فندق النجمة الكئيبة /قصة قصيرة / روابح الحاج *
بواسطة admin بتاريخ 3 مارس, 2018 في 12:24 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1160.

لم تشر ساعته إلى توقيت مغادرته الاعتياديّة من مكان عمله إلاّ أنّه ينوي اليوم الخروج مبكرا من مكتبه كما حدث ذلك في مرّات اضطرارية قليلة جدا من مسيرته المهنية الطويلة.

فهو يحترم مواقيت الالتحاق والانصراف بانضباط عسكري تام برتبة مسؤول سام باحدى الفروع الجهوية لشركة مقاولات عملاقة تختص في بناء العمارات السكنية يشرف على تسيّيرها بحزم وصرامة رجال الأعمال الناجحين .

همّ بالخروج بعد أن نوى ترك خطّة عمل اليوم مؤجلة إلى موعد لاحق وقرّر ترك الملفات العالقة حبيسة الأدراج وهي تتطلّب منه معالجة فوريّة ودقيقة ينهيها بتأشيرة القبول من ختمه .

هزّت أركان تفكيره مكالمة هاتفية غير متوقعة اعتقلت كل أفكاره وردت إلى مسامعه بتوقيت الثامنة وخمس دقائق من ذلك الصباح ، وقد جاءته بصوت ناعم لأنثى فارقها ذات خيبة عاطفية قديمة .

ظهرت عليه نوبات قلق وشرود أربكت كل إحساسه بالاطمئنان داخل هذه الحجرة المغلقة التي عجز بداخلها وهو يذرع مساحتها طولا وعرضا بخطوات الحائر في تفسير ما يحدث من حول مردّدا عباراتها الرنانة لأكثر من مرة .

أغدا ألقاك ؟

يقلّد صوتها الرّخيم الذي يميّزه من بين نبرات أصوات نساء الأرض والذي عبر طبلة أذنه كصاروخ عابر للقارّات برؤوس نووية دمّرت كل تخميناته في حل شفرة اتصالها الذي انتظره لأزيد من خمسة عشر سنة .

و لأنه لا يعاود الاتصال بها اكتفى بمآنسة صوته الأجش وتصفّح شاشة هاتفه التي أعياها بطلات متكرّرة مرتبكة من يقين اسمها المخزّن بأحرف عربية على ذاكرة البطاقة “سيم 1″ باسمها الحركي ” الامازيغية المتوحشة ” .

وأخيرا اطمأن على أن ما يحدث ليس من سيل هذيانه المتوحد الذي يجرفه كلما عاودت استحضارها المتسلّط واستسلم دو أدنى شك يساوره أن الصوت الذي سمعه نابع من بئر حنجرتها العذب وفسّر العبارة اللّغز على أن أمرا طارئا سيغير من حركة دفة زورق حياتهما الذي أبقياه راسيا على شطآن ذاكرتهما وأنه سيتحرك غدا مع رياح  الحياة بما تشتهيه أمواج  الحب .

يكون قد حصل على رقمها المخزّن من مدة طويلة  بمساعدة رفيقة حب عابرة تعمل بمصالح التأمين على الأشخاص والممتلكات كان قد تعرف عليها بعد إبرام صفقات تأمين العمال التابعين لشركته لتتحوّل العلاقات الرسمية بينهما إلى علاقات غرامية مستعرة غير مؤمنة من حرائق لهيب الأجساد .

ففي ذات ممارسة عاطفية مجترة بينهما جمعتهما “بفندق النجمة الكئيبة ” حين ضمّهما فراش لسرير أسطوري حمل ذكريات ثلاث أجيال من الحب المعطوب .

وبغرفة الطابق العلوي الوحيدة التي يطل جزء من سطحها المتهاوي إلى قمر وعدة نجوم والطبيعة في حالة صفاء تام في ليلتهما الخرافية فتصارحا في تلك الشاعرية المفرطة والأشد رومنسية في تاريخهما الغرامي .

ليتحدّثا بصدق خالص عن حيواتهم السرية بدرجة فائقة من المصارحات وكمن أصابهما الطاعون استسلما معا لسكرات عذابه في خدر قاتل ليفتحا معا مقابر أسرارهم الدفينة فتعرّفت من حكاياته العفوية على لطمة الحب العذري التي أصابته كصاعقة قدر مدمّرة لا ترحم فتمكنت من التعرف على عشيقته غريمتها اللدود بالمرحلة الابتدائية .

