
رتبت كل شيء
كانت قد رتبت كل شيء .. إطمئَنت إلى هذا ، ولم يبقَ إلا أن تذهب بعد أن تتأكد من زينتها للمرة الأخيرة .. سوف تُغلق الباب بالمفتاح ، وتذهب للقائه .. لن يكون لقاءاً .. إنها مواجهة ، وليحدث الطوفان بعدها .
رتبت كل شيء .. خطواتها الواثقة .. خطواتها التي تعكس طريقتها الحاسمة بالمشي .. وقع الخطوات على الدرجات الخمس ، برخامها الابيض اللامع .. والتي تفصل بينها وبين الباب .. هي درجات خمس ! .. كانت قد عدتها ذات مساء بينما كانا يصعدانها وذراعها تلتف حول ظهره .. سوف تطرق هذه الدرجات الخمس بكعبها العالي .. وتواجهه !!
عادت ووقفت أمام المرآة .. مرآتها المعلقة فوق ( الكومودينو ) ..وبدأت تستعيد حوارها المتخيل معه في الهواء .. الهواء الفاصل الآن بينها وبين المرآة .. زمّت شفتيها أولاً .. ثم ضيّقت ما بين الحاجبين .. ورفعت يدها الأولى فالثانية .. وشرعت بشجارها بجدية متناهية :
- أنت قلت لي ذلك !
- …………..
أجل .. أنت نفسك !!
- …………..
- ماذا ؟
………….
- ما المانع ؟ إن هذا ليس عدلاً !!
- ………….
إذن ، ماالذي يمنعك ؟
- ………….
كفى .. أنت لا تستحقُ شيئاً !!
ستُكرر ( لا تستحقُ شيئاً ) أكثر من مرة .. ولن تجد حرجاً في أن ترفع صوتها .. ستجعل صوتها أعلى من صوته ، بل وطاغياً ليتعبأ الهواء به .. سوف تملأ الهواء وهي تُشدد على مخارج الحروف طالعة من حلقها .
كانت قد رأت أن هذا ليس صعباً .. الكلمات أولاً .. ثم تتوالى الافكار لتصبح جملاً تخرج مترابطة ببعضها !! .. لن يحدث أي خلل .. لن تسمح بحدوث أي خلل .. لقد رتبت كل شيء .. حتى الفستان !
أخرجته .. فستانها المخبأ منذ سنوات .. كانت قد اشترته في موسم التنزيلات قبل سنتين .. احتفظت به لترتديه في مناسبة هامة .. لم تكن تُدرك حينذاك .. أن مناسبةً كهذه ستكون هامة .. وأنها سوف تضطر لارتدائه هذا المساء .. كيق لها أن تعرف .. أو حتى تتوقع ؟ .. فالأمر فاق قدرتها على ذلك .. فاق قدرتها على أن تضعهُ بين الاحتمالات .
والقلادة ؟
لم تنسَ قلادتها المطعمة بالماس الابيض والاخضر .. هدية أمها حين تخرجت من الجامعة .. أخرجتها وربطتها لتتدلى فوق صدر الفستان المكشوف .. تكون ثقيلة إلى حدٍ ما .. فتحس بثقة تنمو فيها !!
والاقراط ؟
القرطان الذهبيان سوف يلمعان ويُحدثان صوتاً في كل مرة تهز فيها رأسها نافيةً أو تُحرك كتفيها رافضة!!
والاساور ؟
لن تنسَ اساورها الثلاثة المحفوظة في درج الخزانة .. سيكون لذراعها المتحركة في الهواء أصواتها العصبية .. سيكون للموقف جديته الكاملة .
كانت قد رتبت كل شيء !!
لقد رتبت أمورها جيداً ..
لن تتساهل في شروطها أو تتنازل عن أمر صممت أن تحسمه في هذه الزيارة .. لن تلين أبداً .. ولن تتهاون في أي شيء .. لا .. لن تتهاون أو تساوم .. لن ترضى بأنصاف الحلول .. أو بتربيته على الكتف والظهر معاً .. ثم تنتهي المسألة كلها بتطييب للخاطر !!
أجل رتبت أمورها جيداً ..
هي لم تنسَ الكتفين .. فللكتفين مع هزة الرأس وقعهما المؤثر والفاعل في تأكيد موقفها الحاسم .. وأيضاً الغُرة التي ستسقط وتطول لتغطي عينيها وقد تصل إلى ارنبة أنفها .. سوف تُسرع لتعدل وضعها بيدها وتواصل المواجهة بلا أي تشويش .
أجل رتبت أمورها جيداً ..
لن تدع له فرصة الدفاع أو المراوغة .. أما إذا تأزم الموقف وحدث مالم يكن وارداً أو متوقعاً .. فلسوف تدق الارض بقدميها غضباً .. وقد تدوس ما تجدهُ امامها بسبب الشجار .
لن يفوتها شيء ..
لن تدع شيئاً يفوتها دون أن تحسب له حسابه !!
هذا ما كان واضحاً تماماً في ذهنها المعبأ بصور ما سوف يحدث .. غير أن الوقت كان يفوتُ أيضاً .. والظلام يحلّ بينما المرأة تقف بكامل عدتها وزينتها أمام المرآة التي أُعتمت !
انتبهت المرأة على عتمة مرآتها فأفاقت !!
رأت الاشياء من حولها تغطس في رماد أخذ يطفو ويملأ الغرفة .. أدركت أن للوقت خديعته التي لم تتحسب لها .. وفاتها أمر ترتيبها .. حزنت .. حزنت قليلاً .. لكنها كانت تؤكد لنفسها أن يوماً آخر .. ربما غداً .. لن يمنعها من أن تواجهه .
سوف تواجهه وتحسم الأمر برمته غداً .. فلقد حل الظلام الآن .. والمرأة خلعت فستانها .. والقلادة .. والقرطان .. والاساور .. وارتدت ثياب نومها !!
كانت تشعر بالاعياء بسبب حدة الشجار .. وارتفاع صوتها .. لذلك هاهي تدخلُ في سريرها وتتهيأ لتنام في الرماد الذي يتفحم ويسود الغرفة تدريجياً !!
********
* قاصة وروائية من الأردن



