موريس بلانشو : الأسلوب و”الحق في الموت”3/3 / ترجمة :سعيد بوخليط*
بواسطة admin بتاريخ 29 أكتوبر, 2017 في 08:12 صباح | مصنفة في نوافذ | لا تعليقات عدد المشاهدات : 293.

هكذا فدون جوان الأسطورة الخالصة يخلق الكائن على منوال صورته مثلما يفعل الكاتب مع لغته؛ لكن يوجد الله كمنافس ويعيد المخلوق المتشكل إلى الدير.لاشيء من هذا القبيل عند الكاتب حسب موريس بلانشو.إذا لم يكن الله قط،ماذا سيفعل الكاتب بهذا المعنى،ب:((الحركة الرائعة التي من خلالها يأتي ما هو موجود في الداخل إلى الحقيقة المدهشة لما هو خارجي؟))،((هكذا إذن يبدأ اختبار مضطرب)).فلا يمكن للكاتب تحدي بعض أصحاب الرتب،والغوص في اللجة عبر بعض الأبواب الأرضية المفتوحة في اللحظة المناسبة، ولا أن يطرح بعيدا عنه عمله مثلما يستبعد غاو كائنه المخلوق الذي تمت صياغته كي يعود صباحا،فالكاتب ضمن الشخصيات إلى جانب عمله :( (يرى المؤلف اهتمام الآخرين بعمله،لكن ما يضمرونه له من اهتمام هو غير ما صنعته به ترجمته الذاتية ،فهذا الاهتمام من طرف الآخر يغير العمل،ويحوله إلى شيء ما لهذا الآخر)).
مع عزلة الكاتب لا يوجد مكان لمأساة الغاوي المثالية ،هذا القديس الفاشل الذي يصنع،ثم يحطم ماصنعه، يجد ثانية ليله فيذهب ثانية،يحاكي المجانية الأليمة لإله ثمل بصورته الخاصة : يلزمه أن يعيش،لكن لم يمكث سوى الغموض.بالنسبة لبلانشو،تتجلى ماهية الأدب في هذا الغموض الذي تتخلص منه تحديدا الدونجوانية من خلال اطراد اغواءات،وكوارث مبدعة،ثم بفضل موت مثالي يرسخ وحدة مصير.هذا الغموض،في الأدب :( (كما لو انقاد وراء تجاوزاته بفضل التسهيلات التي وجدها ثم استنفدت جراء تمدد التجاوزات التي أمكنه ارتكابها))،((ليس فقط،أن تصير كل لحظة للغة غامضة وتقول شيئا آخر لا تقوله،لكن غموض المعنى العام للغة ،بحيث لانعرف هل توضح أم تشخص،إذا كان شيئا،أو تدل عليه،إذا كان هنا كي ينسى أو يحدث لنفسه النسيان حتى نراه، إذا كانت شفافة جراء قلة معنى ماصرحت به ،أو واضحة نتيجة الدقة التي قالته بها، معتمة لأنها أفرطت في القول،ثم مبهمة لأنها لا تقول شيئا:الغموض في كل مكان،من خلال المظهر التافه،لكن الأكثر تفاهة ربما يتمثل في قناع الجدية :مع اللامبالاة،بل خلف هذه اللامبالاة،تكمن قوى العالم التي يتحالف معها بتجاهلها،أو أيضا،في إطار اللامبالاة يتم الاحتفاظ بالخاصية المطلقة للقيم التي بدونها يتوقف الفعل أو يصير مميتا)).
يلزم الإقرار أن بلانشو ينظم كابوسا جيدا للكاتب،هو كابوس أبعد ما يكون عن المجانية.إذا استحضرنا باستمرار أسطورة دون جوان، فلأن دون جوان الصرف يجسد فعلا كاتبا تتخلص أعماله من الاحتمال ثم يتخلص هو نفسه بعد ذلك من أعماله،بتحويلها إلى تراجيديا حية : أعمال دون جوان، أي اغواءاته،بمثابة تشكلات مجانية تماما لكائن مخلوق، تنتزعه – بالشغف- من عالم الآخرين،ودون جوان باستبعاده لهذا الكائن نحو العدم – بالتخلي – يتخلص من أخطائه الذاتية :دائما يذهب دون جوان ثانية خلال صباح أليم.لكنه مصير ليس عبثيا،يتجزأ بألف وثلاثة معنى تعطى على التوالي إلى تشوش الأنفس قبل الكلام،مادام أن آمرا سماويا تأتى له،العمل على توحيد تحدي مصير بعقاب فظيع ثم تحليق نموذجي في الغامض.
الكاتب تحديدا هذا الدونجوان الفاشل الذي يعلم بأن فتوحاته ألقي بها إلى مرعى أمام أنظار الآخر؛ويعرف عزلة انتزاع معنى خلال الليل ولا يوجد كدون جوان،تماما، سوى خلال هذه اللحظات القصيرة،لكنه لا يعرف ما يفعله،بين لياليه،جراء انعدام سيف،ونزاع، وفارس آمر ثم إله الغيور.السلطان الخبير بالشتائم القاسية،حيث بوسع دون جوان أن يتجاهل لدى قروييه كل ما يبقى فيهم غريبا عن الاعتبارات التي وضعها فيهم،وتتغذى مجانيته من حالات نسيان مذهلة بحيث يعجز الكاتب المتعلق بروائعه ويتردد عن تفنيدها حينما تتشكل.
