فرناند بروديل ..هذا الكولونيالي مُزيفُ التاريخ / حميد عبد القادر*
بواسطة admin بتاريخ 11 فبراير, 2018 في 10:16 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1082.

ملكتني، هذه الأيام، رغبة مُلحةً، دؤوبة، للبحث في تاريخ منطقة المتوسط، فساقتني إلى المؤرخ الفرنسي “فرناند بروديل”. حاولت معرفة الدور الذي لعبه “الأمازيغ”، في صقل حضارة المتوسط. فقرأتُ كتابه “ذاكرات المتوسط”(1998). كنت أظن أنني سأجد كلاما كثيرا عن “الأمازيغ”، بيد أنني، رجعتُ من القراءة خائبا، ولم أعثر على أي شيء يُذكر، مما كنت أبحثُ عنه. وجدت إغفالا كاملا لما يمكن تسميته “دور الأمازيغ في حضارة المتوسط”. استغربتُ الأمر، واستعجبتُه. وبقيت مٌندهشا. فأخذت أبحث عن الأسباب التي جعلت “بروديل” يغظ الطرف عن هذا الدور، ولا يذكر أن للأمازيغ دورا حضاريا. بقي السؤال يُلح علي، ويُصرُ، إلى أن عثرتُ على دراسة بعنوان “فرناند بروديل والجغرافية الجزائرية..في منابع الكولونيالية للتاريخ الساكن لحوض المتوسط”، للباحثة بجامعة “بوردو” الفرنسية الأستاذة “فلورنس ديبريست”، التي أثارت انتباهي لما أوردت في دراستها المذكورة، أن “بروديل” قضى عشر سنوات في الجزائر بين 1923 و 1932 ، فتحدثت عن علاقته بالدراسات الاستعمارية التي كانت منتشرة في “جامعة الجزائر”، وتناولت التأثيرات التي مارسها عليه أساتذة المدرسة التاريخية الاستعمارية الذين شوهوا تاريخ الجزائر لأغراض كولونيالية، أمثال “ستيفان غزيل”، و “ايميل فيليكس غوتييه”. وقد كان “غوتييه، باعتباره زعيما للدراسات الكولونيالية في جامعة الجزائر، مُلهما حقيقيا لـ “بروديل” الشاب. وتجلى ذلك، حينما كتب عن فكرة “التاريخ والوسط الطبيعي”، حيث اعترف بتأثير “غوتييه” عليه، وفق ما جاء في دراسة “ديبريست”، التي أضافت أن “بروديل” راح يدافع عن أستاذه، وعن أطروحات الكولونيالية، حتى في خضم المراجعات الكبيرة التي كان يقوم بها “ايف لاكوست” الذي تحلى بالروح العلمية، لدحض أطروحات المؤرخين الكولونياليين. فكان (بروديل) بحق من أنصار “المهمة الحضارية للاستعمار الفرنسي في الجزائر”، فارتبطت أعماله بالحقل الأكاديمي الاستعماري، مما يطرح سؤال التأثيرات السياسية على أعماله.

وذكرت “ديبريست”، أن أواصر الصداقة، توطدت بين “بروديل”، وأستاذه “غوتييه”، فكان يبدي إعجابه بهؤلاء المؤرخين الكولونياليين، وكان يساهم بمقالات (كولونيالية) في “المجلة الإفريقية”، وهي مجلة استعمارية استعملتها السلطات الاستعمارية للتحضير للاحتفال بالذكرى المئوية الأولى للاستعمار سنة 1930.

