استبدت بها الأفكار، لم تتوانَ لفعل أي شيء يجعله سعيدا هذا الصباح… الوجه الجديد الذي أشرق بإطلالته؛ كان وهما تعيسا بالنسبة لها، لم تنتظر الموافقة على أن تبتدئ هذا العمل؛ إلا أنها أغلقت جميع الأبواب وانطلقت تعد السلم الذي لم تنتهِ درجاتُه، قالت في نفسها: مثل سلّمِ الموسيقى المتآكل «كرهتُ هذه العيشة» قالتها متأففة – شعرت بالاطمئنان أنها وصلت حافة الدرج الأخير، تنفست بعمق شهيق.. زفير؛ أدخلت يدَها في حقيبتِها الصغيرة، سحبتْ مرآةً مستديرةً تأملتْ جوانبَ عينيها، نزلتْ إلى شفتيها.. أدخلتْ يدَها ثانيةً سحبتْ قلمًا شفافًا يميلُ إلى اللون الوردي الفاتح، تنحت إلى يمين السلم تحت ركنِ زاويةٍ تختفي فيها معالمُ من يدخل في كنفِها بدأت ترسم ملامحَها، تعيد لفة شعرها الذي ظهر كمِظلةٍ تظللُ وجهَهَا، مسحتْ جزءًا من الكحلِ السائل؛ الوجنتان تبدوان أكثر إشراقًا. – هكذا قالت – فتحت فمَها، تضايقتْ من سنِّها العليا التي تطغى على الناب وتلتف عليه؛ مما سببَ لها لثغةً في حروفِها. كانت رقيقةَ المشاعرِ طويلةَ القامة ليست نحيفة. يظهر وجهُهَا دقيقًا – نظراتُها- مشحونةٌ بغريزةٍ قديمةٍ؛ تحتاجُ وقتًا أطولَ حتى تفهمَ ما تودُّ قولَه؛ تحرصُ على اختيار جمل؛ متكلفة تسببُ المللَ للسامع أوِ المتعاملِ معها، مديرُ المؤسسة كان ينْهرُها دائما بقوله: اختصري!
أطلّتْ برأسِها كي تتأكدَ ما من ثمّة أحدٍ يراقبُ حركتَها.. أو ينزل من السلالم.. اعتدلتْ، أخذتْ للمرة الثانية نفسًا أرادتْ أن تخرجَ لكنها تظهَرُ وكأنها نسيتْ شيئًا، فتحت حقيبتَها أخرجتْ قنينةَ عطْرٍ مستديرةِ على شكل قلبٍ أحمرَ، رشَتْ شيئا منه على كتفيها.. عنقِها .. ومعصمِها.. شهقتْ بعمق رددتْ «واوْ».
نسيت أن تتأكدَ من أنّ الطريق خاليةٌ فجأة: كان هو يترنح من السلم يردُّ على الهاتف، لم ينتبه إليها خرجت كمجنونة تسعى بين التواءاتِ الأرصفة. كان مما تناهى إلى سمعها (أنه سيعمد الليلة إلى الشقة ويكمل باقي الصفقة).
قالت في نفسها: أيةُ صفقة؟
انتظرتْهُ حتى انطلقَ بسيارته لم تتبعْه لكنها امتنت لنفسها: أنه لم يرها، إذن لكان للموضوع شأنٌ آخر. هو منذ حين يبحث عنها – رغم أنها تستقر في المكان نفسه الذي يستوطن فيه.
نظرت في الساعة.. وضعتْ يدَها على شفتيها، فكرت طويلا. وسْوَستْ؛ أدركتْ أنها توسوس في موضوع جلب لها التعاسة. حاولت أن تستعيدَ لحظات ذلك الموقف، تذكرت أن الموظف قال كلمات غير متشابهة؛ قالت (هو يكذب.. نعم يكذب). أحستْ أن ثمة – في الموضوع- أمرا مدبرا. أبعدت يدَها عن فمِها.. سحبتْ المرآة ثانيةً؛ نظرت إلى شفتيها كانت الظلال هادئةً لم يتلطخْ شيء.
