لماذا يختلف الجزائريون حول المدرسة والبسملة واللغة؟/ د ناصر جابي *
بواسطة admin بتاريخ 19 سبتمبر, 2017 في 09:14 صباح | مصنفة في جدل ثقافي | لا تعليقات عدد المشاهدات : 224.

معركة البسملة التي تجري أحداثها هذه الايام في الجزائر، لن تكون الأخيرة، في حروب النخبة السياسية والثقافية. هذه المعركة التي اندلعت بعد قرار وزيرة التربية، بحذف البسملة من الكتاب المدرسي (بعد استثناء كتاب التربية الإسلامية من الحذف) لن تكون المعركة الأخيرة ولا الأولى بالطبع، فقد عاشت الساحة السياسية والإعلامية قبلها معارك المدرسة واللغة الفرنسية والعربية والتربية الإسلامية والدارجة، وغيرها من المعارك المندلعة بشكل روتيني بين النخب المنقسمة، المتمترسة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، كالإعلام والحياة الثقافية، منذ استقلال البلاد.
من هنا نقول، أن مفتاح انقسامية النخبة، يبقى من المفاتيح المهمة والحاضرة على الدوام، لتفسير ما يحصل في الجزائر من صراع سياسي وثقافي حول الكثير من القضايا. صراعات تخبرنا أن مشاكل الجزائر، ليست سياسية فقط، فهي لا ترتبط فقط بذهاب رئيس ومجيء آخر، أو تزوير انتخابات، أو رفض تداول سلمي على السلطة، على الرغم من أهمية هذه القضايا وضرورة حسمها.
إطلالة على تاريخ الجزائر الثقافي والسياسي، تخبرنا أن ما نسميه هنا بانقسامية النخبة، بمفهومها الواسع وليس النخبة السياسية فقط، هي من نتائج هذا التاريخ وما ميزه من طابع استيطاني طويل (أكثر من أربعة أجيال من الجزائريين عاشوا في ظل استعمار استيطاني)، مقارنة بما عرفته بلدان عربية أخرى من حماية قصيرة، في بعض الأحيان. فترة استعمارية طويلة لم تظهر فيها مؤسسات موحدة لإنتاج نخب يحتاجها تسيير أي مجتمع، فكان أن أنتجت نخبتين في الجزائر، للقيام بوظيفة نخبة واحدة. نخبتان منقسمتان على أساس لغوي وقيمي (معرب، ديني أو شبه ديني، مقابل مفرنس أقرب للعصرنة). وضعية لم تعرف إنتاج مثقف مزدوج اللغة ومتجانس فكريا، كان يمكن، كما حصل في المغرب وتونس، أن يقوم بنوع من التجسير، المطلوب مؤسساتيا واجتماعيا. حالة استعمارية أعيد إنتاجها بعد الاستقلال، بشكل موسع في بعض الأحيان، فأصبح من المقبول، أن يتعلم التلميذ الجزائري باللغة العربية حتى المرحلة الثانوية، ليدرس باللغة الفرنسية في الجامعية، من دون أن يكون ملما بالضرورة بهذه اللغة التي لم يعد يدرسها إلا بشكل ثانوي جدا. وهو حال الطالب الذي يدرس بلغة ويعمل بأخرى بعد تخرجه.
نخب منقسمة، تعوٌل على المدرسة لإعادة إنتاج نفسها، وبالتالي إعادة إنتاج هذه الانقسامية التي استمرت حاضرة بعد الاستقلال، رغم أنه كان يمكن توقع أن تزول أو تخف على الأقل بعده. معركة المدرسة وكل ما يرتبط بها مهم جدا إذن بالنسبة لهذه النخب الانقسامية، فالنخبة التي تسيطر على المدرسة بفرض لغتها وقيمها ونظرتها للعالم، هي النخبة التي ستسيطر حتما، ليس في المجال الثقافي فقط، بل سياسيا واقتصاديا كذلك. صراع محتدم حول المدرسة ومن يسيطر عليها وعلى منتوجها النهائي، هو الذي جعل جزءا من النخبة المدافعة عن الفرنسية يلجأ إلى المدرسة الخاصة كحل نهائي، بعد فشل محاولات السيطرة على المدرسة العمومية التي تعربت وهربت من سيطرة الفرنسية. مدرسة عمومية متهمة في إطار هذا الصراع الذي تعيشه النخبة بتفريخ الإرهاب والإرهابيين. ليأخذ الصراع حول التمكن من اللغات الأجنبية في الحالة الجزائرية، منحى طبقيا واضحا. يهدف إلى إعادة انتاج السيطرة والمواقع الاجتماعية المتميزة المعتمدة على الانقسامية اللغوية.
