جدير بأن يقرأ ” حرائق قلب ” / د مخلوف عامر *
بواسطة admin بتاريخ 11 ديسمبر, 2017 في 03:13 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1389.

قيل: (ذو العقل يشقى في النعيم بعقله) فإذا كان العاقل يشقى وهو في النعيم فكيف وهو فيما يشبه الجحيم.وضْع صحِّي متعبٌ ووضْعٌ اجتماعي بئيس ولا حياة لمن تنادي
هذا الكتاب يمثِّل صرخة في وجه الإنسان والمثقف المسؤول خاصة والمُدَّعي من حيث أتى.وعبْر ثلاثة نصوص مطوَّلة:( هامش ما حكتْه الجنية) و (فسيفساء اللوعة) و (حرائق الرحيل))
يغوص بنا الكاتب في سيْل من التداعيات تتماهى فيها الذات مع الموضوع بلغة قوية حارقة تُلهب المشاعر والأحاسيس لتهزَّ كل ضمير حي.فممَّا يقول مثلاً:
(في المنعطف كنت بلا ظل أو كنت الظل فصرتُ الضال التائه.سهوْت بشهوة ما تسرَّب عن السراب فتسلَّل إلي الصاعق بهدير الفجيعة والفجيعة هي زمن انفلت والانفلات ساقني إلى حيث أصبحت لغتي العواء المتمزِّق في القفر الموحش )ص:30
على هذا النحو تتوالد الكلمات وتتوالى الفقرات، في فسيفساء من التدفُّق اللغوي يتمحْور حول الذات ويذهب إلى أبعد من الذات، وتحضر-طوْعاً من فيْض الذاكرة- أسماء الفنانين والكُتَّاب والفلاسفة والمتصوِّفين وغيرهم ممَّا يمليه عليْه رصيدُه الثقافي الغني.
محمد بن زيان الذي أتعبتْه الحياة، ولم تُتْعبه القراءة، هو الإنسان المثقف/المظلوم هو الذي يُحدِّثك عمَّا يروج في الثقافة الشعبية كما في “الثقافة العالمِة هو الذي قضى أجمل شطر من حياته في أسوأ وضع من عيشته، واستمرَّ يتابع بذكاء متفرِّد ما يجري في الوطن وفي العالم.
وأنا أقرأ: (حرائق قلب) لـ: محمد بن زيان تذكَّرتُ هذا العنوان لصديق آخر كتب مجموعة قصصية بنفس العنوان، هو: (عبد القادر زيتوني).لعلَّ ما يجمع بيْنهما حرقة نابعة من حب الوطن والإخلاص للوطن، وإيمان عميق بأنه يستحق أفضل بكثير ممَّا هو عليه.
لكن القلوب إذْ تحترق، فلكل إنسان قلبُه وطريقة احتراق قلبه.ولعلَّ لكل امرئ طريقته في التعبير عن محنته،أو كما اختزلها الإمام الغزالي في قوله: (غزلتُ لكم غزْلاً ولم أجد لغزلي نسَّاجاً فكسَّرتُ مغزلي).
فأمَّا أنْ يكون الاحتراق من أجل وطن تعيش فيه بلا بيْت تؤوي إليه وبلا أدْنى تقدير،وترى الأوْباش قد استأسدوا لأنَّهم حَكَموا،ولا يستحقُّون أكثر من عبارة الجنية الشهيرة: ( كُلَّشْ فايتْ يا الشمايتْ) فمن واجب القوْل أن تُعْلن للناس أنَّ حُرْقتك هي أخرى ليست ككل الحُرَق.
هذا ما يُسجلِّه محمد بن زيان في كتابه:، : (حرائق قلب). صرْخة صادقة ومُدوِّية في وجوه كل المثقفين الذين نسوا أو تناسوْا، أو قادتهم الأطماع ليتذلَّلوا من أجل المناصب والمكاسب، أو بفعل نرجسية مُفْرطة لا ترى إلا وجهها في مرآتها الصدئة.
ولا أخفي عليكم أيْضا، أنني وأنا أقرأ هذا الكتاب، لم تُفارقْني صورة الراحل:(عمار بلحسن)، يوم كان على فراش المرض ويدرك ما سيؤول إليه مرضُه، وكتب:(يوميات الوجَع، كتابات متورِّمة ليليات الألم..) وهو الكتاب الذي-كلَّما حاولتُ أنْ أنْهيَه- لم أقْدرْ على إنهائه لما يثيره في النَّفْس من وَجَع.
الحديث عن (الشيْخة الجنية) لازال يُعدُّ عيْياً في أذهان أولئكم الذين لم يعرفوا أنَّها-وهي فتاة في مقتبل العُمْر- اخترقت قانون القبيلة وغَنَّتْ، لأن أهل القبيلة لم يفكِّروا أبداً في وضْعها المُزري، فلمَّا أدركت(الجنية)، بأنَّ مصيرها ينبغي أنْ يكون بيدها، ولا بد أن تخطو خطواتها في طريق الحرية بجرأة نادرة،خرج الفحول/الذكور يعيبون عليها أفعالها، تماماً كما قد يُنْكرون على محمد بن زيان أن يفكِّر فيها ويخصِّص لها فصلاً ممَّا كتب.ألا بئس ما يفكِّرون !
وبعدما يجول بنا في عالَم الذات المُتْعَبة بألوان مختلفة من التعبير وبما يلفُّها من حزن مؤلم دفين، يختم بهذا الموقف النبيل بعدما ينخر مخَّه سؤال مُحيِّر: هل أنتقم أم أعفو؟ ! فيقول:
(لا يتمكَّن الظلم إلا عندما تكون فينا القابلية له ولن تحدث القابلية إلا عندما تتوافر شروطها والظلم ظلام يكتسح ويبتلع الضوْء ولمَّا نُظْلم نَجْرح ولما نجرح قد نصبح أشد الظالمين فأخطر الوحوش المجروح منها.. أقول يا أعدائي”نوكل عليكم ربي” أترك الحساب للحي القيوم).ص:71
يا أحبائي، إذا كنتم لا تعرفون هذا الإنسان، فأنا متيقِّن من ثبات أخلاقه العالية وعمق معرفته،ويشرِّفني أن أستفيد أكثر ممَّا يُخبِّئه كلّما جلستُ إليه، كما إنِّي متيقِّنٌ أيْضاً من أنَّه لن يبخل بما يكتنزه.
حين تجلس إلى هذا الإنسان، ينبغي أنْ تخجل من أن تتحدَّث عمَّا تحمله من شهادات، جامعية كانت أو ما فوق جامعية إن وُجِدتْ.ورحم الله امرأً عرف قدْر نفسه.
———————-
محمد بن زيان، حرائق قلب، منشورات الوطن اليوم، 2017

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* ناقد وأكاديمي من الجزائر 

 

اترك تعليقا