فواصلت تحدثه عنها في حوادث بالمصادفات  وأخرى سقطت بأذنها في أحاديث النساء لاسيما حادثة الاغتصاب الجماعي التي تعرضت لها بمخفر الدرك الوطني سنوات الربيع الامازيغي الأسود والتي سردتها بحياد من وجهة نظرها التي استقت منها الأخبار المتضاربة فبقيت الحادثة في تصورها تراوح مكانها بين الإشاعة والتصديق .

إلى زواجها من قريبها العجوز عاشق السيارات وألعاب السياسة الكبيرة في قصة متسارعة وغريبة بقيت من أسرار عائلتهم الكبيرة .

هي تقول أن وفائها في التعامل مع شركة التأمين التي تعمل بها ظلت قائمة لمدة طويلة ولطالما وثّقت معلومات خاصة بها ببطاقة الزبون الامتيازي كما حرست هي على أن تكون زبونا مواظبا على إبقاء التعاقد بيني وبينها ساري المفعول مدة عملها هناك .

ومع امتلاكها لأية سيارة من ماركة جديدة كان يكفيها مجرد الاتصال بها من هاتفها الخلوي برقمها الشخصي لتسويّة كل وثائق التأمين .

لم تكن صديقته بتلك الدرجة من الأنانية النسائية في امتلاك الرجال وهي تحدثه عنها ولم تمانع في إهدائه رقم هاتف حبيبته وهي خالية تماما من كل غرائز الغيرة.

وكافح هو في تلك الليلة بكل أسلحته الذكورية على مرآى قمر عار ومبتسم ونجوم تصفق من قبة سماء زاهية حتى أرضى كل شبقها الجنسي إلى أن ارتوى كل العطش بينهما .

وكقرار نهائي أفلت من قبضة جحيم شياطين أفكاره وتصرّف كرجل عاقل فتناول معطفه الشتوي من على المشجب الخشبي المنتصب إلى جوار كرسيه الدوار وأسدل به على ظهر بقايا جسد نحيف وقامة شامخة بملامح كهل هش بدا في السابعة والأربعين من عمره مرددا عبارة “أغدا ألقاك ” بلكنة “جلفاوية ” شنق فيها حرف الغين بحبل قاف جوهري  على واجهة مرآة مثبتة إلى الجدار قبالة باب الخروج الفخم . و باستهزاء عارم وكبرياء عظيم شد ربطة عنقه الكلاسيكية وعدّل استقامتها وهو على ثقة تامّة على أنها وقعت بشراك فخ مصيدة الاحتيال العاطفي التي بدأ طعمها من على بلاتوه التلفزة الحكومية في استضافته البارحة على موعد مباشر عبر الأقمار الاصطناعية لنشرة الثامنة التي تابعها بشغف سكان الأحياء الفوضوية والموظفين الذين ينفقون مرتباتهم على كراء بيوت من غرفة نوم ومطبخ في معلبات العمارات الناتئة كالفطريات البرية على حواف المدينة الجديدة لولاية “بجاية ” .

تحدث كمسؤول رسمي بعبارات مقنعة للمشاهدين في وقت قياسي لم يتجاوز زمنه الخمس دقائق طمأن فيه كل متعاقدي السكن الذين تربطهم بهم عقود ملكية رسمية وسددوا وصولات أقساط استلمت منها الشركة دفعتها الأخيرة كما أبدى التزام مؤسسته بتسليم مفاتيح الشقق بموعدها المحدد .

كشف أيضا عن الموقع الالكتروني الجديد الذي خصص للتكفل بانشغالاتهم وقد قفزت إليه فكرة نصب الفخ في اللحظات الأخيرة من أنفاس المقابلة فأفصح عن رقم هاتفه الذي نذره كإثبات حي بحسن نية مسؤول من جيل الاستقلال يؤمن بالشفافية ويمقت البيروقراطية فظهر الرقم على شريط وامض أسفل الشاشات المشرعة في البيوت لمشاهدته وقد كان ذلك بنية مبطنة منه لتأكده على أنها تتابع موعد الثامنة رفقة العجوز الذي يخلص لهذا الموعد الإخباري .

حان توقيت خروجه من مكتبه بعدما بات على إيمان قطعي بخداعه للحب بعيدا على الاتكال على نية صدفة العاشق.

آلاف المكالمات أنهكت رنات هاتفه لم يعرها أي اهتمام ولم يرد على أي منها إلا واحدة قبل مكالمة الثامنة وخمس دقائق تمكّن فيها من إقناع صاحبها على تسوية ملفه حالا .

انزلق مسرعا من رواق الإدارة المكدسة بالموظفين العالقين في هموم الحياة اليومية وحتى ملهمته صاحبة العطر الصباحي الفواح لم يرها بتلك الحماسة الأنثوية التي ألفها.حين كان يعبر مكتبها الأخير من الإدارة لم يبادلها أية تحية كما اعتاد وتركها حبيسة عينيه وهي تمثل دورها المعتاد في سكب الماء على أصص زهرة اللوتس المنزلية المعذبة بين جدران مكتبها وسذاجة الشاب الذي يشاركها بخيالاته الشاذة وهو يرقب حركاتها ” الايروبيكية ” طيلة دوامهما معا أثناء تنقلها بين البلاطات .

هاهي تقف أمامه لتعيد شد أزرار قميصها وتعيد انتظام جسدها العائد من زلازل الإغراء الفاحش.

وقد كانت الساعة المعلقة بقاعة الانتظار أين انتشرت طوابير المواطنين من أمام شبابيك الانتظار تشير إلى تمام الساعة الثانية بعد الزوال لأحد أيام شتاء حاقد على المدينة.

لم يكن يتوقع وصول صديق قديم من أيام الجامعة والذي هاجر إلى أمريكا بعد حصوله على عقد عمل محترم وبأحضان شوق رهيبة ارتميا على بعض في عناق طويل على بعد خطوة من  حراس الأمن المرابطين  أمام مدخل الإدارة .

لم يكن صديقه على استعداد لشرب فنجان قهوة فقد سئم طيلة يومين قضاهما بمدينته “أقبو ” التي زارها لموعد احتفالي عائلي بمراسيم رسمية تهيمن عليها طقوس الالتزام في المأكل والمشرب وحتى الكلام تحت السلطة الاجتماعية التي يفرضها مجلس ” تاجماعت ” الصارمة في الحفاظ على العادات والتقاليد القبائلية مما جعله يشعر بقيود أفقدته طعم الزيارة .

جاءه تواقا لاسترجاع الذكريات الحميمية معه التي ظلت متّقدة طيلة سنواته بالمهجر ، صديقه لم يشعر به حين أدار بمفتاح سيارته التي كانت تسير لوحدها باتجاه الواجهة البحرية الشرقية وقد اشترط عليه أن يعرجا أولا للحجز ب ” فندق النجمة الكئيبة ” وبرغم إلحاح المضيف بالإقامة معه بأوتيل ” الحماديين ” الذي يستأجر به سويت فاخر .

إلا أن المغترب لم يكن بتوقيت كاف لشرح كل خططه فأدار بسيارته في حركة انسيابية باتجاه الفندق .

على كونتوار الاستقبال وجدا ” الدا حسين ” مترنحا في كسله اللذيذ يغطي رأسه بقبعة الكوبولا الصقلية ويشد بحمالات السراويل سرواله الفضفاض إلى ظهره مشكلا حرف اكس اللاتيني مشوها ، وهو يعض بشواربه على غليونه الخزفي قد ظهر لهما أنه شاخ ثلاث مرات إضافية عن العمر الذي تركاه عليه ، ومن خلف زجاج نظارته الطبية الغليظة بحلق فيهما بعيني قرصان ليتفحصهما جيدا إلا أن أعطاب الذاكرة التي أصابته لم تمكنه من الحديث بلهفة معهما كما اعتادا منه وخاصة ثرثرته في التعبير عن فرحه لوصف بائعات الهوى اللواتي حجزن غرفه ، وحتى فمه صار مقفرا كغار أفعى ينزلق منه لسان أسود تتأرجح على سنة أخيرة بفكه العلوي تنخرها سوسة وتعلق بها بقايا أطعمة غداء ذلك اليوم.

تعلثم كثيرا في خطابه المقتضب معهما وبعناء جهد منه سلمهما مفتاح غرفة الطابق العلوي .لاحظا غياب زوجته البوسنية وقططها الكثيرة والتي كانت تشرف على تسيير مطعم الفندق الذي رأياه مهجورا تخيم فيه أشباح أصوات أغانيها الريفية باللغة ” السلافية” التي لم يكن يعيها أحد من النزلاء .

وقد فضلت البقاء مع ” الدا حسين ” بالغرفة رقم 01 رغم انتهاء الحرب على بلادها إلا أن تلك الغرفة ظهرت لهما كئيبة خالية من رائحة أي امرأة .

وهما يصعدان السلم الخشبي متلذذان بصلصلة سلاسله الموحشة والتي حسمت كل توقعاتهم في وجود أي نزلاء سواهما وما إن أدار أحدهما مفتاح قفل الباب حتى جاء صريره وهو يتدحرج إلى الخلف كغناء الأمهات التي تناغي صغارهن وهن يشرعن بأثدائهن الدارة للحليب .

بالفراش تمددا على قطع إسفنج السرير الأسطوري كسائحين متمرسين تناقشا في رزنامة قضاء يوم حالم وليلة شاعرية على وقع أصوات قرقعة أنخاب كاسات الحانات من مدينة “سوق الاثنين” إلى شواطئ “تيشي ” مرورا ب “أوقاص ” موطن القراصنة المخفيين .

وحين وصلا حانة “عمي عمار” لاحظا انتزاع العبارة التجارية الشهيرة التي تزين واجهة المكان ” عند عمي عمار تنح القش والدمار ” تفاجآ بفتور المكان على غير العادة ومدينة غارقة في أوحال الطريق الوطني الأصعب في تاريخ وزارة الأشغال العمومية فنفق “خراطة” ذي الخمس كيلومترات لا يزال عائقا كبيرا يعزل باختناقه المروري الممل كل المسافرين والحركة التجارية من ولاية “سطيف” إلى ولاية “بجاية “.

حتى شاطئ الرمال العذري لم يحرك فيهما أي نفس متجدد بعد استيلاء مستثمر عقاري على جزء كبير من الواجهة التي انتصبت عليها هياكل حديدية لجراد الجرافات التي تزيل ركام الشاليهات مأوى الصيادين الذين يشغلونها شتاء لوضع شباكهم وزوارقهم الصغيرة ، وبقيت بالواجهة المتبقية من روح المكان نزل          ” بوعشرين ” و”بوقندول” و” بوشوشة” صامدة لمواجهة سيل المنحرفين الذين تصعب مقاومتهم .

حينها استخلصا إلى قرار توجههما إلى ” أوقاص” وحين يدركانها يقررا إما التوجه إلى الحانات الشعبية التي تغنى فيها الدراما الامازيغية  بأصوات الفلاحين الذين  جاءوا لبيع زيت الزيتون والتين المجفف من المداشر   وهم يعزفون على أوتار آلة                   ” البانشو ” الحزينة  أو التوجه إلى” فندق الرمال الذهبية ” للقاء صديقة قديمة وفدت إلى هنا من الغرب الجزائري وهما يوقنان أنها تقف الآن على كونتوار حانته الذي يصطف من أمامه المحاربون القدامى والوطنيون النزهاء وثلة من نخب أساتذة جامعة  الشهيد “عبد الرحمان ميرة “.

بفندق ” الرمال الذهبية ” تحدثا في جلسة خمرية مطولا مع الصديقة القديمة التي اعتزلت حياة البغاء وهي تعيش على كرامات المناضلين المخلصين الذين عبروا جسدها مكتفية بذهنيتها الايطالية أن الحياة تعاش مرة واحدة وأفضت لهما بسر هجرتها السرية إلى أوربا عبر زوارق الموت قريبا لأن الحياة صارت لا تطاق هنا كما كانت تقول.

وتهكمت من الضابطة السامية للأمن الوطني التي أفسدت حياتهن بسبب عاهرة سرقت منها زوجها فألبت الرأي العم النسوي القبائلي مما جعل الرئيس في أيام عز صحته أن يقلّدها أعلى منصب أمني بمديرية أمن “بجاية ” يخوّل لها مهمة تطهير الساحل من شبكات الدعارة فشمعت أوتيلات ” تيشي” التى عاشت حرائق مهولة في انتفاضات شعبية  متواصلة شعارها ” فلترحل عنا العاهرات ” .

في طريق عودتهما وأغاني “أحياتن ” تتسرب إلى مسامعهما ظل المغترب متوجسا من مستقبل مدينته الجيولوجي وخاصة بعد نشريات الرعب الأخيرة لمرصد رصد الزلازل والكوارث لعالم الفلك الأستاذ ” بوناطيرو ” التي تنبأ فيها بحدوث تسونامي مدمر قريب سيخفي كل أثر لمدينة ” افقايث” وضواحيها من على وجه الأرض .

إلا أن المضيف رد عليه بضحكات عالية أن التسونامي الكبير الذي سيبتلع كل الوطن هو حالة مرض الرئيس الطويلة وفتحا موضوع ترسيم اللغة الامازيغية ونوّه المغترب بالمكاسب والانتصارات الأخيرة للهوية الامازيغية كما رآها هو مجرد لغط سياسي وسجال إعلامي عقيم  .

استرخيا أخيرا على فراشهما المشترك على السرير الأسطوري وتسامرا كثيرا في أحاديث مطولة أنست صاحبنا حبه الكبير .

أفسدت عليهما الإمطار الغزيرة المنهمرة من السطح الهاوي متعة السمع لمتابعة دور أحدهما في تجفيف برك الماء التي تشكلت بالغرفة كما خيبت الغيوم المتراكمة على قبة السماء ظنهما ، لم يشعرا في خضم شوقهما بتوقف الأمطار عن السيلان  وانسحاب السحب لتطل عليهما نجمة “سهيل ” أخت الأرض وحيدة في زينتها بتلألئ كامل .

فاسترجعا بحماس ذكريات عودتهما من المواخير والكباريهات وهما في حالة من الذل والندم وقد اصطلحا ذات ليلة جمعتهما بالغرفة كرجلين أفلسا تماما بسبب الحياة العبثية فراحا يرددان قصائد “للحلاج” و” ابن الفارض” بصوت سيد المداح”التقشندي” ويتجادلان في أصل الكون شعرة أم قصبة وهما في رحلة طويلة لما قرآه في كتب قديمة “لابن عربي “  والتي جرتهما إلى ثوب التوبة ويقينية رحيل الجسد وهيام الروح بشقاء أو راحة حتى تعبا فأشفقا على حالهما في بكاء بريء ساق النجمة للتحالف معهما فرأياها حزينة فاقدة لشراهة السيطرة على السماء .

وفي صباح ذلك اليم الحزين من حياتهما العربدية اصطلحا على تسمية المكان ب “فندق النجمة الكئيبة ” .

مجرد غفوة خفيفة داهمتهما مع الصباح الباكر ليستيقظا بقوة ثور اسباني غير مروض وجدا “الدا حسين” يغط في نوم عميق ساندا بمرفقيه إلى ذلك الكونتوار البائس تركا له مالا كثيرا ولم يهجعا غفوته ومضى كل في طريق معاكس بلا نهايات الوداع الحزينة .

فتح هاتفه الذي أغلقه احتراما لضيافة  صاحبه المغترب كانت ساعته تشير إلى السابعة وتسعة دقائق صباحا على مقهى يعزف منفردا بعيدا عن الشوارع الرئيسية و هو يجلس إلى قهوته فقفزت رنة من هاتفه باسم مخزن أيضا باللغة الفرنسية لاسم حركي ” الحوت الأزرق ” ردّ على مدير عمله الذي يهاتفه من العاصمة بفتور ليتابع معه مجريات روتين العمل إلى أن أطلعه على أمر أقلقه حيث أن تسليم الشقق لن يكون في الموعد الذي صرح به وأغلق عليه .

“أساماس” الثامنة وخمس دقائق الذي وصله بمكتبه أسقط كل وساوسه فقضى يوما عاديا بعمله إلا أنه أعاد قراءة الرسالة الهاتفية العنيفة التي أرسلتها له .” لا خوف اليوم ألقاك بطريق القردة أيها البشع مساء “

رآها من بعيد وهو متنكّر بلباس رياضي منحدرا مع منعرجات جبال “زقواط” الظليلة .

وجدها امرأة لا سن لها تتوهج كشعلة أولمبية متقدة تنتعل سندال سندريلا المثبت بقفل فراشة من الكريستال المصفى يمتد إلى أعلى كعبها ويعلو ساقيها الرقيقتين جوارب شفافة بلون الكريمة الداكنة مزيّنة بشراشف جانبية من الدّانتيل الأبيض مطرزة بأزهار وردية فاتحة من الحرير الخالص و تنزل من نقطة خصرها الأولى إلى حافة ركبتيها تنّورة من القطيفة الحمراء تتقاطع في خيوط رفيعة مذهبة مشكلة مربعات صغيرة وهي مصففة على ثلاث تموجات ككورديون راعي من الغجر من بوهيما وقد ملأت خصرها الرّهيف بحزام جلدي عريض أسود ولمّاع بنهاية قفل على شكل بلبل من البرونز المشع أما نصف الجسد الثاني فقد نام في دفء استوائي وفرته طبيعة معطف كشميري بلون أزرق سماوي ينتهي إلى أعلى رقبتها بلحاف من ذيول الثعالب البرية بتدل في تقاطع  فني ينتهي بمساحة صدرها الواقف كأجراس المدن العتيقة .

وهي ترى العالم من حولها بنظارات شمسية لسيدة محترمة والريح لا ترحم  فيها ذلك الوقار فتعبث أصابع الهواء العليل بخصلات شعرها الأصفر في نغم هادئ لا يتحسسه إلا الشعراء .

وهي بوجه صامد في مواجهة قبح القردة ولا تكاد تبتسم من حركاتها البهلوانية فيفضحها أحمر شفاهها الذي يغري الرجال المنحرفين في غواية النساء، وإلى جوارها عجوز أبله على كرسي صحي بمرفقين للدفع وعجلات للسير وهو غارق في تأملات غريبة بنصف جسد مترهل كفقمة قطبية مسنة .

ومن حولهم سياح محليين أغلبهم من الأزواج التقليديين برفقة صخب أطفالهم وهم يلتقطون صورا كاذبة للاستهلاك الاجتماعي فأغلبهم جاء إلى هنا لفض خصامات منزلية ناجمة عن ضغط الحياة اليومية .

كل من يعبرها يجزم أنها سيدة أرملة برفقة جدها العجوز العائد من أسفار بعيدة أو حروب خاسرة كي يلقى موتا كريما .

وكأفلام السينما الصامتة قضيا وقتا وجيزا بحذر فائق من الفضوليين وصائدي أخبار الفضائح الاجتماعية ساعدها في وضع العجوز على كرسي سيارتها الأمامي ، سمع صوتها على المباشر واستلم منها رسالة ورقية طواها بشغف كمن يحصل على رواية مشوقة .

استمرت بينهما مبادلات بريدية كثيرة في تجنب صارخ منهما لكل وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي الحديثة لإضفاء المتعة والتشويق على طريقة” غسان وغادة ” من لحظة اعترافهما الأولى إلى فراقهما الغامض .

مدة شهر تبادلا فيها عدة رسائل عرضا فيها ذكريات الحب الأولى أيام مجيئه مع عائلته المهاجرة من مدينة “الادريسية ” الواقعة بوسط الجزائر العميقة في بدايات تسعينات القرن الماضي .

محطات كثيرة من اللقاءات البريئة والرحلات المدرسية الجميلة لاسيما رحلتهما إلى فرنسا مع طلبة الجامعة المتفوقين في رحلة على البحر شقتها سفينة “طارق بن زياد ” التي حملت أحلامهما إلى عاصمة الجن والملائكة والتي لم يجدها كما كان يتصور ، مدينة يتيمة بلا بحر يبذل فيها السياح جهدا إضافيا لأكل سمكة صغيرة لا تكفي لإطعام قنفد صغير عائد من سبات شتوي ، وطاقم من الخدم يكثر من وضع السكاكين والشوكات بحركات “الايتيكات” المبالغ فيها بهز الرؤوس والابتسامات التجارية الكاذبة.

فقط أعجبته جادة ” سان دو جوني ” التي تجوبها الغواني المقننات وبطولات” فحولة ” المهاجرين الجزائريين في ممارسات الحب السريعة ، نبش أيضا حادثته الغبية معها والتي اقتبسها من فيلم ” آخر تانغو بباريس” حين أذابت شمس أغسطس الزبدة بجيب سرواله ففشلت كل محاولاته الجنسية الشاذة في ضحكاتها من حمقه .

ذكرها بقفلهما الغريب الذي ربطه بجسر “السان ” والذي اختاره من أقفال الدراجات حتى يبقى تذكارا مميزا وألقيا بمفتاحه إلى قاع النهر بدموع حزينة لرحيل الملكة “ديانا ” وعشيقها “دودي ” في حادثة مرور مثيرة للجدل في ليلتهما الأخيرة .

وفي رسائل اللوم أخبرته عن حادثة اقتيادها واعتقالها بمخفر الدرك الوطني بتهم التحريض والإساءة لمبادئ الجمهورية وجدت بحقيبتها اليدوية في دوريات التفتيش وهي بطريقها إلى ثانوية “عبان رمضان” لتلقين دروس الفلسفة لطلبتها بالقسم النهائي.

وقد أججت الحادثة فضيحة طالتها لا أساس لها من الصحة ، وتبرر أن كل ما حدث تم بتدبير قريبها “يوبا” المؤمن بشرعية حركة ” الماك” الانفصالية وحقده عليه كعربي لا يستحق مصاهرة عائلتهم ،و بتواطئ مع ظابط المخفر الذي لم يقيد أي محضر رسمي بأوامر فوقية من العجوز الذي أصبح زوجا لها .

وأن كل محيط عائلتها أوهمها أن حبيبها هو من دس كل هذه الألغام التي فجرت حياتها وقد صدّقت الأمر وابتلعته بمرارة خاصة بعد اختفائه  الغريب وغيابه بمساندتها في محنتها ، مما جعلها تقبل زواجا بالاكراهات من شيخ في أرذل العمر يحتاج خادمة ترعى حالته الصحية وأسراره في حربه مع الكبار، وهو بجهاز تناسلي لا يعمل بسبب حادثة حالات  تعذيبه  في زنزانات الاحتلال الفرنسي.  الخاص والعام رأى في زواجها منه مجرد إشفاق على حالته وطي قصة حب لا يشرف عائلتها .

وقد عرفت كل هذا مؤخرا بعد اعترافات من أختها ” الكاهينة” التي فارقت الحياة الصيف الماضي أثناء ملازمتها في حصص التداوي بالكميائي فكشفت لها عن كل خيوط المؤامرة كتكفير عن ذنب شراكتها .

في رسالته التبريرية أخبرها أنه في ذلك اليوم توجه إلى مدينة “تيزي وزو” لمناصرة فريق شبيبة القبائل المتقدم بخطوات ثابتة لإحراز كأس الاتحاد الإفريقي ” الهاتريك 2002″ ومن أمام مدخل ملعب “أول نوفمبر ” تلقى طعنات مميتة من متشددي الحركة الانفصالية من بينهم “يوبا” وقد رقد بالمستشفى مدة شهور طويلة أفاق منها بعد غيبوبة طويلة بكلية واحدة وأن كل الأمور قد أفلتت من يده بعد زواجها .

في عيد الحب الماضي “المزعوم”  هاجمت جماهير من الشعب الغاضب على مقر شركته وتمت أعمال شغب من حرق ونهب تركت المكان في حالة دمار بسبب إخلال الشركة بموعد توزيع السكنات مما استدعى الجهات الأمنية لفتح تحقيقات ومتابعات بتشكيل فريق متخصص كنت على رأسه كضابط ينتظر أيام قليلة على تقاعده .

كاميرات المراقبة التي نصبتها الشركة ساعدتني بعد مطالعاتي لها الطويلة في الإيقاع ببعض المحتالين الذين اندسوا بين جموع المتظاهرين واستغلوا تلك الأحداث في السطو على خزينة أموال أقساط الدفعات الأخيرة التي تأخر ضخها إلى البنك.

إلا أن وجها اقتيد إلى التحقيق أتاح لي فتح خيوط جريمة أخرى غامضة حدثت قبل أيام قليلة من حادثة شركة المقاولات .

هي السيدة التي زارت مصالحنا في ذلك التوقيت السابق للإبلاغ عن اختفاء زوجها الذي وجدناه جثة هامدة بأحراش جبال “البابور” ساعات قبيل حوادث الشغب .

وقد ظهرت هي على شاشات الكاميرا في كم من مشهد مما استدعى تنقلي إلى بيتها وتفتيشه فوقعت بيدي كل هذه الرسائل وحتى الرسالة الأخيرة التي تبادلا فيها خطة قتل العجوز المشفرة بالألغاز وجميع ترتيباتهما للسفر إلى الخارج ريثما تهدأ الامور تنقلنا إلى مقر إقامته بأوتيل “الحماديين” وتم اقتياده أيضا وحجزه مع عدة أدلة تثبت تورطه معها .

هما الآن بمكتبي وأنا أدون قصة حب عاطفية اخترتها بعيدة عن المحاضر البوليسية و كرجل أمن خلص به تفكيره في لحظاته الأخيرة من مشواره المهني إلى قلب كل مجريات القصة كوني رأيتها تستحق الاستمرار حتى وان كان قتل العجوز يحز في نفسي إلا أنني اخترت مقاربة زمنية بسيطة فوضعته كرقم إضافي إلى أعداد ضحايا العشرية السوداء وأحداث الربيع الامازيغي الأسود دون أن يغير الرقم أمرا بقناعة مني لأضيفه إلى كتابي.

أكون قد كتب في موضوع سابق فصول كتابي: “مذكرات رجل أمن فاسد” الأكثر توثيقا من كتاب” الحرب القذرة ” فخرجت من مكتبي وأحضرت ملابس لعمال النظافة تنكرا فيها وأخليت سبيلهما فخرجا من باب العمال دون أن يتفطن إليهما أحد.

عوض أن أشهد موعد تكريمي كمتقاعد لأسلم شارتي ومسدسي تم اقتيادي إلى السجن بعد محاكمة شكلية “فبركها رفقاء القبعة” طعّموا فيها ملفي بشهادات طبية تثبت إصابتي بمرض عقلي وتم إخلاء سبيلي .

هائم في المدينة إلى أن خطر ببالي أن أبيت ليلتي الأولى من حياة شخص غير مهم في فندق “النجمة الكئيبة”  حين أدركت المكان وجدته بنفس المواصفات عدا “مونوغراف” هائج بصوت فيروز تندمل منه كل جروح الغناء ” عادت الشتوية ” وهما جالسان إلى كونتوار الاستقبال كأجمل عشيقين رأيتهما في حياتي و”الدا حسين ” متكاسلا على سرير الغرفة رقم 01 كملاك ورائحة أطعمة شهية تخرج من المطبخ .

أنكر كل منا الآخر فصعدت السلالم بعد أن حجزت غرفة الطابق العلوي وعلى سريرها أخذني نوم أهل الكهف ومع الاستيقاظ الأول وجدت نجمة “سهيل ”  في وجهي وأنا بكامل الصفاء الذهني وفي وسط ذلك الفزع لم أجد ما يؤنسني غير إتمام كتابة فصلي الناقص من كتابي ” مذكرات رجل أمن فاسد “.

إلا أن خطابا جاء وراء ظهري بصوت آت من سماوات أخرى استجلى منه عفريت من الكتابة لأجد نفسي أخط على أوراق المراحيض قصة فندق “النجمة الكئيبة ”  لا كتابي القبيح وهو من خلفي يحفزوني كلما عجزت عني الفكرة

( الحب دائما أجمل من الحرب أيها الضابط المجنون ).

  *******

1)تاجماعت : مجلس قضائي غير حكومي من مكونات المجتمع القبائلي يستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية

2) الدا : لفظة وقار تعني رمزية الأب  

/

قاص من الجزائر 

 

 

اترك تعليقا