حروب نخبة زادها شراسة، عدم وجود مؤسسات للتعارف والحوار والعمل المشترك، حتى بعد الانتقال إلى نظام سياسي وإعلامي تعددي، ما يجعلنا نقول إن ما يزيد في حدة هذه الصراعات التي تنخر جسم الدولة والمجتمع، إن الجزائريين ما زالوا بعيدين عن بعضهم بعضا، بل لا يعرفون بعضهم بعضا، بكل ما يمكن تصوره من نتائج نفسية/ اجتماعية لهذا التباعد والحروب الايديولوجية اليومية التي يفرخها، بعد أن فشلوا في خلق مؤسسات تنشئة ثقافية واجتماعية مشتركة على غرار الإعلام الذي انقسم بدوره على أساس لغوي وقيمي واضح، وهو ما يؤدي إلى بروز الكثير من الصعوبات في اتجاه البحث عن نقاط التقاء، للوصول إلى العيش المشترك والقبول بالآخر الذي يفترض وجوده في كل مجتمع. عيش مشترك وقبول بالآخر ما زال عصيا في الجزائر، بسبب هذه الانقسامية التي تعيشها وتعيد إنتاجها النخب المتشظية ثقافيا، اعتمادا في الكثير من الأحيان على مؤسسات المجتمع والدولة نفسها، التي لا تستعملها فقط لتلغيم الحاضر والآني، بل تقوم بزيارة التاريخ نفسه واستدعائه بكل محطاته ورجاله لتلغيمه ونسفه هو الآخر، كما هو حاصل هذه الأيام من قبل مدارس «تحريفية جديدة» حاضرة بقوة على مستوى الوسائط الاجتماعية وبعض الكتابات التاريخية، في جرأة واضحة من هؤلاء المتعلمين الجديد، على التاريخ، كعلم وفن نبيل.
كتابات، حولت بعض الوجوه التاريخية، كعبان رمضان وعبد الحميد ابن باديس ومحطات التاريخ الكبرى كمؤتمر الصومام وتقسيم التراب الوطني إلى ولايات، حسب الجهات، اثناء الثورة، إلى حواجز مزيفة، في طريق الجزائريين، نحو العيش المشترك المطلوب. «تحريفية جديدة «تعتمد كقاعدة اجتماعية جديدة على ما أفرزه نشر التعليم بين فئات شعبية واسعة، بعد الاستقلال وتوسيع في قاعدة هذه النخب المنقسمة على ذاتها، في سعيها لتحقيق حضور اجتماعي أكبر، تعويضا لها على ما فقدته أو تصورت انها فقدته، كمحصلة لحروبها مع النخب المنافسة، داخل هياكل الدولة الريعية وهي تعيش هذه المرة، حالة وهن واضطراب في الأداء.
وضع يحيلنا إلى السياسي الذي كان رافعة قوية يغطي، على هذه الانقسامات وصعوبات العيش المشترك، عندما كان هذا السياسي في حالة صعود، كما كان الحال في فترة ثورة التحرير وما بعد الاستقلال مباشرة، لغاية ثمانينيات القرن الماضي تقريبا. عكس حال السياسي في الوقت الحاضر وهو يعيش حالة ضعف واضطراب، يمكن أن تستغل للزيادة في تعميق جراح المجتمع وتضخيم صراعاته وعدم اتفاقه، لضمان العيش المشترك، في ظرف دولي مضطرب يبحث عن أي شقوق، مهما كانت صغيرة، في جسم المجتمعات التي يتعثر مسارها، لأي سبب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* المصدر القدس العربي 

* باحث سوسيولوجي من الجزائر

اترك تعليقا