رسالة أوصلتها الجنية / عبد الكريم ينينة *
بواسطة admin بتاريخ 29 نوفمبر, 2017 في 07:43 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 858.

في “حرائق قلب” للكاتب “محمد بن زيان” نصوص ثلاثة، هي في الحقيقة امتداد لبعضها (هامش ما حكته الجنية) و(فسيفساء اللوعة) و(حرائق الرحيل) يقاوم الكاتب “محمد بن زيان” وهو طريح فراش المرض خلال سنة 2005 ألسنة لهب الحياة محاولا إطفاءها وحيدا بسترة الكتابة، وحيدا معزولا، متروكا إلى مرضه، منزويا في غرفته/غربته، متوسدا زاده الديني والمعرفي من التاريخ وعلم النفس والفلسفة، إلى جانب كل هذا كانت “الجنية” تزوده من حين لآخر بجرعات إضافية مضادة للنكران بأغانيها المعصورة من تجربتها الشخصية وهي تجربة جزائرية من عمق ثقافة الهامش أو “أولاد البلاد” المقهورين، وقد عانت كثيرا وسط مجتمع صعوبته في تأسس روابطه على اختلالات إنسانية. 

في النص الأول (هامش ما حكته الجنية) رسالة واضحة إلى الذين ابتعدوا عنه في محنته، فأغاني الجنية مشحونة بمعاني الحط من شأن عديمي الوفاء، ناقصي “الرجلة” (كلش فايت يا الشمايت)، يقول الكاتب في غربته تلك: ((كم ضاع عني الوصف وكم افتقدت الإشارة. أقرأ الترابي وأرحل في سفره في ما يقود لقراءة المحنة، محنة انفصال الرشاد عن السلطان، أقرأ سير المنفى لشرابي وإدوارد سعيد والقيسي والبرغوثي. أقرأ وأتمزق، أتأمل مشهد نانسي عجرم وأستعيد الجنية، لكل لغته ولكل لغة شحنتها من الألغام)) هكذا أرادها محمد شحنة من الألغام أيضا في طريق الزائفين (لاعبينها يصلو وفي الليل يباتو خابطين) لتناقضهم بين ادعاء الصداقة في الظروف الجميلة، وعند أول محك يظهر زيفهم، فيتخلون عنك (لوكان عندي كاميرا نجيب خباركم) لفضحهم وعرض زيفهم بطريقة تدحض نفاقهم، ((“ﭬاع جبدو مني وما قديتشي” فقدتُ الطاقة لا حول ولا قوة إلا بالله….، جسدي ينتحب.. الجسد كأرض أنهكها الجفاف فتشققت..)).  المرض الذي أقعده آنذاك زاد من اشتياق محمد للمكان المشحون بالزمن المشحونة به ذاكرته، فتجتاحه صور أماكن الباهية التي تسكن وجدانه فتهيج به الذكريات، فيتشبث بالمكان كمرجع ثابت وفيّ لا يعتريه ما يعتري البشر : ((وأحن إلى سيدي الهواري، أحن إلى كل بقعة من شارع الحدائق إلى مونتا ومن رأس العين إلى قمة المرجاجو، أحن إلى ليالي ساحة الجوهرة وشارع الجزائر  ونهج ستالينغراد. ليالي أمواج وأتمزق بتبدد الصور وانمحائها، من بروماند دي تون إلى مارشي نوار ومن جوار سيدي لغريب إلى لاريبيبليك ومن السكاليرا إلى الدرب..)). حتى هذه الذكريات كانت تزيده وجعا ((كل ما يداهمني يحرك السكين في الجرح، أهرب إلى الأفلام والمسلسلات فتبكيني قصصها، أسمع الموسيقى والغناء فيزداد النحيب وأنا أجهش كالجنية (كي ندير؟!)، ((الأنفاس تتراكض والدقات تتكثف والزمن يعطسني، المكان يتقيأني والحفلة التنكرية تتوسع..)) ((تشردت كثيرا وفي تشردي أدركت كالجنية “حوست عشرين دار  ولقيت داري خير لي” إنني في شوق لرحم يحتويني، حضن يحضنني، شوق إلى العودة رضيعا يهدهده الهز ويلفه الحب، إنها فظيعة المسيرة، أريد أن أنسى، إنها فظيعة يا الجنية “يا قليع بويا ما راه صاري فيا” “يا خلا دار مّا ماراه صاري فيا”)) يقول الروائي الفرنسي دانيال بيناك: (إن الكتابة في حالة المرض ليست صياغة جمل، بل هي أن تقاوم بما هو متاح) وتقول الروائية الإنكليزية فرجينيا وولف: (إذ يحرمنا المرض من قدراتنا، فإنه يدفعنا إلى القبض على الجوهري، على الأصوات، والروائح، ومشاهد العالم، في شكلها الأكثر تشذيبا)، كثيرون في عالمنا العربي منذ المتنبي في “الحمى” كتبوا نصوصهم على فراش المرض، منهم من توفاه الله كالسياب في أنشودة المطر، والطاهر وطار  في (قصيد في التذلل) ومنهم من أطال الله في عمره كعبده وازن في “قلب مفتوح” و شهلا العجيلي في (سماء قريبة من بيتنا) ثم ها هو محمد بن زيان، وإن كانت نصوصه سابقة لنصوص وطار ووازن والعجيلي، فـ(حرائق قلب) يمكن أن نشكل من نصوصه الثلاثة قاموسا لمعاني العذابات السامية للكاتب، والمشاعر المجروحة التي تنزف ألقا، ورؤية جديدة عن علاقة الذات بالانكسار المبدِع، وكما قال التومي في قصيدة “لحمام” الشهيرة التي غناها العنقا: (لو نعيد همومي نعمر ألف كتاب) بأسلوب محمد الجميل الذي أرخ للألم بلذة الحكي، ودفع به في الأخير لأن يخرج لنا على هيئة (حرائق قلب) في تجربة مع المرض ومع النكران، وإن كان قد تكلم عن مرضه بشكل جميل جدا، فإنه ترك الشيخة الجنية تتكلم عن النكران في النص الأول (هامش ما حكته الجنية) بطريقة أحسن محمد توظيفها فنيا بطريقة متناغمة، فنكاد نسمع صوتها الشجي على إيقاع نص الألم لمعزوفة الانكسار، تتراقص فيها ألسنة اللهب المنبعثة من حرائق قلبٍ أبدع إلى حدٍّ موغلٍ في الوجع.

/

* المصدر جريدة الجمهورية 

* قاص وشاعر من الجزائر 

 

اترك تعليقا