صدر الحكاية بين تأطير العمل الفني وبلاغة القراءة الداركة/ النوري عبد الرحمان *
بواسطة admin بتاريخ 14 أغسطس, 2017 في 02:37 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1066.

 

صدر الحكاية …بين وهج العنوان .. والبعد الحكاواتي
لقد أصبح معروف اليوم ولاسيما ونحن نلج عوالم النقد الحديث منذ ظهور المدارس النقدية المتعددة والمتنوعة من المدرسة الشكلية والبنيوية والتأويلية و السياقية والسيميائية وخاصة فيما يتعلق بعلم النص وعلم العلامات أن للعتبة دور مهم في تفسير النص العام ، كما أن لها أهمية بالغة من حيث أنها تمتلك حيز قصير لكن تحدد معالم متعددة ومتنوعة وتعبر عن وظائف شكلية وجمالية تطغى على النص كله ، فالعنوان هو مصدر إيحاء وإلهام حقيقي للنص بل يعد الزيادة الذي يطغى علية الرونق والجمال ، فالدلالة النصية من خلال العنوان ومن منظور علم العلامات تعد هذه الدلالة مدخلا ما يشبهه بالجسد ورأسه العنوان ويعد كذلك علامة من العلامات اللغوية وهذا يضفي دورا علاميا مهما ودلاليا أساسيا بالنسبة إلى النص الذي يتصدره ويتوجه ، وقد يثير العنوان في العديد من المرات إشكالات وإبهامات وهذا ما جعل من الكثير من النقاد والدارسين يولون له اهتمام متزايد لماله من أهمية وتأثير على النص بل دفعت بعض الدراسات أن تخرج بنظريات ومناهج تسمى ” علم العنوان “ومن هؤلاء المنظرين لذلك كلود دوسيه ،وليوهيو هوك ،وجيرار جنيت والذي خصه بكتاب عنوانه ” عتبات ” واعتبر العنوان نوع من تعالي النص وهو موازي للنص بل العنوان للكتاب يكون مشتق من المعنى ذاته ، ويعتبر الناقد ليو هو هوك وهو من مؤسسي علم العنوان الحديث ” بأنه مجموعة من العلامات يمكن أن تدرج على رأس النص لتحدد محتواه العام ” ومن هذا المنطلق الذي يدخل ضمن الإطار المفاهيمي للعتبة لقد جاء عنوان ” صدر الحكاية ” والذي نحن بصدد تحليله لقد وصل بنا بناءه اللغوي في إثارة القارئ كي يطرح تساؤلات حول العلاقة بين العتبة ومضمون النص ، وكأن هناك إحالة رمزية غير مباشرة بين العنوان وفحوى النص وهذا مدخل متمكن يجعلنا نغوص في العملية الترابطية من حيث أن هناك عنوان يتركب من لفظين موحيين واضحتا السياق ليس هناك غموض في المرادفات بل هناك إعجاب من الوهلة الأولى من موسيقى العنوان وهذا من وراء إقحام القارئ للدخول متاهة العنوان والتي قد يطغى عليها الاستفسار ثم التعجب لكن ما هو مؤكد وبائن إن العنوان خرج من التقليد إلى روح الحداثة وهذا هو الذي أراد القاص قلولي بن ساعد من وراءه تحديد العنوان لينسجم والبعد الذي دارت حوله حوادث الحكاية لأنها استنباط من الزمن الذي انكسر فيه أناس وسعد منه آخرون ،ولكن من صدر الحكاية غابت شمس هؤلاء وبقيت الذكرى تتخبط في إعادة السيناريو من جديد ،و تبقى حقيقة العنوان محفوفة برواسب الزمن التي لا يظهرها إلا الصدر والذي يمثل الذروة الحكاوتية ذات الذوق السليم إعمالا للدلالة الفعلية هذا من الجانب التعمق للاستدلال بالعنوان الذي هو الركيزة التي تنطلق منه المكونات العنوان صدر الحكاية
الصدر اسم نكرة مضاف الحكاية معرفة مضاف إليه
فعنوان المجموعة القصصية يحفزنا لمعرفة محتوى النص القصصي أو المجموعة برمتها فكان الظاهر من العنوان هو اختيار منطقي مدروس من القاص قلولي بن ساعد ومرد ذلك للتجربة الواسعة وحنكته النقدية والدراسات المتعددة هذا من جهة ،ومن ناحية ثانية العنوان انطلق من عبارة الصدر وهي اللفظة الموحية للدلالة أنه الأعلى في الجسد وهو الذي يواجه المحن والمصائب والأعباء كما أنه مركز الحنان والعطف المؤكد،إذا مع هذا كله مصدر الحمولة من الهموم والمآسي وكذلك منبع اللين والتقبل لكل شيء ،والصدر يحمل أجزاء مهمة القلب والأجهزة الحساسة وهو قريب من اللسان الذي ينطق ويعبر ، كما أن نص العنوان حمل جانب مجازي هام والدلالة الإيضاحية هي الحكاية على الرغم من أنها لفظ مكمل إلا أنه موحي جدا لما تحملها الحكاية من تراكمات فيها الجميل المؤكد ومسار الزمن الغريب الناقل للهموم والمأسي والمحن..
صدر الحكاية بين زمنية الواقع وإعادة وسم حياة المعيشة
إن ما تتسم به هذه الحكايا في بعدها الزمني الذي تذوب فيه الأحداث وفق التسلسل المنطقي لا متناهي ،كون النص يبنى بطريقة الترابط والتماثل في تحديد أبعاده من زوايا مختلفة ويكون التباين في الكثير من المرات إسمنت الأحداث وروحها الذي تترأى من خلاله الصورة الحاملة للكينونة والدالة على الفهم الجيد ،هكذا يكون المنطلق لصدر الحكاية التي أراد صاحبها القاص والكاتب قلولي بن ساعد إبداء نمطية في الحبك القصصي من منطلق إبراز سيرة هؤلاء الذين يسكنون تحت الظل لا يعرفهم إلا من خالطهم أو سمع عنهم أو عَرف أثقال أحداثهم المتراصة بالمحن في زمن الجليد غير القابل للذوبان، أحداث هؤلاء يعتريها الخوف من الداخل وتتشابك فصولها المحن وتتكدس حقيقة الأبطال على درج فضاء الأحداث والواقع المشحون بالعوز والحاجة والإرادة وعدم الانكسار، رَوح هؤلاء الدراويش و المهمشين ترتعش أمام الحب الخالص وتتعاظم بين المزريات و تتماسك بين فتراتها رُوح التريث والرغبة ،ولا ينعدم الانتشار الهادئ في زوايا الأمكنة وبين صدحات التردد والإقبال في كينونة دافعة لتحديد بوصلة الذات من منطلق تنهيدات المعاناة ونشوة الانتصار الدائم وغير الدائم وحيرة الولهان من عذاب الروح المتمردة التي لا تنحني للانكسار الأبدي ، والتقرب الحقيقي يتأتى من الملمح القصة وفي حركة الأبطال وزخم الأحداث وفضاء التعريجات المشوقة، وهنا القاص وضع منظومة مدخلها البناء الذي أراد من خلاله تنظيم الجانب السِّيَري في غطاء سردي مبعثه لا محالة تطوير الحياة المكتوبة والطريقة التي تتناص فيها الحياة من نص تراجم هؤلاء الدراويش كما هو مشهود في ذلك ،وما يجذب ذلك المتلقي في هدوء أثناء معاشرة أحداث القصة بإمعان متلذذا صفوة الذوبان الحدثي مترقبا المخرجات الساكنة من قلب الحكايا من صدر الحكاية فَتُقلبه صفحات الزمن قبل أن يقلب هو صفحات الورق وتتحلل أمامه مرئيات الدنو والإقدام والتردد والإدبار يظهر في قالب مشدود “الدرويش السعدي “في “حكاية حب قديمة” تغلب عليها صورة الانجذاب ملفوفة بزمن التذكار تحاصرها ذكريات العشق الجميل وتحاط بها كما يتحدى الفضولي المعارج لإشباع فضوله من المشهد الذي يريد أن ينغمس فيه ،وترسل الأيام مواقف التذكر والتذكار من حوصلة السيرة الذاتية كما يرى المفكر والناقد الأمريكي هيو سيلغرمان ” ليست السيرة الذاتية أو السيرة الحكاوتية ، ننطلق دائما من تفسيرات ذات الشخص ، بل تكون صورة عاكسة لذاتية أشخاص آخرين أضحوا جزء من الحكاية العامة قرية أو مدينة ” وللنص كينونته تنبني على ساحته الحياة المروية والتي تمثل انبعاث نحو حياة زمنية مكدسة في نفس الأخر فعبَّر عنها ،وإذا كان النص يتخذ من مخيلة الدروايش والذين حملتهم أرواحهم فوق المعقول والانصراف إلى وجهة الا المعقول فتصرفاتهم تمتزج بين الدعابة الحيواتية والكرامة الربانية وربط ذلك بالصورة لا متناهية النابعة من مخرجات المدينة المترامية الأطراف هكذا أراد القاص بن ساعد قلولي بعث المدينة كفضاء ممزوج ببعض التناقضات والدرويش كالسعدي الصاف،والحاج المشري وغيرهم ،وكأن ذلك الزهدي من يومياته يصنع أحداثا تتكلل بالأهمية بل صار مشهدا لا يمكن الاستغناء عنه ويعد جزء من مكونات التراص القصصي في بعده الواقعي المعبر عن عين المدينة وليس دائما وجهاء المدينة هم الذين يصنعون الحدث ، حتى الدراويش في الكثير من المرات هم العظماء في صناعة وبلورة الحدث وليس بأحدب كنيسة نتردام ببعيد عند فيكتور هيغو أو الدرويش عند بوجذرة وطاهر وطار وغيرهم ..
البعد الفني في نص ” حنين “
إذا كانت السرديات تحمل في طياتها المتباعدة مجالات متنوعة ومتسعة بل تمثل أحيانا المجال الخصب من مجالات البويطيقا والتي يتمثل منطلقها الأساسي كانبعاث قوي ورصين نحو وجهة الخطاب الأدبي المتماسك ، وفي هذه الحالة تأتي السرديات هنا مشبعة بإحداثيات تتقاطع معها الصور المتلاحقة في أبعاد قد تكون متناسقة يعززها الحدث الزمكاني فتترأى المواقف والمشكلات من حدود الخطاب الصريح والضمني بين الراوي والمروي له ، ومن هنا تتحدد معالم المسافة الجمالية في السرد الوضعي المضاف والذي من خلاله تمتزج الرؤية الخالصة النابعة من صميم وجدان الكاتب بالتجربة التي تثبت اقترانها بالمادة المتوفرة والخبرة الجادة فكل هذه العوامل وغيرها طفقت على الفصل الموصوف “بالحنين” الذي اختصر الزمن في عناصره ومكوناته للترتيب والاسترجاع والمدى والمدة عندما وضع القاص جنان “حييم “وهذا فصل من مقاربة تاريخية وزمانية متلاحقة وفق منظور وجودي يستلهم منه المستقرئ للحدث نشوة الاطلاع ومعرفة الشخوص غير المألوفة ،فالمد التاريخي صار عند الكاتب مرجعية يتعامل معها وفق ما تمليه الأحداث وتنسجم مع رؤيته النابعة من التفسيرات المتداخلة للوصول إلى رغبة المتلقي وشوقه الذي يعانقه وصال المعرفة والتتبع المحيط بالرغبة والإعجاب، أما الإضافة المتوازنة والتي أخذت بالنسق القصصي نحو الدفع من أجل استجلاء الجوانب المهمة في بناء القصة والتي نجدها في أشخاص مثل الحاج المشري والمعالم الثابتة كالشارع اليهودي والجنينة والأرض والمدينة وتلصص الحاج المشري على اليهوديات وهنا يتأكد أمر الحقبة الزمنية وامتزاج الجغرافية بالتاريخ في البعد الدلالي المحدد للمكان ، والملفت للانتباه هناك أيضا ترابط ممكن بين الذكرى و”خطاب الأقوال” ويستشف ذلك كحدث هام من خلال ما قام به الحاج المشري العربي في زمن معين و”خطاب الأقوال” من عمق الحكايا، وهنا عندما نتفحص في ثنايا الكائنات الحكواتية يجرنا طيف الحدث الممزوج بالأحداث التي عرفتها منطقة معينة إلى متعة التصور وهذا ينم عن ظاهرة سسيولوجية وظفها الكاتب بإتقان ،فتعالى الخطاب وتكامله في بلورة تصور نظري سردي يقول جيرار جينيت ” فإذا كان النقد هو اللغة الثانية mitalangue كون مهمة النقد تكون متمثلة في التفسير والتحلل والاكتشاف والوصف وهذا يضفي بعدا تقويميا “من خلال هذا تتضح معالم الصورة النقدية وأنها تحليل للأحداث وتفكيك مسارا ت وتوجهات الشخوص القصصية عند القاص بن ساعد قلولي الذي أراد أن يعيد الإرث التاريخي السماعي في ثوب أحداث لا متناهية من منطقة يعرف خباياها مفسرا الرغبة والعناد والمأساة و”ليل الاستعمار” وبؤس المرحلة الأولى من استقلال الجزائر، وإذا كان النص من الجهة السيميولوجيا نظام مفتوح من العلامات مع معانيها المتعددة فتنشأ مع التعدية هذه الرؤية الدالة كون مفهوم السيميولوجي للدلالة حسب هيوسيلغرمان المؤسسة على فعل دال مؤتلق مع مدلول ومن خلال هذا تترأي من خلال المكونات التركيبية تتأكد مأرب القاص بن ساعد من خلال الترابط المنطقي للأحداث والمحدثين أي الدال والمدلول .
نضج الخطاب السردي الواقعية المنفعلة والزمن التاريخي للنص السيري
إذا كان النص يمثل محور الاهتمام في العملية النقدية و قد تظهر الأسلوبية كمنحى جمالي ودلالي زيادة لا نقصان وقيمة وارتقاء في عمق النص لأن الأسلوبية يمكن ترصدها من خلال النص الحاضر ومبعثه الدال المنسجم وهذا لا يكون واضحا إلا بدراسة العلاقة القائمة بين الصيغ التعبيرية وعلاقة هذه الصيغ بالمرسل والمتلقي على حد السواء وهذا منطلقه الألفاظ والمعان والطريقة التركيبية المخيمة على النص مع التوجه نحو معرفة الوظيفة التي تؤديها التراكيب بشكل عام وهذه العوامل كلها طغت على روح النص كشكل ظاهر وهذا ما تعطيه الأسلوبية حقه فكانت “صدر الحكاية ” مبعثا في ذلك الانسجام ولا سيما في جزء منها بل روحها “مايسة “، لا أريد أن أرصد المنابع البلاغية وأدوارها على نص كهذا بل هذا من باب الإشارة وتحديد المنحى الذي تنحو إليه الأسلوبية في النص عند القاص بن ساعد وكتدعيم كذلك للشكل الجمالي الذي خلص إليه الكاتب مدركا أهمة الأسلوب وما يضفيه على النص دون اجتثاث النص من بيئته وهذا يدخل في إطار المزج بين حال النص الظاهر ومؤثرات الأسلوبية فيه .لكن يتضح من خلال القراءة المتمعنة والراصدة للجوانب الخفية ومن عمق النص هناك تجاوز في البعد القصصي ومجالاته الواقع والتاريخ وهذا أضفى نمط جديد على الفسحة الحكاوتية حيث يتضح في قصة ” مايسة ” مثلا عندما بدأت بالوصف كنمط مهيمن ظاهر لكن هناك شئ جديد وهو الكيفية في الخوض المثير في الطرح والإعداد الجيد والإخراج الملفت للأحداث وفق نسقيه لا متناهية ولو أن عمر القصة قصير على الورق وهذه العوامل تجعل من المتلقي يتعامل مع النص بكيفيتين الأولى التلذذ بالعبارات السابحة في النص، والشدود في ذهنه والتواصل مع مشهد القصة المثير ،وهناك بعد أخر والذي لم يكن ضمنا في نتؤات النص والممارسات الواقعية للسياسة والمتاجرة بالذمم وتحليل الواقع المعاش وغيرها من الصور المكفولة والظاهرة والمبطنة في النص، أعود للألفاظ المستوحاة من لغة عربية تنم على ثقافة القاص المتطورة وهذا يؤكد مسار الكاتب الحقيقي كونه لم يكتب القصة هواية أو نزوة أو تأثر بمشهد قصصي أو روائي وإنما من وراء دراسة وتراكمات معرفية أظهرتها الخبرة ودللتها المؤثرات ورصدتها البيئة ،وهذا كله من وراء عبارات أضفت على النص طلاوة خاصة …”كشرخ كبير خفره ،معمول الزمن والشقاء في أخاديد وجهها ،لعلع فيها الرصاص ،حماقاته المحمومة ،كان الوميض الذي يشع من عينيها والممرات الشائكة لجسدها “… وغيرها من الألفاظ التي تسبح في فضاء النص لا تريد غير الاستلهام لا المتناهي.ولقد أبانت ثقافة القاص معانقة المدينة للإحداث وأولئك الذين رمى بهم القدر في شوارعها من أمثال فرانس فانون وجاك سيناك فكان التوظيف لهؤلاء الأشخاص المميزين بعد إنساني وأخر ثقافي وهذا كله يلج عوالم القاص الأكيدة ،والملمس الحقيقي الذي طوقته المساحة الشاسعة لمجريات القصة في مايسة إضافة للواقعية الصدق الفني البسيط والمتمثل في شتاءات المدينة .. التعب المضني …الشعر الملحون.. الهدايا والحلي .. الشارع .. المدينة .. الزيتون .. الشيخ .. الكهل .. المتمرد .. الجريمة وغيرها من المرادفات التي تملء حضن القصة في تسلسل منطقي مفعم بالأحداث لأمرأة رمت بها الأقدار في أحضان رجولية مختلفة منها المتوحشة وأخرى متعاطفة والتالية التطمت بالأنوثة نزوة فتحولت لعشق قطع حباله الموت وتمت خاتمة ذلك بالجرم والجنون ، كما أن النافذة التي فتحها لنا القاص قلولي بن ساعد في فسحة “مايسة” التنوع في الشخوص، الغني ، الفقير المعدم ،اليائس ، اللاجئ ، الوحش الإرهابي ،الفنان ، الغناي وهنا يمتزج المضمون الاجتماعي الذي يحدد الصيرورة الحياتية “لمايسة ” المحور الذي ينبني كل حدث في الجزئيات القصة وهذا عند التداخل غير المربك أو التقصي الممكن والباعث على الوجوديات وهنا يبهرك البناء الفني الذي صنعه القاص من قطع تبدو متباعدة إلا انه أمسكها بحنكة معرفية فكان لوقع اللغة والخيال المصدران اللذان بعثا الأحداث في تناول مبهر ، “بالنصية الدالة” (بارت )وهي صوت القارئ الذي يتخطفه القاص من أبعاد لا تكون متلاشية كما ولو أن الكلمات قصة مايسة جاءت ليست مذعورة ولا لاشية فيها كون لغة النص حاملة للعديد من الدلالات كالانكسار الذي أصاب مايسة في جميع محاطات الحياة التي عاشتها البطلة والكامنة من أثوابها وحركاتها ولجوؤها للاجئ والارتباط المحتاج بالمحتاج إليه صدر الغني ومخالب المتوحش ووسط هذه الأنوثة شهوة وذعر ذكوري . وعلاوة على ذلك تمثل دلالات الحب والعاطفة ، والاستسلام لأحضان لا تعرف إلا الغريزة الحيوانية ، وهنا يكون دور القارئ سيميولوجيا كما يرى بارت هو الذي يقوم بعملية التدليل والتأكيد وبذلك يتم الفصح عن العديد من الدلالات المتنوعة وهذا مكان في قصة مايسة والتي مزجت بين تاريخ الإنسان وجغرافية الزمان على مستوى هام في حيز ظاهر،ومن خلال هذا تتعدد النزوة الذكورية مهدمة الشروط الإنسانية وهذا مبعثه غياب الأخلاق والآداب وهوس الإنسان إشباع الرغبات ولو مع مكسورة الجناح ، القاص يبدوا أنه أخذ هذه التجربة القصصية من الواقع المشحون بأحداث مثل هذه وأكثر، لكن ضمن الإطار الفني نجد جميع الدلالات تتبلور من خلال العبارات المفردة والقارئ يستقرئ ذلك وفق حاسة القراءة المدركة بل يتكلمها في منولوغ ذاتي متواصل وهنا النصية تكمن في العمل القصصي وخاصة في مايسة و بذلك تنهض بأعبأ القارئ حسب هيروش.
البنية السردية في “صدر الحكاية”
لقد بدأ القاص بن ساعد قلولي مجموعته القصصية تطابقا لنقل وتصنيف الحوادث ومحاكاتها بطريقة إبداعية صرفة مفعمة بالبعد الدلالي المنصرف لضبط الأحداث وفق دينامكية تنطلق من الذات المتكلمة والتي يسيطر عليها الفعل المحتوم لشخوص المجموعة كمايسة البطلة ، سيدي عبد القادر بوخبزة،النائبة التي تعرت إلا من الحقيقة ولباس السلطة ،السعدي الدرويش ،وغيرهم من الشخوص والأمكنة التي يعج بها الحدث القصصي في فلك المغامرة أو من وراء رداء الواقع المتعجرف ،أو توظيف القاص للبعد التراثي الذي واكب أجزاء من الأحداث في تقاطعات متصلة من الحقيقة وهذا كله خيم بضلاله وفق رؤية دلالية عنوانها الرغبة وفحواها الذات المتكلمة والتي تنطلق من ضمير المتكلم والمعمم على أطراف كل القصص سواء في أوجاع الساكنة والذي تتخلله كدلالة حقيقية “وأنا مرَّ علي أسبوعين ” حكاية حب القديمة ” رأيت السعدي ” … كنت ..ونحن .و أنا . كلها ألفاظ موحية من الأنا والذات ،والشيء الملفت والجميل أن القاص طعم النص ببعض مواد الثقافة المحلية التي إستقاها من فضاء إجتماعي يبدأ من مسقط رأسه “زنينة “أحد الفضاءات الهامة من ربوع الجلفة والجزائر ذاكرا بعض المسميات والمفردات الشعبية كالزعتر ، واللبن ، والشيح ، ونعناع الغسول، الفرارة وغيرها ) وهذا ما يجعل النص يستقل بخصوصيته النصية والتي تظهر في العادات والتقاليد والتي حافظ عليها القاص باحترافية متمكنة ،مما أظفى جمالية على روح النص ودفع التنوع يبلغ مدى التقارب بين المسحة النصية وتقصي القارئ للحقيقة المستلهمة عند الولوج عوالمه الممكنة ، فالقاص بن ساعد قلولي جعل من هذا كله مراتب للتحصيل الممتع في قالب التحقيق والبحث عن الحقيقة التي غيبها الظرف أو ضربت عليها مهاترات المتنافسين على السلطة والمنقلبين على الواقع الوطني.
الخطاب وأركيولوجيا المعرفة … بصمة مضافة من صدر الحكاية
أصبحت الدراسات في النقد الحديث تتجاوز التحليل المؤطر على سيمولوجية وتنحوا إلى وجهة النص أو ما يعرف بالبعد الحديث ، والذي يتمثل في تحليل الخطاب في منطقه ألاستشرافي وكذلك ما يوصف بالتاريخية الجديدة والتي يطلق عليها بالدراسات الثقافية ،ومن هنا يكون ذلك على المستوى اللغوي قد يشير الخطاب كل كلام تجاوز الجملة الواحدة وهذا المنحى مدلل على المجموعة القصصية التي ينصرف عنوانها “صدر الحكاية” فالصدر له رمزيته كونه الواجهة التي من خلالها تتقارب الصورة وتتعاظم المكانة وكونه كذلك الجزء المحدد للكل والمكان الذي من خلاله تتضح معالم الدال بالمدلول ،ومن هنا إمكانية استنباط أبعاد خفية أراد القاص أن يؤكدها في قصر العبارة كون لكل كلمة دلالتها حسب الفيلسوف ب- غرايس فالحفر في المفهوم الألسني لإيجاد سياق منسجم حسب المفكر فوكو وهنا لا يوجد مدلول أكثر من صدر الحكاية التي سيطرت عليها الأحداث التاريخية في زوايا كثيرة وهيمن على الخطاب الوازع الاجتماعي الممزوج بالتصرفات السياسية وهذا أسهم في بلورة الحدث وفق مقاربة دلالية منتهاها إيصال الرسالة التي أراد القاص الإيفاء بها في غالب يطغى عليه ما يعرف باستجابة القارئRéception Theory    وبذلك تمكن القاص قلولي من الوصول إلى القارئ المتوسط ومنه إلى الجيد عن طريق استمالة القارئ الحقيقي الذي تبدأ عنده حدود النص من خلال الرصد وما يفروه هذا النص في القارئ نفسه وتتراكم الاهتمامات المباشرة وفق فضاء متعدد الأشكال والأنماط منها الفكر والتاريخ والثقافة والسياسة والمجتمع والانثروبولوجيا وعلم النفس والقانون هذا الكوكتيل المنفعل على الأجزاء الكبرى من المجموعة القصصية سواء الموجود في مايسة أو في قصة ” نائبة ” وحتى في متن “توقيع لحالة انتظار” ،وفي “استضافة” …كلها تركت في القارئ العادي والقارئ المتخصص اهتمامات من خلال ما يعرف بالفاعلية القرائية ذات الاتجاه الوحيد والنابع من فعل النص حسب رؤية النقد الأدبي الحديث .

/

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* كاتب وناقد من الجزائر 

اترك تعليقا