لكن بلانشو عرف كيف يربط تراجيديا الكاتب بتراجيديا اللغة نفسها.العمى المتوحد للغاوي،أيّ مسرح،وأيّ شخصية ! الكاتب نفسه،ينمحي،أمام سر اللغة جراء تكلمه دون أن يلاقي مصيرا.محتجز ضمن دوامة إعطاء معنى يقتل – مثل دون جوان الأسطوري يموت بعد ارتقائه صوب المعنى- الكاتب،للأسف !لن يلتقي موته الذاتي سوى من خلال الكلام.
مع ذلك هو فضاء بالنسبة إلى بلانشو قصد تحقيقه لانتصار واسع من خلال المتخيل،يكتب: ((ماذا بوسع كاتب؟كل شيء : إنه بين طيات أغلال، تضغط عليه العبودية ،لكن أن يجد كي يكتب، بعض لحظات الحرية ثم هاهو حر من أجل خلق عالم بغير عبيد،عالم يصبح معه العبد سيدا،فيؤسس قانونا جديدا،أيضا وهو يكتب،يحصل الشخص المقيد فورا على الحرية سواء بالنسبة إليه وكذا الجميع….لكن لنتأمل ذلك عن قرب أكثر.لهذا وقد كرس نفسه للحرية التي افتقدها،سيهمل الشروط الحقيقية لانعتاقه،ثم ما يلزم أن يتم واقعيا حتى تتجسد الفكرة المجردة للحرية)).باختصار،ترتبط حريته بالوهمي الذي تحتجزه تجريدية الكلمات ذاتها ،فيقرع باب هذا الوهمي عبر كل ما يلمسه.ولا يصبح حقيقة حرا سوى في ظل الثورة، حينما تُتناول الكلمات المجردة بجدية،وينتصر اللاواقعي في التاريخ :( (بحيث يندفع الفعل الثوري بنفس القوة وذات السهولة ثم لايحتاج الكاتب من أجل تغيير العالم،سوى إلى رص بعض الكلمات)).
أحيانا،يمر الأدب إلى التاريخ وينتصر عليه : إنه الرعب.ماهو إن لم يكن هذه اللحظة عندما :( (يتوقف كل شخص على أن يكون مجرد فرد ثم يعمل لصالح مهمة محددة،فعّال هنا وفقط الآن كي يصير حرية كونية لا تعرف لا هناك، ولا غدا، ولاعملا، ولاصنيعا)).والحال أن الكاتب،ضمن امبراطوريته من الكلمات الحرة،يٌقارن بالإرهابيين،يعني هؤلاء الأشخاص الذين :( (منذ حياتهم،يعملون ليس كأشخاص أحياء وسط أشخاص أحياء،لكن ككائنات افتقدت أن تكون،أفكارا كونية، محض تجريدات،تحكم وتقرر من الجانب الآخر للتاريخ،باسم التاريخ عموما)).
بما أن الكاتب لايدير العالم،فما هي الحقيقة التي بوسعه إدراكها؟حقيقة الكلمات،بل ومادتها ذاتها.هكذا تصير الجملة موضوعا،وتولد مادة خاصة من فعل الكتابة.”أقول ”وردة”. لكن حينما أستشهد بها في الغياب ،ثم بالنسيان مستبعدا الصورة التي تقدمها إلي،في عمق هذه الكلمة الثقيلة تنبثق هي نفسها مثل شيء مجهول،أستدعي بولع عتمة هذه الوردة،والعطر الذي اكتسحني دون أن أتنفسه أبدا،ثم هذا الغبار النافذ إلي دون أن أراه،واللون باعتباره أثرا وليس ضوءا.حيث يقيم إذن طموحي قصد بلوغ ما أصده؟في مادية اللغة،ضمن إطار أن الكلمات كذلك أشياء ،طبيعة،ما أعطي إلي فمنحني أكثر مما أفهم…. يلعب كل ماهو فيزيائي الدور الأول : الإيقاع، الوزن، الكتلة….نعم، من حسن الحظ، أن اللغة شيء)).
إذن ها نحن نعثر ثانية على معنى الحقيقة اللفظية التي كشفناها تحت الأساليب ابتداء من نيكولا بوالو وتوقفنا كي نعثر عليها ثانية عند كل بؤر التاريخ الأدبي. هذا الهاجس،الأولي جدا الذي يبدو شبه فطري لدى كل كاتب حقيقي،هل يفقد قيمته باستناده على ”الموت”؟إطلاقا،شريطة أن لا تكون هذه الفلسفة مجرد حجة لإمكانيات جمالية عديدة.كي لا نقدم سوى مثالا،فقد أثار العديد من النقاد انتباههم تذوق الكلمات في ذاتها عند فرانسوا رابلي :لكن،شكل ذلك بالنسبة إليهم، لعبة جذابة مع القاموس،بحيث أن بيير دو رونسار، نيكولا بوالو،استشعرا بامتياز الحقيقة العميقة للأسلوب بغير التفاهات النقدية للقرن التاسع عشر.من البديهي أن يجيب الأسلوب،عند رابلي،على السلوك الجوهري للكاتب،وكذا إرادته اللاواعية لمجاراة تكاثر المادة بخلقه مادة لفظية،مضيفا مثل شلالات نياجرا إلى ثراء عالم غمره تحديدا عمله،واستغرقه كي يتغلب عليه بشكل أفضل.
