
أتأسف في هذا البرد القاسي على البخار المتصاعد من فنجان قهوتي و هو ينفلت مني كخصلات غجرية متهَمة و متوقعَة الخيانة ، و لكنها غير مدانة و غير قابلة لذلك ،تلتف أعمدته المفتولة صاعدة إلى تلك الروح المختفية في إحدى الزوايا المهجورة من الذاكرة ، حين يبدأ في التلاشي فكأنما ينقص من أنفاسها الندية و طيفها الخاطف.. عندما تصلها نكهات رشفاتي المشبوهة تزداد عُجبا و كبرا ، ويجف الفنجان المتبجح بين أصابعي و يبقى لي السكّر متشبثا بالقعر أتلهى به كطفل متعجرف و سطحي ينسى مأساته لأتفه المغريات.
ومع عبثية محاولة الفنجان محاكاة ما يحدث في بركاني ، إلا أنه أجمل ما دام قد أوصل إليها ما عجزت عنه . يبقى أن ما يغيظني هم أولئك الممتحنون الذي ينتظرون فراغ الفنجان ليقرؤوه ، و ليضعوا نياشين العرّابين على حساب نبضات رموشي ،هؤلاء هم الذين يخدمهم شعار لا جديد تحت ارتعاش الشفاه .. أدعوهم ألّا يفرحوا كثيرا فإنني نكاية فيهم سأكسره ، بل سأفتته حتى لا يلحقوا على قطعة صالحة للتأويل إلا زخرفة صينية صاحبها الذي أبدعها على الماكينة مجهول عندي و عندهم ..و سأحرق عود البخور المجوسي حتى أمحو آثار جريمة لست معنيا بها مطلقا ، لكنها تكرر نفسها كلما خرج البخار ساخنا من أفواه الخيول المنهكة ،فيتبادر لهم لأول وهلة اسمي ، و ينسون الأسماء كلها بما فيها اسم الجريمة ..
ينقش سواد القهوة في نفسي وشما جميلا داكنا على قشرة الرومانسية الموهومة المتعلقة بخطاها المنكدة حد الاختناق ، كما المقامر المفلس أتمسك بتلك الآثار التي تتركها على أرضية مبتلة بدموع الحمقى الذين أنا أولهم ليحاربون الملل معتقدين بأنه شبح غبي، فيغيرون له الأقنعة، فيغير لهم البدلات ، و هكذا تبقى اللعبة أبدية إلى أن يفنى أحد الخصوم .
ثم بعد ذلك ينعتون قلمي بالجاحد ، لله دره المسكين ! فإنه يستشيرني في الألبسة التي تكسوه في الفصول الثلاثة ،إلا في الشتاء ، فإنه يتدثر بالثعابين و الأفاعي ، هو يشفق عليّ ، وأنا أخشى الاقتراب منه ، فأتركه يخط ما شاء خوفا من لدغاته القاتلة ، ثم بعد ذلك ينسى ما اقترفه في حقي ،لأنه يراني أمشي بين الناس مكسوا بأبهى ثياب متحاشيا حانة الحروف الثملى ، صحيح أنني أعتذر عن الوضوء بمدادها ، و لكنني أتيمم بأوراقي السوداء ، و أستغني حتّى عن عصير النقاط و الفواصل خوفا من شبهة الذهول.. و أبلغ مرادي و أكثر .
إلى تلك الروح تنمو للحروف جذور تبحث عن مصدر للري ، فترتفع إلى أعلى ، و تصلها الأجواء الندية ، فتزداد تلك المغرورة عنادا و مكرا ، وتبحث بين السطور عما يريب فلا تجد إلا بخار أنفاسها تجمدت على مرآة نقاطي ،فصارت صقيعا يبحث عن معطفي الذي تعقدت على كتفه خصلات من الشعر بشتى الأوصاف و الأشكال ، و كلها ترافع زورا لحساب فصل من الفصول لم يحن بعد ، لم تحن بعد عودة الفصل الضال الذي غادرني بدون إذن ذات صباح ..ستكون بصماته على حروفي استثناء غير قابلة للتصنيف إلا إذا تعسف المحققون في قضيتي.
/
* قاص من الجزائر



