كيف نجعل من الآركونية مسألة وجودية ؟/ واسيني الأعرج *
بواسطة admin بتاريخ 6 سبتمبر, 2017 في 03:06 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 709.

الموت القاسي يغيِّب العظماء، لكنه لا ينهي وجودهم الثقافي أبدا، لأن إرثهم الفكري الذي ملأ الدنيا يظل فينا، ويتحول مع الزمن إلى ممارسة عفوية، تكاد تكون يومية وغير موعاة. من هنا سر استمراره وخلوده وأبديته.
إلى اليوم ما زلنا نستأنس بهم، ونتذكر مقولات ابن رشد، والفارابي، وابن طفيل، ابن عربي، جون جان روسو، فولتير، فوكو، ديريدا وغيرهم  
كثير آلة الموت الطاحنة للأجساد الفانية تقف عاجزة في عمليات المحو أمام الفكر. بوفاة محمد أركون تنتهي رحلة جيل بكامله حاول أن يفهم ظاهرة الإسلام في علاقته بالفاعلية الاجتماعية. فقد أحدث هذا الفقدان فجوة مهولة في المناخ الفكري العام، في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى العقل المتنور أكثر من ملحة في ظل التطرفات القاتلة، وفي ظل ثورات عربية أخفقت في تغيير الديكتاتوريات العربية المتسلطة التي جعلت من القوة سلاحها، ومن الدين وسيلتها للهيمنة.
لقد غادرنا فجأة جيل من المفكرين االتنويريين العرب، من أمثال محمد عابد الجابري، نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، تاركين وراءهم فراغا تأمليا خطيرا. يظل محمد آركون أهم هؤلاء لأسباب موضوعية مرتبطة بالزمان والمكان. فقد امتاز أركون بخاصيتين لم تتوفرا في الآخرين: خروجه من التوفيقية التي طبعت الفكر الإسلامي والتأملات المحيطة به، وكونه حلقه وصل بين شرق يصارع من أجل وجوده في حالة معقدة من الغليان تحتاج إلى تبصر كبير، وغرب في قمة عطائه الفكري والعلمي، وفي غطرسته الكبيرة التي تتطرف أحيانا بشكل أعمى، وأمراضه التي بدأت تتفشى من عنصرية وعداوة ضد المسلم في ظل غموض أريد له أن يكون كذلك.
فقد اختار أركون المسالك الصعبة والأكثر قسوة وعزلة، التي جعلت الأجيال الجامعية التي كوّنها لا تقبل بالنزعة التجميعية، التلفيقية، التي ألفها الفكر العربي عملا بالمثل التوفيقي القائل: من كل بستان زهرة.
فالفكر منظومة يحكمها مسار موحد ورؤية محددة. لقد خسرت الجزائر هذا الرجل في وقت مبكر، يوم تم تأسيس الجامعة الإسلامية في قسنطينة التي كان يفترض أن تكون جامعة لدراسة الأديان المقارنة، قبل أن تتحول إلى مكان باهت لا دور له إلا تأكيد عمق الأزمة العربية فكريا وحضاريا. وإلا لكان لهذه الجامعة مسار آخر، ولتحولت إلى وضع الإسلام في مسارات السجالية والنقاش العلمي والتاريخي، والبحث والواسع بإشراك الفعاليات العلمية الموضوعية المحلية والعربية والعالمية.
الذي حصل هو أن المؤسسة العلمية والأجهزة السياسية، اختارت المسلك الأسهل، وراحت توجه الدعوات لمختلف الفقهاء التقليديين لزيارة الجامعة والبلد، ونسيت أن فكرة الإسلام المتنور لا تمر عبر الفقيه المنغلق الذي يردد الخطابات المتداولة نفسها، ويعيش عضويا داخل الخطاب المهيمن، والمزدوج الذي لا يزال إلى اليوم يكفر العالِم ويعلي من شأن الحاكم، رأينا ذلك في الثورة المصرية، حيث ظل الأزهر إلى آخر لحظة يبحث عن توفيقية مستحيلة لحماية النظام المتهالك في مصر وقتها، قبل أن يستسلم للمد الشعبي.
أركون لم يخبئ موقفه من الشراح والفقهاء. فقد درس بتبصر الظاهرة القرآنية وفصل بين النص وشرحه، فإذا كان النص مركزا ثابتا وغير متغير، يظل الشرح تأويلا قابلا للنقض وليس حاشية مقدسة. فالتفاسير مهما كانت قيمتها، ليست أكثر من اجتهادات بشرية.
وليست بأي حال من الأحوال نصا يمتلك قداسته من النص الأصلي. لم يعد عصرنا في حاجة إلى الشروحات القديمة كما كان، فقد أنجزت مهام وحاجات زمانها، ولكنه يحتاج إلى تفسيرات ينتجها العصر بكل تعقداته ومشكلاته الحيوية.
يبدو أنه آن الأوان لتجديد رؤى الإسلام بالاستفادة من المناهج الحديثة. لقد ظل محمد آركون وفيا لفكره حتى في حدود جهاده ضد الأقلية الوثوقية التي ظل يحاربها، في محاولة منه للتقرب من عامة القراء، ولو أنه كان يدرك أكثر من غيره أن الأمر لا يتعلق برفض جيني من المستهلكين للفكر التنويري، ولكنه مرتبط بثقافة متسيدة وجهل معمم فقط؟ منذ السبعينيات تحولت فكرة الإنسانية في الإسلام إلى انشغاله المركزي، في ظل تصاعد تطرف يحتاج إلى امتلاك أدوات حقيقية لمواجهته.
العنف ظاهرة إنسانية ليست حكرا على دين أو على قومية كما تشير إلى ذلك الكثير من المخابر التي لم تعد اليوم في حاجة حتى إلى تخبئة عنصريتها وكراهيتها لكل ما لا يشبهها. أبطالنا التاريخيون الذين نحتفل بهم اليوم هم نتاج العنف التاريخي أيضا، وليسوا شيئا آخر غير ذلك.
تأمل بسيط لكل ما يؤثث أبصارنا وذاكرتنا يقود إلى ذلك. جهد آركون في النهاية هو رغيته في إثبات أن التيار الإنساني وجد حقيقة في الفكر والممارسة الإسلاميين بفضل التعددية وتقبلها، وظهور الفردية وحقوقها، أي المواطنة وتسيد العقل النقدي.
ما دفع بالوثوقية والتطرف إلى التراجع كليا، بالخصوص في القرنين التاسع والعاشر قبل أن تبدأ فترة التراجع بعد تسيد المصلحة السياسية والدينية الضيقة، وسطوة الفقهاء في كل مكان. فالإسلام في جوهره لم يعلق المعاني، بل فتحها على تأويلات واحتمالات ممكنة تفتح النص إلى أقاصيه وتمنحه إمكانات جديدة لا تحصى.
لكن الدوغمائية كانت ولا تزال هي مقتل الإسلام كممارسة حضارية ووجودية، ولا حل اليوم إلا بهدم اليقينيات المستبدة، في مرحلة أولى وتبيان ضعفها، ثم الترميم بجهود التحويل والتجاوز. من دون هذا الفعل الثلاثي الضروري، تظل المعرفة دائرية تكرارية لا تنتج إلا الموت والدوران الدائم في الحلقات المفرغة.
آركون حجرة أساسية، لكن قيمتها تظل محدودة في ظل غياب جيل من الشباب قادر على تطوير الجهد الآركوني والدفع به إلى الأمام بنقد نقائصه والسير بجوهره إلى الأمام بحثا عن ممارسة إسلامية يظل العقل فيها هو السيد، والبعد الإنساني هو المنتهى الذي يجعل من الدين أداة إنسانية وليس وسيلة للتقتيل والموت والحروب العمياء.
لهذا السؤال كـــــيف نستفيد من المــــيراث الآركــوني لتطوير العقلانية في العالم العربي والإسلامي، ليس سؤالا عبثيا.

 

 

/

 

 

 

 

 

 

 

*المصدر القدس العربي 

* روائي وأكاديمي من الجزائر 

اترك تعليقا