مر وقت طويل على انتظارها ميكروباص العمل. في الأثناء كان هناك رجلٌ طويلٌ هزيلٌ يترقبُ حركتها في كل مرةٍ يدخِن سيجارةً، مطيلًا النظرَ فيها.. ألقى سيجارته.. اتجهَ نحوها حيَاها؛ هزتْ رأسها – قال بصوت فيه حشرجة: هل من خدمة سيدتي؟
انتابها وسواس ما.. انطلقت وهي تتلفت عبر الطرقات، أسرعت.. أسرعت، أدخلت يدها في حقيبتها؛ أخرجت الهاتفَ الصغير الحجم. أسرعت عبر قائمة الأسماء تصفحت الأول، الثاني، قالت ها هو:(الرقم المطلوب مقفل). تأففت – وضعت يدها في منتصف خصرها، التفتت خلفَها ظهر وجهٌ في السيارة يركز عليها ؛ يشبه ذلك الذي سألها. ارتفعت وتيرة نبضِها، ادّعت أنها تهاتفُ أحدا قائلة: أهذا وقت قفل الهاتف يا..؟ ضغطت بأسنانها العليا على شفّتها، هاتفتْ ثانية.. رنّ الهاتف ما من مجيب. هدأت. ثم حدثت نفسها بمهاتفة مدير المؤسسة؛ وحده من سيتفهمها.
كانت تستعد كأنها ستلقي محاضرة اعتدل قوامها، مسحت على شعرها. سحبت المرآة خلسة؛ نظرت بهدوء..هزت رأسها غاضبة، كأن المدير سمع كلمة:إف- بلثغة لسانها.
ظهرت علامات الابتهاج على وجهها، رددت: آه آه.. قال مستفَزا: نعم تفضلي، لا تقولي أنك اليوم ستغيبين عن العمل هذه المرة لم أسمح لك..وسأ… قاطعته قائلة: كلا كلا .. أنا في الشارع الآن، وأحتاج أن تأتي َ إليَّ لتصحبني. أحدُهم يقتفي أثري. لم تكمل جملتَها حتى انقطع الاتصال، لم تدرِ من الذي قطع الاتصال: أهي الشبكة ؛ أم المدير؟ نظرت بهدوء وسكينة، أشارت بيدها متسائلة، هل قلت شيئا يثير الغضب؟ قطعتِ الطريقَ للضفةِ الثانية، سارت مسافة عشر دقائق. وصلت المؤسسة. كان الموظفون مشغولون بأشياء كثيرة – الرجل نفسه الذي نزل من السلالم مخبرا أن هناك صفقة ما؛ رأته يجالس المدير، يوقع على الأوراق. هرولت نحو المكتب لم تلقِ التحية. ابتسم الرجل قائلا: أوه جارتنا.
ارتبكت، قالت في نفسها: هو يعلم أنني جارته وأظنه ـ لا يدري. قالت مبتسمة: كيف عرفت أني جارتك؟ قال وهو يسحب الأوراق للاستئذان: وهل يخفى القمر؟ ألم تخبريني أن مؤسستكم تعرض الشركات التابعة في المزاد العلني؟
أرادت أن تقول: لستُ أنا…
خرج ولم يلتفت .
بدتْ على وجه المدير علاماتُ الاستغراب والغضب. أسرعت نحوه لتقول له: لم ألتقِ بهذا الرجل؛ إنه يستغلُّ منصبي. لقد نجحت في إدارة مشروعاتٍ صغرى، وكثيرون يهرعون خلفي لاستغلالي. وحدَك من سيحميني من هؤلاء. تبادلا النظرات .. ثم سحب ورقة مؤطرة.. يعلمها فيها: إنه استغنى عن خدماتها. شعرت بالحيرة الخوف زادها ارتباكا، كان المدير رفيق مشاعرها ـ حسبما- أحست، كانت أمينة سره .لكن الأسرار فشت، تضاربت الأخبار: إن عميلةً ما انتهزت شخصيتَها لتتعاملَ بمطلق الحرية مع الزبائن والعمولات الخاصة..
اسمعني- (قالت بتَرجٍ) – سلمها الورقة، آذنها بالخروج – أحد الموظفين سمعته يقول: جتها بسيطة ـ كان عليه أن يقاضيها.
حين خرجت من باب المؤسسة ؛ كانوا كلهم ينتظرون الباص ؛ ليعودَ بهم إلى سابق أعمالِهم. لفَّهُمْ صمتٌ مريع، وأوراق تحت آباطهم. بدون أن يتحدث أحدهم؛ قالت: أنتم موقوفون عن العمل.
/
*المصدر القدس العربي
* قاصة من ليبيا




