رسالة إلى صديق ليس من جيلي/ حميد عبد القادر*
بواسطة admin بتاريخ 14 يناير, 2018 في 03:09 مساء | مصنفة في جدل ثقافي | لا تعليقات عدد المشاهدات : 203.

ترددت كثيرا، قبل الكتابة إليك أستاذي الكريم. لكنني تجاوزتُ هذا التردد، وهذه الحيرة، وها أنا مُسلحاً بالإقدام، والهمة، أتوجه إليك بهذه الرسالة، رغبة مني في أن أعرض عليك بعض من الأفكار التي ظلت تراودني، وتخطر على بالي، وأنا أقرأ ما تكتبهُ على صفحتك هذه الأيام، بخصوص الهوية، واللغة الأمازيغية.
سيدي..
أنت تنتمي لجيل الثورة، ولا أحد بقادر على إنكار نضالك الثوري، وتضحياتك. ولا يحق لأي كان أن يجعل منها موضوعا للجدل، أو الشك.
أما أنا، فأنتمي لجيل ولد بعد الاستقلال، بدأ يكتسب وعيا سياسيا وفكريا عقب أحداث أكتوبر 1988. وكما كنتُ أرددُ، وأكتبُ في مطلع التسعينات .. “أنتمي لجيل الثمانية والثمانينيون”…جيل الوثبة الديمقراطية. 
ناضلتُ منذ بداية التسعينات، من أجل المثال الديمقراطي، وكتبتُ مدافعا عن قيم التعددية والاختلاف. لن أنسى ذلك اليوم، الذي دخلتُ فيه مكتبي بصحيفة “الخبر”، فأخبرني رئيس القسم الثقافي آنذاك الزميل “حمزة . ت”، بأن الروائي الراحل “الطاهر جاووت”، اتصل بي عبر الهاتف لكي يشكرني على مقال كتبته بعنوان “الاحتراق الداخلي”، وقد نُشر ذلك اليوم.. تناولتُ في هذا المقال، خطورة السير على نهج الأحادية، وتحولها من الأحادية السياسية إلى الأحادية الدينية، فمدحت التعدد والاختلاف والهجنة هذه الفكرة التي كتبت عنها مواضيع كثيرة بعد أن فاز الشاعر “ديريك والكوت” بجائزة نوبل للآداب سنة 1992..كنتُ حينها مهووسا بالنموذج الأندلسي، فبينما كان العالم يحتفل بالذكرى الـ 500 لاكتشاف العالم الجديد… كنتُ أقدم الأندلس كصورة حضارية رائعة، عرفت تعايش الديانات والثقافات، والشعوب والأجناس، ضمن نموذج إنساني في غاية الإنسانية، والرقي.. فقدمتها كنموذج رائع يقفُ في وجه التجاوزات التي ارتكبها الغرب في “أمريكا” باسم الصفاء العرقي، وتفوق الإنسان الأبيض، التي تشبه محاكم التفتيش في اسبانيا بقيادة المحقق العام “توماس دي تركيمادا” الرهيب والفظيع…ولكي أستنكر، التطرف الديني الذي كان يهدد البلد آنذاك. 
جيلكم يا سيدي، وضعنا في مأزق كبير، فقد صنع إخفاقات الدولة الوطنية، وفشل في تقديم خيارات ديمقراطية لمرحلة ما بعد الاستعمار…اختار توجها غيرُ ديمقراطي، قام على شعبوية أنتجت إخفاقا مهولا…وهو الجيل الذي صاح للعروبة، وتعصب لها، على حساب مكونات هوياتية أخرى، وهلل لها ثلاث مرات…فسار على خطى مصالي الحاج، الذي اتهم خصومه السياسيين في الأربعينات بتهمة واهية هي “البربريست”، فأنتج لنا هذا الصراع الذي نحن في غنى عنه…وما زلنا ندفع ثمنه إلى اليوم…فأصبح كل مناضل يرفض تصوراته القائمة على عبادة الشخصية مجرد “بربريست”، وأحيانا “مثقفا” يجب إبعاده من الحزب.. وكانت هذه بمثابة تهمة أخرى كان مصالي يوجهها لهؤلاء الخصوم… أعرف جيدا أن السيد سعيد شيبان هو أحد أصدقائك، وكان ضمن هؤلاء الطلبة الذين استنكروا شعبوية مصالي..فهل هو “بربريست؟ .
سيدي..
طبعا لن اكون جاحدا، وعلي ان اعترف ان هذه الدولة الوطنية، هي التي أقامت نظاما اجتماعيا عادلا، وسمحت لي أنا ابن الفلاح، من الدراسة ودخول الجامعة…وعليك ان تعلم مثلا، انني غيرتُ من مواقفي تجاه الرئيس هواري بومدين..وتجاه البومدينية التي انتقدتها كثيرا..فقد أدركت مع مرور الوقت انني كنت مخطأ في حق الرجل…
