المخفي/ قصة قصيرة / روابح الحاج *
بواسطة admin بتاريخ 27 يناير, 2018 في 06:55 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1181.

شمس نيسان تدغدغ سماء فجر يوم جديد هاجم مسرعا نجعنا فحرّكت إيقاع زقزقة العصافير وهي تحطّ وتطير إلى أعشاشها بأعالي أشجار الصفصاف والكاليتوس الممتدة عاليا بفناء حوشنا الفسيح .
ونحن لا نزال نتململ في كسيّ الصوف والنعاس يداعب جفوننا ولا يقطع ذلك إلا نسيم الصباح البارد وهو يلسع بعضا من أطراف أجسادنا العارية. جارا معه ريحا طيبة تعبق أعماق خياشيمنا بجوًّ تعطر باختماره بكل روائح الفيجل والشيح والنوار البري .
ويأخذنا كل ذلك إلى حلم قصير تصوغه فواصل بموسيقى ثغاء الخراف النائمة في المراح ونباح كلاب الصيد وهي تلاحق فراخ الحجل ، ولا يتحرّر فينا ذلك الكسل اللّذيذ الذي يسكننا إلا بضربات موجعة من هراوة الزّبوج التي يدلّلها والدي كثيرا بدهنها بأنواع الزيوت وزخرفتها بصفائح الفضة .
فأتطلّع من حولي بعد الضربة الرابعة و زعاق والدي إلى زوج حذائي المثقوب وما أفتأ أن أحكم وثاقه حتى يسبقني أخي التؤم إلى بيت النوال .
وأين تكدست الجرار وأكياس التمر والقمح نستند إليها ونصغي إلى صوت النار وهي تأكل حطبها من مناصب المدخنة التي تنضب عليها قهوتنا الصباحية.
تأخذ نسوة أبي وقتهن في وداع النار حتى نفطر ويتفقد أخي مزمار القصب ويضعه مع الزاد والماء بجوف “الصماط” ، وإلى حيث صرنا بعيدين عن مرمى نظر أبانا حتى خلعت عني قشابية الراعي وأخفيتها بإحكام بين مغارات الحلفاء الغائرة كما اعتدنا أن نفعل ذلك دائما .
وها أنا ذا بي أودع أخي بسخرية كما فعل معي بالأمس وتركني وحيدا مع يوم رعي شاق . فقد أتعبني تيس جدتي الذي شرد عن القطيع ونحن نرد ماء “عسيلة” .
ولأن اتفاقنا السري بمناوبة الرعي يوما بيوم محترم دفن برأسه بين كتفيه ومضى يسوقها مبتئسا .
لم يصمت ناي أخي وهو يشدّ عليه بأنفاسه على نغم صحراوي حزين بالنوتة الرقيقة فيجرّ ب “يا ياي ياي ياي ……….” من على الوهاد والوديان السهبية المفتوحة على الروابي والتلال الكثيبة ، حتى انقطعت عنه وأنا أدخل المدينة من بابها الغربي لتطل مأذنة المسجد العتيق فتعبرني أصوات ” أصبحنا وأصبح الملك لله ….” وهي تخرج من حناجر الموريدين الذين يلبسون برانيس ناصعة وهم يدسون برؤوسهم التي يهزونها بتموج ساحر من داخل قمامينهم لتتدفق تلك التسابيح والابتهالات حرة في الفضاء .
وأسرع الخطى باتجاه رائحة خبز ” القليط ” التي خطفت أمعائي وهي تنبعث من أفران بيوت الحي اليهودي .
ببيت ” عازار ” التاجر الذي تربطه بوالدي علاقات تجار متينة أين اعتدت كسر الجوع سمعت نحيبا وعويلا ورأيت ” الرّبي ” يخرج مهرولا من المعبد المجاور وهو يجرّ بجلابيبه على التراب وما فهمت ما يحدث من حولي إلى أن وصل ” مهير ” بسوالفه الطويلة التي طالما كانت تخيفني وهو رجل يشاع عليه الجنون . وفي حكايات زوجات والدي التي كن يروينها على مسامعنا أنه جاء إلى هنا كمنقب ذهب محترف يستعين بالسحر والتنجيم في عمله وقد تمكّن من الوصول إلى كنوز كثيرة بالمنطقة علّ أهمها الكنز الذي أخفاه جيوش الرومان ببطن جبل “سردون ” وقد نجح معه ذلك بعد عقد ربطه مع مالكه من الجن الذي اشترط زواجه بجنية وحين نكث عهده معه لحقه مس .
لا يزال “مهير “يردد بصوت عال “تستحق موتك ياعازار ” “عازار خائن …عازار خائن….” وما توقف حتى نهره “الرّبي” بلغتهم فصمت.
غصّ الشارع بجموع سكان الحي والفضوليين من العرب وحضر أيضا الصبية والفتيان من أترابي بعدما أعلنت مدرسة ” راؤول بوني ” الحداد هي وجميع المرافق الحكومية بأمر من الحاكم الفرنساوي كون “عازار ” شخصية مهمة فهو من بين أعضاء مجلس أعيان المدينة ممثلا للجالية اليهودية .
نحن الصبية نغتبط كثيرا لموت أحدهم حيث نلقى في ذلك متعة فائقة فنرافق نعشهم إلى المقبرة وأثناء مباشرة “الرّبي ” لطقوس الدفن الدينية حتى نسبقه قبل وضع الميت في قبره بترديد عبارة ” طاروف …طاروف …طاروف …” من خلف سور المقبرة العالي فيرجعون بميّتهم إلى “الشنوقة ” لإعادة التجهيز والزينة وكل مراسيم التشييع من جديد .
ونستمر في تلك اللعبة الغريبة طيلة يوم كامل أحيانا في كرًّ وفرًّ معهم إلى أن ينهانا الإمام أو من نهابه من الأهالي .
ولأنني كنت متأكدا من حضور والدي الذي أطل فجأة حتى تخفّيت من بين الجموع ومضيت إلى وجهة أخرى وحتى أخفي عنه كل أثر لي سلكت طريق زقاق ” البايلك ” حيث”البرديل ” وبعض المطاعم والحانات العشوائية التي يرتادها الصعاليك من الرعاة والقادمين من الضواحي .
إلا أن ذلك الصباح الباكر لم يوفر لي أية فرجة غير مشهد أحصنة “الحركى ” وهي تشقّ الزّقاق مزيّنة بسروج المحاربين وهم يحملون بنادقهم التي يوجهونها بكل الاتجاهات وكأنهم يبحثون عن خارج عن القانون كما كنا نسمع عن مهامهم .
ولشدّة خوفي من بطشهم هممت بالجري إلى ساحة البريد حيث تتوقف شاحنة “التيربي ” كل صباح لتقلّ المسافرين إلى الشمال ورغم لهاثي المتصاعد من أنفاسي المتقطعة لم أتوان بالصعود والنزول من قاطرتها مرات عديدة أمنّي النفس برحلة سفر طالما حلمت بها وبعد رحلة السفر الوهمية التي تخيلتها وقفت بين الحشود المنتظرة للحظة الإقلاع الأخيرة .
سمعت أحدهم يوصي الركاب بتقصّي أخبار أبناء المنطقة المجندين العائدين من الضفة الأخرى بعد إعلان نهاية الحرب وانتصار فرنسا في حربها على ” كرير ” .
قبالة مركز البريد كان سناك الروميات قد شرّع أبوابه للعسكر والموظّفين وقد اعتدنا نحن الفتيان أن نحتال على أولئك القادمين من المعسكر فنبتاعهم قلادات فالشو وتذكارات لا معنى لها أو نشتري لهم سجائرا أو لوزا مملحا أو بعض اللوازم الأخرى .
وقد كنا نصطاد ضحايانا من أولئك الذين يثملون كثيرا في يوم عطلتهم إلا أن النادل القوّاد لطال ما أفسد علينا بعضا من خططنا فيطردنا ، ورغم ترددي في البداية بالدخول خوفا منه إلا أن حاجتي إلى “فراك” ولما لا حتى ” دورو ” يمكّنني من قضاء يوم سياحي بكل الرفاه حفزني للدخول .
حين دخلت كانوا أربعة أحدهم أعرفه باسمه ” جاك ” عشيق الممرضة التي تحنو علينا كثيرا وتتكرّم بالحلوى و الشوكولاطة وتحدثنا كثيرا عن النبي عيسى .
يعتقد الغبي “جاك” أنّني كنت أوصل لها رسائله الغرامية ولم يكن على علم أنه بمجرد خروجي من السناك والظّفر بالإكرامية أتبوّل بحماسة على كلماته الحارقة .
تبدّد كل الخوف الذي بداخلي وبتّ متيقنا من فشل النادل في النيل مني وأنا في حضرة “جاك” العاشق وأصدقائه الذين صفّفوا من أمام طاولتهم رتلا من قنينات البيرة وهو من خلفهم يغمز لي بذكاء حتى أخفي ما يدور بيننا من أسرار .
أحدهم ظهر أنيقا باللّباس المدني الإفرنجي جذّابا في ملامحه طلب سجائر “باستوس” وأما الثاني فلم يكن ودودا معي وأظهر غضبه وامتعاضه مني ومسح المشهد ثالثهم بابتسامة عريضة وأراد لوزا وشفرة حلاقة .
عند عودتي تعمد “جاك ” استقبالي عند المدخل وأخفى ما بيده عنهم وبحذر فائق سلمني الرسالة الأخيرة كما سماها .
بعدما حسبت الدريهمات وسمعت صكصكاتها بجيبي تبوّلت على ألفاظها بنشوة ومضيت إلى “حارة الزيغم “.
بالحارة تزدهر تجارة الماشية واللحوم وتتوزع عبر أزقتها الضيقة دكاكين العطارة والقماش وصاغة المجوهرات .
يزور ساحاتها الغرباء وأحيانا الغجر الذين ينشطون حلقات للفرجة بألعابهم السحرية وحيواناتهم الغريبة كالطيور التي تتحدث والوحوش الضارية المروضة ، وتتوجه نساؤهم إلى الزوايا القصية منها أين يباع العبيد ويشنق الخارجون عن القانون لتقرأن طالع العشاق والراغبين في معرفة ما يخبئ مستقبلهم .
ولأن حضي بها كان وفيرا هذا اليوم فقد نعمت بألذّ الأطباق وتمكنت من كراء الدراجة الهوائية وتمتّعت حتى إلى ما بعد الظهيرة موعد عودة صديقنا ” المخفي ” من حقول الأفيون رفقة المزارعين الذين يستأجرهم “حييم” أثرى تجار اليهود بالمنطقة .
وقرب عين الماء التي يتفجر ماؤها لسقي البساتين المتاخمة للحارة رأيته يغتسل وحين وصلته استرسل سريعا في حديثه ظانّا منه أنه لقاني بالأمس كون الشبه بيني وبين أخي يجعل أقرب الناس إلينا يخطئ في تمييز الفارق بيننا .
وبذهول كنت أصغي إلى حديثه الذي ينساب من بين شفتيه الغليظتين هادئا معسولا ليروي تفاصيل ليلة احتفال اليهود بعيد “البخ” .
“المخفي” هذا أخفاه والده بين إخوته البنات وصاغ له قراطا ذهبيا يملأ إحدى أذنيه إلى الآن وقد ألبسه فيما مضى الفساتين تطيرا من عيون الحساد التي أصابت فراشه كلما ازدان بمولود ذكر.
ولولا حادثة الختان لما انكشف سره ، ولأن والده ” خمّاس” يسكن إحدى ضيعات “حييم ” التي يقام بها الاحتفال السنوي بعيد “البخ” يكون هو الوحيد من الأهالي من يعايش ذلك المهرجان الاحتفالي ويرى ممارسات طقوسهم الدينية مع موعد دخول كل ربيع .
ولأن نسوة اليهود اعتدنه و لا يخفين عليه أسرارهن صار الوحيد بيننا الذي يعرف كل خفايا المجتمع اليهودي.
وما شدني أكثر لحديثه عن تحضيرات ما بعد المساء الطويلة مع الخدم غير وصفه للحسناء “نجمة” وهي تتعرّى مع باقي اليافعات أمام نافورة الماء الرخامية ليبادرن ببخ ورشق أجسادهن العارية برذاذ الماء البارد على مرأى ومسمع رجالهن المنهمكين في السكر والمجون المترف .
ظل منبهرا مشدودا لغجنها الأنثوي الفتاك ،فتنه شعرها القمحي المنسدل إلى حافة أردافها الناعمتين واتساع صدرها وانتفاخ ثديها وتكور حلماتها وبروزهما باحمرار وردي أكثر من العام المنصرم ويشهق ويتوقف عن الحديث قليلا وهو يندب حظه السيئ حين كشفت والدته كل الخبث الذي يقوم به .
