قراءة في قصيدة إبراهيم نصر الله «أوبرا الذئاب»: انتفاضة السكون أو العودة إلى أقرب سماء/ عبد الحفيظ بن جلولي*
بواسطة admin بتاريخ 21 سبتمبر, 2017 في 08:11 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 786.

القصيدة هي السقف الأخوي الذي يؤول إليه الشاعر ليقول ذاتيته بحميمية مفعمة بالنص والجمالية الهاجسة بالأنا في التحامه بالعالم، القصيدة رمل الذات حين يتحول العالم إلى بحر يحتاج على الدوام إلى شاطئ، الشاعر هو شاطئ العالم المكتظ بالآخرين، لكنه لا يحتمل أن يفسد الآخر متعته وهو يتأمل حركة الموج تزحف نحو رجليه وتدغدغ نشوته، تلك هي جمالية ذاتية الشاعر، ولعلها هي التي نستشعرها في قصيدة «أوبرا الذئاب» للشاعر والروائي إبراهيم نصر الله، إذ تتأسس كقصيدة بوحية يستلم فيها الشاعر منصة الكلام، كانتفاضة على صمت الذئب، لكن ما يحتاج الاستفهام، أو ما تضعه القصيدة كتحد أمام وعي المتلقي، هو هل هناك حاجة إلى سماع كلام الذئب؟
ذئب إبراهيم نصر الله ينتظم في «أوبرا»، بما يعني أن هناك نظاما يحكم حركته، ذا طبيعة أوبرالية، أي ما يحكمها هو نسق الصوت، والصوت الأوبرالي انتفاضة المغني ضد السكون، و»الذئب» في عوائه إنما يشكل الاستئناس الذي يحاول مغالبة صمت الجنوب، أو بيت الشاعر الذي غادره إلى المنفى:
«لتقل كلاما واضحا مثلي ومثلك في شمال عوائنا»
الدلالة العميقة التي يختزنها مفهوم الشمال، هو المنفى، والمنفى صمت قاتل لأنه أخرج الذات المنفية من معالم كينونتها الأصيلة، والمعبر عنها بلسان المكان، لكن لماذا استدعاء العواء للخروج من صمت الشمال؟ الذئب ذكي، ورغم أنه ماكر إلا إنه لا يغدر، وهو لا يأكل الجيفة ولو تضور جوعا، وكأن القصيدة جاءت لتحمل الذات الصامتة – في الخراب الوجودي الذي يحاصر منظومة الشاعر الحياتية، التي تنبع أصلا من فضائه الجنوبي، خراب المدن والإنسان وصمت العالم وضميره – على الإفصاح عن كينونتها، لكن ضمن انتظام أوبرالي يمنح الكلام معناه في صعود وهبوط فونيتيكي واضح، فالوفاء والذكاء والإباء علامات لا تحتمل أن يكون حاملها صامتا.
«أوبرا الذئاب»، تضعنا أمام تناقض صارخ بين ذاتية الشاعر وندائه في الأوبرا لتتكلم، لكن بصوت الذئاب، الاستدعاء الكلامي في حد ذاته يشكل مقاربة ترسم الذات في حركة الآخرين، لا لاحتمال إمكانية رؤية ذاتها وهي تشتبك مع العالم، ولكن لاحتمال أن تكشف عن علاقة الشاعر أو القصيدة وهي تتأسس انطلاقا من ذات صامتة، من خلال صوت العالم، الذئب في المحفل الشعري العربي يقع ملازما للصعلكة الشعرية النبيهة لكن التائهة في فضاء صحرائها، ومن هنا يمكن أن تكون كلامية الذئب استدعاء لصوت الوطن الغائب ضمن أوبرالية الأوطان وهي تتحدث عن نفسها في المدى الصامت للشاعر. الصمت ليس على الدوام شكل النباهة وذهبية المقصد، إنه التعبير الأمثل فقط عن الوجودية في حالاتها البريئة، لكن أن يتكلم الصامت أو يسترجع صدى الأشياء التي تتكلم/تعوي، فالقصد الدفع بالذات إلى مقولاتها الغائبة في ظل غياب الدافع القوي، المظلة التي تستظل بها الذات في ظهيرة العالم القائظة:
«قل أيها الذئب القليل أو الكثير/أو التهمني»
ما بين القول والالتهام يتشكل عالم من فتنةِ سُؤال، من متاهة اللعب الذي يناور حول مئذنة القول ليصل إلى أمداء الأمكنة الصغيرة والكبيرة، إلى حركة الشوارع والحافلات والناس الذين يزاولون حاجاتهم ويمارسون احتيالهم على اليومي، ليفوزوا بنصيب من أحلام مغالبة الزمن، «قل» هي المدى الذي تتحرك فيه ذاتية الشاعر لتُشعر الآخر بأن ما يمكن أن نتحرك به ليس الذات المنفصلة عن العالم، «التهمني» هو القول المنبعث من المرايا الباطنية للعالم لكن بهواجس الذات، «قل…./ أو التهمني»، إجعلني فيك كي أتكلم ليس بدلا عنك ولكن من خلالك:
«قل ما سيُغلق بابها.. هذي الرياح»
هل نتكلم لنصد شيئا؟ وهل صد الشيء تعبير أصيل عما قلناه، عن القول الذي يحمل إمكانية النضال في متن الحكاية الإنسانية؟ لا شك أن «الأوبرا» تحمل معنى من معاني نضال الإنسان ضد صمت العالم عن إتمام دراما الألم/الأمل الإنساني، «أوبرا الذئاب» تعيد صياغة السؤال المتجدد عن علاقة الشراسة بالنظام، هل هي الشراسة المنتظمة؟ وهل هناك أصلا ما نسميه هكذا؟ الشعر يرتبط بشراسة ما ممكنة تجعل العالم أكثر ديمومة في حركته نحو الكلمات، ولهذا كان فردريكو لوركا يصف شعره السياسي بأنه دفاع عن ابتسامته، شراسة الشعر هي ابتسامة أيضا، تستهدف فعل المواجهة من أجل استرداد أفق الحرية ومدى الوطن وابتسامة الأطفال وهم يجوبون المدينة بحثا عن لعبة مفقودة. أبواب الريح، آفاق المواجهة المريرة مع الواقع، المنفى السالب لفرحة المساء في حضن شمس الأصيل والوطن:
«ولا تدع عيني غارقتين في بحر الفراغ»
الكلام ضد الفراغ، والريح أكثر العناصر تشخيصا لهذا الفراغ، فصفيرها يشي بشكل رهيب بالصمت والخوف، الفراغ نابت في وجوهنا، في خوفنا الأبدي من مغبة الاقتلاع الجذري، الجذور لا تحب اللعب بترابها، أو «قل» بنظام وشراسة، كي يبتعد من يهوى اللعب حول انتظام الجذر في تربة الوطن والذات، الشراسة ليست خارج طبيعة الأشياء، إنها الظل الذي يقي الذات الوقوع في أحلام البراءة المستكينة، «أوبرا الذئاب» هي الذكاء واللاغدر والترفع عن الاقتراب من الجيفة، إنها شراسة النظام التي تمتد في عروقنا فقط لنتمكن من القول بأننا لا نصادر الصمت لأنه فينا، وإن لم نتكلم، فالبعد، «قل…/أو التهمني» يمنحنا فرصة للصمت، لكن، كي نتكلم ضمن خطابات الواقع السائر في «أوبرا النظام».
ذاتية الشاعر ليست صمتا، إنها «وصايا العاشق»، قد لا يتكلم العاشق سوى بعينيه، بلهفته في الاحتضان، بشوقه، ببراعاته في ترجمة الصمت إلى محبة، المحبوب يذوب في حبيبه عشقا حتى لا ترى منهما سوى نَفَس وحيد يسري في جسدين، إنه الأرض، الوطن، القرية، أحلام الشعراء حين يعودون إلى ترابهم، درويش يعود هذا المساء، سميح بعده سوف يعود، ينامون كما الأطفال تحضنهم أحلام الشمس وكلمات الرعاة:
«ذع ذئبتك تأكلك/ولا تترحم على أي شيء فيك/هي الأحق بلحم يديك/وعنقك»
في رسائله إلى الشاعر لوي غيوم، ذكر الفيلسوف غاستون باشلار بحماسة: «آه! كم يفكر الشعراء جيدا!»، كم يحلقون حول النهر ولا يغطسون إنهم فقط يكتبون سر الخرير، سر هذا الصوت الذي لا يجامل الموسيقى، بل ينفصل عنها، لا ليؤكد سلبيتها أو دونيتها، لكن ليضيف إلى جمال الموسيقى صوتــــــا لعله الغائب في نوتاتها، الشاعر على الدوام يذكر بأن ذاتيته ليست نشازا، «قل أيها الذئب القليل أو الكثير»، إنها نوتة مفقودة في منتظم أصوات العالم، «دع ذئبتك تأكلك»، العودة من صمت الشاعر إلى كلمات الأرض، لعل الذئبة تمثل «وصايا العاشق» للأرض.
«دع ذئبتك تأكلك»، القدوم من بعيد، من أبعد أفق على الأرض إلى أقرب سماء تحت قدمي الشاعر، إلى تربة الميلاد، العودة الأبدية للجسد إلى ذرات تراب كينونته الضوئية، حين لامست عيناه أفق خيوط الشمس الصباحية، كلهم يعودون، «أوبرا الذئاب»، هل هو الحلم بالعودة المرتجاة نحو قرية «البريج»؟ «قل أيها الذئب»، هو العواء المنتظم ضمن أوبرا صمت الشاعر، لكن في أفق الحلم بكلام القرية المهربة في أوراق وسطور وأحلام وروايات إبراهيم نصر الله؟

 

 

 

 

 

/

 

 

 

 

 

 

* ناقد وقاص من الجزائر 

اترك تعليقا