الجيل الذي تنتمي إليه يا سيدي، يتحمل مسؤولية إدراج مسألة الهوية في قلب الفضاء السياسي، لإضفاء الشرعية على النظام…وبدل الديمقراطية، اختار حلولا أيديولوجية، سبب هذا المأزق الهُوياتي الذي نعيشه اليوم، والذي بدأ يعرف الانفراج بعد القرارات الجريئة التي اتخذتها السلطة مؤخرا عقب دسترة الأمازيغية، واعتبارها لغة وطنية، واعتبار يوم 12 يناير عيدا وطنيا. 
كان النظام، وعلى لسان زعيمه يردُ على خصومه، وعلى كل المناضلين الذين التفوا حول بوضياف، وحسين آيت أحمد، الذي قاد معارضة سياسية، بالمقولة التالية “نحن عرب..نحن عرب..نحن عرب”. 
ومثل مصالي الحاج، لجأت السلطة بعد الاستقلال إلى مسألة الهوية (العربية) لضرب المطالب الديمقراطية، وتكسيرها. استعملها جيلكم كدرع أخير، لضرب الخصوم السياسيين.. فلم يخطئ أحد المجاهدين الكبار حينما عقب على مقولة “نحن عرب” ..قائلا :”سوف يصيح سردوك الأمازيغ بدوره..ويقول “نحن أمازيغ..نحن أمازيغ..نحن أمازيغ”..وبالفعل هذا ما حصل. فتصور معي سيدي الكريم..هل كنا سنصل إلى هذا المستوى، لو فضل جيلك الخيار الديمقراطي، وابتعد عن التصورات المتعلقة بالهوية؟ وقدم لنا تصورات تقوم على المواطنة، والديمقراطية، وليس على الخيارات الاثنية..هل كنا سنصل إلى هذا الواقع؟ 
جيلكم، سيدي، كان بينه رجال تحلوا بالحكمة والبصيرة، وتفطنوا لخطورة الابتعاد عن الجزائر الجزائرية، وعن المواطنة والديمقراطية..أقصد هنا جماعة طلبة ثانوية بن عكنون سنة 1947، من الذين تقدموا مثلما أشرت إليه أعلاه، بعريضة لمصالي الحاج، لوضع حد لانغلاق الحزب، وترك عبادة الشخصية، والابتعاد عن كل ما كان يحول دون السير نحو الكفاح المسلح ضد الاستعمار. 
كل هذا مضى سيدي..هو تاريخ بالنسبة إلينا. زمن ولى..لكن المخيف، هو أن يتكرر هذا الماضي، وأن يتجدد…ويستمر. هذا ما خطر في ذهني، وأنا أقرأ منشوراتك هذه الأيام…أعتقد أنه لا يحق لك يا سيدي، أن تنقل إخفاقات جيلك، وتصوراته، ومعتقداته للأجيال الحالية، حتى لا تنتقل نحو المستقبل..التصورات الوحيدة التي يُمكن لكم نقلها للأجيال الحالية، هي تلك المرتبطة بمرحلة حرب التحرير… هذه المرحلة المنيرة قي تاريخنا… بل في تاريخ الإنسانية برمتها…على هذا الدرب أسير معك، وأقف إلى جانبك..أما في ما يتعلق بتصوراتكم لمرحلة ما بعد الاستعمار، فرجاءا سيدي أتركوها جانبا، فهي الإخفاق بعينه..ولا نريدها أبدا لأبنائنا، لأنها لا تصلح.
نريد لأبنائنا يا سيدي جزائر مغايرة، ومختلفة عن الجزائر الموجودة في تصورات جيلكم.. نريدها جزائر المواطنة.. جزائر التعددية والاختلاف..جزائر تقرأ تاريخها من القدم، وليس من بداية “الفتح العربي”… مثلما كانت تفعل في السابق… جزائر تفتخر بأجدادها الأمازيغ، وتكتشف مآثرهم، وعظمتهم…وبأسهم وشدتهم، وارتباطهم بخالق الكون كذلك …فالأمازيغ اعتقدوا بالله الواحد منذ القدم…، وتركوا الوثنية، قبل عرب الجزيرة بقرون عديدة… ورفضوا التثليث الروماني الإمبراطوري…نريد جزائر تنظر لأمازيغيتها، ولا تعادي العربية، بل تأخذ من الثقافة العربية، هذه الثقافة العظيمة بدورها، والتي صنعت مجدا، لا يمكن نكرانه، فذلك جحود لا أريده يا سيدي… نريد سيدي صيحة “نحن جزائريين..نحن جزائريين..نحن جزائريين”..ثلاث مرات، بهوية متنوعة، تقوم على التعدد والاختلاف، وعلى المواطنة. 
… مع أسمى عبارات التقدير والاحترام

 

 

 

/

 

 

 

* صحفي وروائي من الجزائر 

اترك تعليقا