تتمثل جدارة بلانشو هنا،في كونه الأول،الذي استند حول العلاقات الأصيلة بين الإنسان والكلام حيث الكلمات مادة بالنسبة للكاتب : يبحث كي يلامس من خلالها،رمزيا،هذه الحقيقة للأشياء التي تلغيها الكلمة تحديدا حينما تتأكد كمعنى.لكن الأسلوب الشخصي الذي يستخلصه من ذلك ينتج عن اختيار حر،وتعايش بين مزاجه وإيحاء ما سيذهل شخصا آخر بشكل مغاير تماما . بينما يسعى راسين،على العكس،للتخلص من المادة المعتمة للكلمات بإعطائها شفافية غريبة،فإن باسكال يسحقها بمنطق يقوض المادة.ألف تصرف ممكن- وسنرى في مكان آخر كيفية توطيد تراتبية بين هذه التصرفات – لكن تبقى الكلمات سواء بالنسبة إلى رابلي، راسين،باسكال أو شاتوبريان ،مادة تندرج ضمنها أكثر مشاريع الكاتب اعتبارا. بلانشو،مع كل مناسبة – فيما يتعلق بالسورياليين،وروني شار،إلخ- يؤكد ثانية أولوية الأسلوب هاته المسماة عنده لغة – باحثا بامتياز على حضور للموت أكثر من سلوك عبقري،وطبيعة الكلام بدل تعدد للجماليات.لكن لم يكن الأسلوب أبدا مفهوما بشكل أفضل أبعد من المهارات والوسائل ثم اللعب.
فيما وراء الأدب، تقوم الموت بكل بساطة: ((إنها التمزق الجوهري بالنسبة للإنسان)).ألا ينضم بلانشو باعتباره فيلسوفا للموت،إلى الفلاسفة القدامى الذين شكلت لديهم الحياة شهادة دائمة أمام الموت؟ :( (يلزم لغة الأفكار،كي تكون صحيحة،أن تكون لغة يملؤها الوجود)).من المهم، لدى بلانشو،أن يكون باسكال شاهدا على عمله :( (نفهم كيف أن التبرير اللاهوتي لدى باسكال يفترض باسكال الموجود،والمؤمن)).عمله ”الأفكار” :( (تلك اللغة المتكئة على لحد))،لا تجد جل معناها سوى عبر التجربة الباسكالية مع قبر المسيح،حيز تمثَّل معه حياة جديدة.ذلك أن باسكال كاتبا يمكنه فعلا التصميم على كتابة تحفة ممتازة،حيث بوسع كل العالم الانتصار، بوالو، أنطوان أرنو، لويس السادس عشر بل الله نفسه.لكن الوجود المعتم يضع حضورا للموت في العمل الرائع و:((أحدث ركاما من الأوراق الصغيرة أو بالأحرى يتلف عوض أن يكتب)).هذا : ((الكتاب المتأكد جدا من خلوده)).
لاينبغي الاندهاش من بحث بلانشو عن هذا الاتصال بعمل ضمن مصير نموذجي حسب الذوق القديم :( (لاشخص يمكنه القول بأن الموت التي جعلت من التبرير اللاهوتي أفكارا،مجرد طارئ لاعلاقة له بالنص الذي عرف النور وقتها.ينفجر النقيض ببداهة.إذا كان باسكال الحي من صمم وهيأ العمل،فباسكال الميت من سيكتبه أصلا)).
لاشخص آخر،أمكنه كتابة ما دبّجه بلانشو بصدد باسكال.إننا أمام التعسف المذهل للاختيار الذي يتبناه كاتب.أمام هذا الكتاب : ((المتأكد جدا من بقائه))،فإن بلانشو حيال هذه الجملة المدهشة :( (لكن إذا وجدت ثانيا اللغة حقيقتها التي هي عبقرية الموت الغامضة،ثم تصغي إليها،وتلاحقها،إلى حد أن الفصاحة ليست قط فصاحة،بل عوزا مطلقا،وبأن الرعب الخاص بالكلام، يستمر في أن يكون رعبا حتى مع الكلام الأكثر يقينية والأكثر إبهارا)).
لنذهب،غاية إتيقا تصل الفيلسوف بالشاعر قصد مطاردة الموت بأسلحة حديثة وسط عالم بدون إله.
*مرجع النص :
Manuel de Diéguez :l écrivain et son langage ;Gallimard ;1960.PP149- 172.

 

/

* باحث ومترجم من المغرب 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقا