كتاب “العمى” * / قصة قصيرة / قلولي بن ساعد *
بواسطة admin بتاريخ 20 أغسطس, 2017 في 04:38 مساء | مصنفة في أخبار ثقافية | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1118.

سألتها ما إسمك … ؟

قالت عشتار

قلت متعجبا عشتار.. ؟

قالت نعم عشتار

أسئلة أخرى كانت  تتوالى تباعا كدقات ساعة قديمة  لم تراود ذهني ولا فكرت فيها وفي ما هي عليه من فتنة ودهاء / الدهاء الذي  لم يجنبها من السقوط المذل بين براثن عشقها المحموم لجلجامش الذي لم يعرها أدنى إهتمام بل إنه  بالغ كثيرا في الإستهانة بها  والإهمال الذي طالها منه وكيف لي أن أسألها وأنا الذي لا زلت أرتجف حين أرى ظلالها  أو أسمع صوتها القادم من الأغوار السحيقة لقصة البدء أو شجرة الحكاية التي دلف إلى وهجها شهريار عندما أغوته شهرزاد واضعة إياه  في مهب العاصفة ..عاصفة الشجن التي لا زلنا نتجرع مرارتها واحدا تلو الآخر في الدوامة التي لا تريد أن تنتهي /  فجأة خالطني شعور غريب لم أجد تفسيرا مقنعا له عندما رأيتها تخترق سطح المعنى هاربة من حمق قدر مجنون  متنازلة عن كبريائها والشموخ الذي ميزها قائلة لي بصوت حنون أرجوك ساعدني على الفرار معك …سئمت من هذه الأدوار التي أقاد إليها دون رأفة بي أو رغبة مني لا أدري كيف وجدت نفسي أتقدم قليلا نحو موضع لا أراه محاولا التأكد أن ما أسمعه صوت إمرأة وليس صوت جنية أو شبح من الأشباح التي تضج برأسي المثقل بالهموم والخيالات المرعبة  … لست أدري كيف أبصرتني …في البدء أحسست ببعض الألم والدوار في رأسي … حاولت أن أتجاهلها مثلما تجاهلتني في الحلم كما في اليقظة  لولا أنها أيقظتني من سهوي والشرود الذي لازمني لثوان وكررت على مسامعي رجاءها ” قلت لك أنقذني أريد الفرار معك” … كانت  تنزلق من بين “مرايا النار” التي أكلت جزءا كبيرا مني ومنها …تمكنت بعدها بصعوبة من جرها معي …أعطينا أرجلنا للريح بسرعة فائقة الوجهة كانت سوق الوراقين ….خلت نفسي أمام آلهة سومرية خرجت من أغوارالتاريخ … استغربت عندما رأيتها تنفصل عن كونها  صورة / مجرد صورة أو قناع أو فكرة  لتتحول إلى أنثى الحقيقة هاربة من سطوة الزمن والمصائر التي دفعنا إليها دفعا دون أن نقتسم شيئا من عناء الفكرة أو نجد بعض الإستئناس الذي لم نره ولا قبضنا على ذراه  ..كانت تحت تأثيرالخوف و” فوبيا “  الإلغاء الذي يطالها من جلجامش رغم استسلامها له طويلا ولكل نوازع الألهة ورغباتها الدفينة  …لم تتجاهل  آلاف العشاق والقراء والشعراء  والمنجمين والفلاسفة الذين غرربهم  أو إنساقوا وراء خيالاتهم المفرطة أواستغل الزمن والتاريخ  سذاجتهم وحرمانهم ومكبوتاتهم  من التمتع بسحر الحكاية / حكاية عشقها المحموم لجلجامش   وهو يصر إصراره الكبير على وضعها في ” منزلة بين المنزلنين ” ما بين الظلمة والنور معلقة لاهي من هنا ولا هي من هناك حتى أنكيدولم يرها ولم تحرك فيه شيئا  كان في حل من أمره ربما بسبب هوسه المحموم بالخلود وبالبحث عن ” العشب بين الحجر”..لم يكن أعمى بالطبع ولا كان بصيرا ولا أحد من آل سومر رف له جفن أو تحرك فيه نبض وعندما بلغنا سوق الوراقين لم يكن  بإنتظارنا   جن ولا إنس ولا نحن توقعنا رؤية بورخيس أو اللجوء إليه حين قال ” دعوه لم يكن العمى شقاءا كاملا ولا يمكن أن نرى إليه على نحو مثير للشجن بل هو نمط حياة فقط “*

/

*العمى عنوان رواية لجوزيه ساراماغو 

*المقطع للروائي الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس

 

 

/

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* قاص وناقد من الجزائر 

اترك تعليقا