ من كبار شعراء اليمن ومصر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وبرحيل هذا الشاعر؛ يخسر الشعر اليمني، واحداً من أبرز رواد قصيدته الحديثة والجديدة، ممن كرسوا شعرهم من أجل تطوير واقعهم الاجتماعي والإبداعي في آن؛ حتى أن اسمه لا يُذكر إلا مع نخبةٍ من الشعراء اليمنيين التجديدين أمثال، عبد الله البردوني، لطفي أمان، محمد الشرفي، محمد سعيد جرادة، عبد الودود سيف، وعبد الله سلام ناجي…الخ.
إلى ذلك يضعه بعض النقاد ضمن أوائل الشعراء اليمنيين في الشعر الحديث، في خمسينيات القرن العشرين، الذين انتقلوا بالشعر اليمني إلى مرحلة التجديد. كما كان ممن أسهموا في تطوير مضامين القصيدة اليمنية في علاقتها بهموم وقضايا الوطن والإنسان والتطلع لمستقبل وارف بقيم الحرية والعدالة والسلام. كتب قصيدة التفعيلة والقصيدة الجديدة وله إسهامات في الشعر الغنائي، ومن أشهر أعماله الشعرية الغنائية تلك التي غناها الفنان الراحل أحمد بن أحمد قاسم.
يقول الشاعر والناقد عبد العزيز المقالح في تقديم الأعمال الكاملة للشاعر الراحل، التي صدرت عام 2004 عن وزارة الثقافة في صنعاء: «لم يكن الشاعر عبده عثمان محمد، واحداً من رواد القصيدة الجديدة في اليمن وحسب، بل كان أهم روادها، وإليه أولاً، ثم إلى عدد من زملائه الذين كانوا يواصلون في الخمسينيات دراستهم في القاهرة ثانياً، يرجع الفضل في دخول الشعر المعاصر في اليمن هذا المنعطف التجديدي الكامل، بعد أن ظهرت بوادره من خلال التأملات التي سجلتها قصائد عددٍ من الشعراء المقيمين في الوطن». كما أن عبده عثمان واحد من أبرز رموز تيار الشعر المهجري اليمني؛ فقد أمضى قسطاً كبيراً من عمره في المهجر، سواء من خلال دراسته في القاهرة وبغداد وألمانيا، أو في عمله الدبلوماسي سفيراً في أكثر من عاصمة منذ ستينيات القرن الماضي.
ربطت الشاعر الراحل علاقات بعددٍ من كبار الشعراء اليمنيين من مختلف الأجيال، مثلما ربطته علاقة خاصة برفاق جيله، أمثال الشاعر عبدالعزيز المقالح، لدرجة أصدرا معاً ديواناً مشتركاً «مأرب يتكلم». كما ربطت الشاعر الراحل علاقات بعددٍ من كبار الشعراء العرب بعضهم كان رفيقاً له خلال دراسته في القاهرة، كالشاعر المصري الراحل صلاح عبدالصبور. ومما قاله المقالح في هذا الصدد، إن صلاح عبدالصبور كان كلما ذكر عبده عثمان يصفه بالزميل، وفي هذا سأله المقالح عن سبب حرصه على إطلاق صفة الزمالة على الشاعر عبده عثمان، كلما ورد ذكره فقال عبدالصبور: لقد عشنا معاً منذ منتصف الخمسينيات، وهي الفترة التي تبلورت فيها القصيدة الحديثة في مصر، وكنا مجموعة من الشعراء الشبّان نعيش مناخاً شعرياً مشتركاً، ونتطلع بكل أشواقه وخيالاته نحو الحداثة، وقد عرفتنا المقاهي الفقيرة وشقق السطوح، وكان من أفراد هذه المجموعة غير عبده عثمان مثلاً: أحمد عبدالمعطي حجازي، محمد الفيتوري، إبراهيم شعراوي، محمد مهران السيد، كمال عمّار، فوزي العنتيل وكامل سند. كنا نختلف كثيراً، ونتنافس ونتناقش كثيراً، ونشترك في الأمسيات الشعرية، ونقرأ لبعضنا ما نكتبه قبل النشر».
تميزت قصيدة عثمان بمضامينها التنويرية الداعية إلى التطوير، كما مثلت فنياً منعطفاً مهماً من منعطفات تجديد الشعر اليمني الحديث، كما اعتبرت تجربته من أميز تجارب القصيدة الجديدة، حتى أنه يعدّ من روادها في اليمن. كما يعدّ مع المقالح من أوائل من وظفا الشعر في التعبير عن الواقع بمستوى الآلية الفنية التي عبر عنها الشاعر العربي في بغداد وبيروت والقاهرة، وفق أحد النقاد ممن يرون أن عثمان كان، أيضاً، رائداً يمنياً في توظيف الأسطورة رمزاً شعرياً منذ ستينيات القرن الماضي. لقد أثر عمله في الوظيفة الدبلوماسية العامة على تجربته الإبداعية؛ فبقي بعيداً عن الأضواء والنشر، حتى أنه يصعب أن تجد له صوراً كثيرة في أي من محركات البحث الإلكترونية على شبكة الإنترنت، ما يؤشر لعزوفه عن الإعلام والنشر، ويؤكد ذلك إقلاله في النشر، سواء على مستوى القصائد أو المجموعات والدواوين. ومن دواوينه الشعرية: «فلسطين في السجن، مأرب يتكلم (بالاشتراك) 1971، الجدار والمشنقة 1977، واحد من الناس 1979».
تقول سيرته الذاتية المتاحة إنه بدأ تجربته مع التعليم بقراءة القرآن، ثم التحق بإحدى المدارس الأهلية في عدن، ودرس المرحلة الابتدائية ليُنهي مرحلته الثانوية في القاهرة، ومنها التحق بكلية دار العلوم في القاهرة ومن ثم انصرف عنها والتحق بمعهد الدراسات العربية، ثم درس في كلية القانون والسياسة في جامعة بغداد. شغل منصب مستشار ومعلق سياسي في إذاعة صنعاء عام 1962م ثم وزيراً لشؤون الوحدة عام 1967م ثم سفيراً في أكثر من بلد عربي وأجنبي… نشر بعض قصائده ومقالاته في الصحف والمجلات العربية مثل: «الشعب»، و«المساء»، و«الرسالة»، و«الآداب».
ونقتطف مما قال في ديوان «الجدار والمشنقة»:
وفي الزوايا الحالكة
أخوض أقسى معركة
أنازل الشيطان والملائكة
وتارة أعود للنذور
أسابق المؤذنين للصلاة ساعة السحر
أعدو فتبعد المنارة
تنعدم الأصوات والإشارة
أسقط في الظلام أندب الحضارة
/
*المصدر القدس العربي
* كاتب من اليمن




