: سنوات الفياغرا / قصة قصيرة / روابح الحاج *
بواسطة admin بتاريخ 25 أغسطس, 2017 في 07:56 صباح | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 998.

أمرّ بمكنستي ما بين الكراسي والأروقة أتتبّع أعقاب السّجائر وبقايا الشّمة والأطعمة المتناثرة على صحن القاعة الفسيح ودندنات اغانيّ البشعة ترافقني وتنفّر كل من يمر بجانبي .
خلف السّتار ظلّ مديرنا يداعب نهدي البطلة الجديدة وحتىّ يغيّر من سلوكاتي كمشاهد نهم ينتظر نهايات مثيرة امرني بالإعتناء الجيّد بدورة المياه .
المجنون كاتب السّيناريو يفضّل التغوّط دائما بالمرحاض النّسائي , ها هو ذا يخرج من إحدى القمرات بسجارة مشتعلة وهو يردّد عبارة باولو الشّهيرة ” الحالمون لا يمكن ترويضهم أبدا ” تاركا خلفه روائح كريهة وفضلات مقزّزة .
وكأبله امضي في عملي اليومي أنظّف قاذورات أهل الثّقافة والمتفرّجين . أكون قد باشرت مهنتي هاته بعد إخماد ثورة الخبز الثّانيّة وقد كان ذلك بتوصيّة من احد معارفي النّافذين في دواليب السّلطة والذي يشتهي سكّان قريتي البعيدة بتسميته ” شلاغم الحكومة ” .
إلى هنا يجيئنا كل من لديه عمل فنّي أو ثقافي ليعرضه على الجماهير ليلة البارحة كانت باذخة جدّا وقد خلّفت وراءها الكثير من القاذورات كبقايا علب وأقراص المهلوسات من مدام كوراج والحبّة الزّرقاء وقد امتزجت رائحة الزّطلة والخمور ورطوبة مناشف العادة الشّهرية التي انتشرت هنا وهناك لتزيد أجواء المكان عطنا نتنا .
ضف إلى ذلك غزارة الكتابات المخلّة بالحياء وأرقام هواتف لشواذ انتشرت على الأبواب و الجدران و التي تطلّبت منّي جهدا فائقا وقد أعانتني كثيرا أغاني نجم سهرة البارحة التي ظللت اردّدها وخاصة في أغنيّته ” انت باغية واحد دمّو بارد ….يكون راجل امراة ” .
وبحسب الحوار الذي سبق وأن سمعته أثناء تواجدي أعلى المنصّة لكنس سطح الخشبة انّ فريق الّليلة سيعرض عمل مسرحي بطولي بعنوان ” أرملة الشهيد ”.
وللمفارقة العجيبة أنّ البطلة ربطتني بها علاقة متينة أيام الدّراسة بالثانوية كممثّلين لمسرحيات الحفلات المدرسيّة الفاشلة التي كان يؤلّفها أستاذنا المسكين الذي انقطعت اخباره نهائيّا بعد إعتقالات رقّان .
وخارج أدوار التّمثيل اخترت أنا واصدقائي ادوارا اخرى في جلّها غراميّة تليق بشخص البطلة وحتى تمر الحرب الأهليّة سريعا عشقناها جميعا ولدرجة شهرتها بيننا واحتوائها لنا سمّيناها ملعب ” الماراكانا ” , أحد الزّيكوات من بيننا اقترف في حقّها جرما كبيرا جعلها تهاجر مع اسرتها إلى وجهة مجهولة .
وجها لوجه أثناء ادائها لبروفاتها تجهّم كل منّا الاخر بدرجة فائقة من الاحترافيّة وبقينا في خانة الماضي .
بحسب تقاليد مؤسّستنا نحن عمّال صنف تحت الراتب كنّا نستقي كل الاخبار من زميلنا ” شكّام المدير ” الذي أسرّ لنا بأهمّية عمل الّليلة ونوعيّة الحضور وكي يغلق علينا باب الرّزق بالمضاربة في التذاكر كما جرت العادة تشفّى فينا بقوله أن عرض اللّيلة سيكون مجّانا .