هذه العلاقة بين بروديل” والمؤرخين الكولونياليين، قادتني إلى معرفة الأسباب الحقيقية لعدم تطرقه لأي دور للأمازيغ في حضارة المتوسط. ولكي تتضح الصورة أكثر، يجب تقديم الفكرة العامة لكتاب “ذاكرات المتوسط”. يعتقد بروديل” أن شمال إفريقيا، أو الضفة الجنوبية الغربية للمتوسط، هي أرض “الكولونياليات المتتالية”، فركز على بدايات الاستعمار، مع “الفينيقيين” في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، كأول استعمار يحل بشمال إفريقيا، في الفصل الثاني من كتابه . وأكثر من هذا، لم يتطرق بشكل وافي للحضارة “البونيقية” التي تكونت بعد امتزاج الفينيقيين بالأمازيغ على مدى عشرة قرون، بقدر ما ركز على دور الفينيقيين كقوة استعمارية “حملت الحضارة للأمازيغ حسب اعتقاده، كما حملها الرومان، ثم الفرنسيين لاحقا. وعليه، نفهم أن الروح الكولونيالية لدى “بروديل”، والتي أخذها من أساتذته بجامعة الجزائر، جعلته يروج للاستعمار، وللغزاة على حساب دور “السكان الأصليين” لشمال إفريقيا. فيظهر لنا في كتابه المذكور، أن “الأهالي” في شمال إفريقيا غير موجودين، وهم شعوب متخلفة، غير متحضرة (تماما مثلما لا يوجد “العربي” في رواية “الغريب” لألبير كامي”) وليس لهم أي دور حضاري وتاريخي، وكل ما يوجد هو “كولونياليات” متتالية.

وأكثر من هذا، نجد أن الفكرة التي يدافع عنها بعض من أشباه “الأكاديميين” عندنا هذه الأيام، حيث يرجعون “أصل شمال إفريقيا إلى العنصر الفينيقي”، ليست في النهاية سوى فكرة مأخوذة من أطروحات “بروديل” الاستعمارية، القريبة أطروحات أخرى فرنسية لا تقل كولونيالية مما نجده في مؤلفات “بروديل”، وبالأخص الكتاب المذكور، والتي تفضل الغزاة على السكان الأصليين لشمال إفريقيا. وينشر هؤلاء على صفحاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، مراجع فرنسية كولونيالية، لخدمة أوهامهم، بدون تمحيص ولا تدقيق، فيروجون للأكاذيب الكولونيالية، وقد أخرجوها من الأرشيف البالي، ضاربين عرض الحائط البحث العلمي الأكاديمي الذي يتخلص من الأيديولوجية، ويتركها جانبا، ولا يول أي اعتبار سوى للعلم. فمتى كانت الوثيقة التاريخية في البحث الأكاديمي، وثيقة يُؤخذ بها، بعينين مُغمضتين، بلا تدقيق؟ وتُأخذ هكذا بطريقة “النسخ واللصق”. لقد تحولت كل المراجع التاريخية التي كتبها المؤرخين الفرنسيين الكولونياليين بعد الغزو، لدى هؤلاء، إلى مراجع تاريخية أصبح يُؤخذ بها، رغم أن الغرض الذي وجدت من أجله، هو غرض استعماري، جاء لتدمير الشخصية الوطنية الجزائرية، وتدمير تاريخها، عبر نشر أفكار مغرضة، مفادها بأن أرض شمال إفريقيا هي أرض “استعمارات” متتالية، كما أسلفنا.

إن الذين يروجون لهذه المراجع الاستعمارية، التي تقلل من شأن سكان شمال إفريقيا، وقد أخرجوها من الأرشيف الفرنسي، تنطبق عليهم تسمية ذيول الكولونيالية الفكرية في الجزائر، وهم أصحاب نوايا مبيتة، وخبيثة. فلو لم يكن لهؤلاء مثل هذه النوايا السيئة، فإن الحديث عن البعد “البونيقي”، كان سيكون أكثر أهمية من الحديث عن البعد “الفينيقي”، من منطلق أن الفينيقيين، وقد حطوا الرحال بشمال إفريقيا امتزجوا بالأمازيغ، وأوجدوا حضارة تسمى الحضارة “البونيقية” العظيمة، ولغة خليط وهجين بين الأمازيغية والفينيقية، اسمها اللغة البونيقية، بمعنى أن الأخذ بروح التزاوج والتعايش الحضاري بين الفينيقيين والأمازيغ، أفيدُ لنا من الأخذ بالبعد الفينيقي لوحده، مثلما فعل “فرناند بروديل”، لكن الاستعمار، والروح الاستعمارية المتجددة والمتعالية، هي دائما هكذا، لا تعترف بالتزاوج الحضاري، بل بتفوق عرق على أخر.

/

* روائي من الجزائر 

اترك تعليقا