ليواصل حديثه عن ضيف لم يره من قبل واستغرب اهتمامهم الزائد بهذا الغريب وقد رآه أثناء تنكره بوضعه لقناع غزال المها البري ليغطي كامل وجهه ويلحق بالمتنكرين الآخرين من النساء والرجال الذين دخلوا المسبح عراة .
ليظفر في الحلكة الأولى بعناق ومداعبة “نجمة” المتخفية بقناع لصورة حواء .
ليقتادها إلى ساقية أخرى حيث تخفيا طويلا تحت نباتات مسك الليل التي ارتجفت أغصانها لكثرة الحراك الذي دار بينهما .
وما إن حان توقيت عشائهم يواصل “المخفي” حديثه حتى استعادوا مواقعهم على الكراسي بانتظام .
بحمد “الرّبي” وخطابه الديني المعتاد رحب فيه بالجميع وحضى فيه الضيف الغريب بتحية خاصة والذي لم يتركه ليتم مواعظه الدينية حتى افتك منه الخطاب .
وبحماسة فائقة أمر كل الحاضرين بضرورة جمع الأموال والتبرعات لأن موعد عودتهم لأرضهم الموعودة قد حان وأن ذلك يتطلب أموالا كثيرة وقد مدح مطولا المجنون “مهير” الذي جلس إلى جواره بملابس لائقة وبمظهر العاقل على الأموال والهبات التي تبرع بها بسخاء كبير .
ويقول ” المخفي” الذي يفهم لغتهم أنه تلصص إلى أحاديث كثيرة وأخرى سرية وبوجه أخص ذلك الحوار الذي جمع بين الضيف وزوجة “عازار” الذي تغيب عن الحفل ولأول مرة .
وبحسب ما فهمه أنه أمرها بدس سم قاتل الليلة وأنه لن يغادر المدينة صباحا إلا و”عازار” في قبره .
أخلط “المخفي” بحديثه الطويل كل ما برأسي ولم أشعر حتى باغتتني شمس نيسان وهي تتدحرج رويدا رويدا إلى الأسفل لتخنق اللحظات الأخيرة للمساء ، فأقفلت راجعا إلى حيث مكان لقائي بأخي بعد كل مغامرة هروب عن الرعي .
بطريقي عرجت على حانوت الزينة لشراء الشموع والبخور كما جرت العادة كلما كانت غنائمي كثيرة .
بضريح الولي الصالح سيدي امحمد بن صالح “بوحريقة” أشعلت شموعا وأحرقت بخورا ، وإلى جوار قبر والدتي احتضر ذلك النهار عن آخره ولم يبق لي غير مغادرة المدينة .
وإلى حيث صلى الأمير عبد القادر وأم أهل المنطقة ودعا لهم بالخير كان موقع تقاطعي بأخي حسب الاتفاق المسبق.
وأنا بانتظاره من عودته من الفيافي والمراعي البعيدة أسندت بكل طولي من عناء السير إلى عمود اللوحة الدليل التي كتبت عباراتها باللغة الفرنسية ” زنينة ترحب بكم ” .
وما هي إلا لحظات حتى اندفعت مع الريح أنغام الناي وأخي يكاد يظهر من بعيد يسوق قطيعنا.
حين وصلني بدا سعيدا بحبات الكمأ التي جناها وأكله لحصتي من الطعام ، ومضينا نسوقها إلى مضاربنا بعدما اقتلعنا فزاعات من حقول الأفيون خلعنا عنها ملابسها الرثة ووجوهها المخيفة ورحنا ندلي بقصبها عنان السماء نلاحق أسراب الخفافيش ونحن نلبس قشاشيبنا فنلوح بها عاليا ونحن نغني لها ” بوجليدة هاك وحيدة ولا نعطيها للزّاوش ” فنغريها حتى تقع بفخ القصبة .
إلى أن أطلت جدتي برفقة رجل غريب عرفنا فيما بعد أنه عمنا العائد من حروب فرنسا

 


إحالات 
كرير : الاسم المتداول لهتلر بين سكان المنطقة 
الشنوقة : مغسلة الأموات اليهودية 
الأغنية الأخيرة من الفلكلور الشعبي

 

 

 

* قاص من الجزائر 

 

 

 

اترك تعليقا