أثناء العرض تجوّلت بمخيالي إلى قريتي ” أركاتاكاتي ” التي أراها تترمّل في كل لحظة من لحظات عمر الجزائر العميقة .
ودونما شعور هزّتني تصفيقاتهم التي علت أثناء عرض مشهد دراماتيكي ظهر فيه المجاهد شهيدا بطلقة في رأسه أطلقها الجندي الفرنسي من مسدّسه ليباشر مضاجعة زوجته وحين اغتصابها لم تبد ايّة مقاومة كالتي كنت أستهلكها من السّينما الثورية الوطنية .
استسلم معي الجميع لحنكة المخرج حين ترك القصّة بنهايات مفتوحة , احد الخبثاء من العاملين معي أوجس لي انّ ” الحاج فياغرا ” اعتلى منصّة الشرف و قد رشّحه لدور النّهايات المغلقة في مشهد واقعي لاحق .
” الحاج فياغرا ” بطل من ابطال ثورة التّحرير الكبرى سمّاه أهل منطقته هكذا بحسب زعمهم لما له من هوس وشبق مفرط للنّساء ممّا جعله وهو باخر أيّام عمره يستعين بالوصفات الصّيدلانية والمستحضرات التّقليدية التي تقوّي من عزيمته الجنسيّة .
بعد نهاية العرض تمّ تكريم الفريق المسرحي وتقدّم من بيننا الشيخ المجاهد بحسب البروتوكول المرتّب مسبقا , وبخطابات حماسيّة حسم الموقف في اخره بخرجة تهكّمية وعد فيها الارملة بالانتقام من العسكري الفرنسي .
صفّقنا جميعا وبخبث منّي أيقنت ان ” الحاج فياغرا ” سيلعب مباراته اللّيلة “بالماراكانا ” وسيسجّل هدفه ولو بضربة جزاء غير شرعيّة بعد سقوطه المفتعل في منطقتها المحرّمة كما اعتاد ان يفعل مع ضحاياه بحسب رواية اكثر من عاهرة في المدينة .
في اليوم الموالي وبنفس الرّوتين بين الكراسي والاروقة وبالمراحيض ومن امام المغاسل برفقة غنائي المبتذل فاجأنا السّيد المدير بنبأ وفاة الكولونيل وأن فريقا إعلاميّا سيحضر إلى هنا ليتم نقل وقائع ملابسات الحادث على القنوات التلفزيونية وإعلان حالة الوفاة .
” شكامه ” الذي وصل بعده اخبرنا أنّ الضحية تعاطا حبة فياغرا مغشوشة وقد لقي حتفه بشقّة مشبوهة وقد حضرت بطلة مسرحيّة ” ارملة الشهيد ” خروج انفاسه الأخيرة وقد انتابها ذعر شديد حين فارق الحياة فاتّصلت بالشّرطة الا انه تم احتواء الوضع وسيتم اعلان نبأ الوفاة وأن ملاباسات الحادثة راجعة لسكتة قلبية حادّة مفاجئة تعرّض لها أثناء تنقّله المجهد في عمل خيري بالمدينة موجّه للأيتام والأرامل .
من خلف عدسات الكاميرا والوجوه الاعلامية و الكرافاتات الأنيقة جلست انا وزميلي الخبيث نسمع حديث صديق سلاح وعقاقير للمرحوم وهو يعرض تفاصيل الحادثة إلا ان صديقي أضحكني كثيرا حين همس في أذني قائلا :
أن العقيد مات واقفا كالأشجار .
:

 

 

شكّام : مفردة من اللّهجة الجزائرية تعني الوشاية

أركاتاكاتي : قرية الأديب العالمي لويس غارسيا ماركيس التي ألهمته كم من نص روائي 

/

* قاص من الجزائر

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقا