الرواية الفرنسية و”حرب الجزائر”… تجاوز النسيان وصدمة الصمت / حميد عبد القادر*
بواسطة admin بتاريخ 27 مارس, 2018 في 08:48 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 619.

منذ أن حظيت رواية “أين تركت روحي”، للروائي الفرنسي جيروم فيراري (منشورات “أكت سود” 2010)، بحفاوة وإقبال كبيرين من القراء وصالونات النقد الفرنسية، نظراً لتناولها عدداً من القضايا المسكوت عنها، في تاريخ فرنسا الاستعمارية في الجزائر، أصبح الروائيون الفرنسيون، من الجيل الجديد، شديدي الاهتمام والقُرب بماضي أجدادهم الاستعماري. وذهب فيراري إلى الأمكنة المُظلمة من تاريخ فرنسا الاستعماري في الجزائر، حينما تناول ظاهرة التعذيب، التي كانت تُمارس بشكل “مؤسسي”، وبمباركة من الدولة الفرنسية، ضد الثوار الجزائريين.

انتشرت ظاهرة مساءلة ومقاربة “المسكوت عنه”، في الرواية الفرنسية، بعد سنوات طويلة من الصمت، وبعد النسيان الذي تشكل لدى الأجيال التي عايشت “حرب الجزائر”، وتلك التي ولدت بعد انتهاء الاستعمار سنة 1962. وكان الجنرال بول أوساريس، أول الذين كسروا هذا الصمت، حينما تناول في مذكراته المنشورة سنة 2001 ظاهرتي التعذيب والقتل العمدي، اللتين كان يشرف عليهما شخصياً خلال مشاركته في حرب الجزائر.

منذ ذلك التاريخ، أصبح القارئ الفرنسي يكتشف مزيداً من التجاوزات الكولونيالية المُعتم عليها، ويقرأ عن “حرب الجزائر”، حتى في الروايات، بعيداً عن كتب التاريخ، من دون أن تكون تلك الأعمال الأدبية بمثابة روايات تاريخية، إذ صرح الروائي بيرتران لوكلير، متحدثاً عن روايته “حرب بلا نهاية” (2008) قائلاً: “هي رواية حول حرب الجزائر، لكن عبر ذاكرتي”. بينما قال، جيروم فيراري، بخصوص روايته “أين تركت روحي” (صدرت ترجمتها العربية عن منشورات “مسكيلياني”): “روايتي ليست رواية تاريخية، بل رواية عن الماضي”. وهذا الماضي الذي يتحدث عنه مرتبط بقصة جندي فرنسي قاوم النازية باسم القيم الإنسانية خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه انحرف بعد سنوات، ومارس التعذيب، بل ولجأ إلى طرق نازية خلال مشاركته في “حرب الجزائر”.

التخلص من أمراض “الذاكرة والنسيان”

يوضح المؤرخ بنيامين ستورا أن أكثر من خمسة ملايين مواطن فرنسي تربطهم حالياً علاقة مع “ذاكرة حرب الجزائر”. وهذا ما يعيه جيداً المُحررون الأدبيون في دور النشر الفرنسية، الأمر الذي يدفعهم دائماً إلى تحويل أنظار الروائيين إلى هذا الموضوع، الذي يضمن الرواج الأدبي، ويُصعد من حجم المبيعات، في وقت لا يجد فيه الجيل الجديد أي انزعاج، ولا شعور بالحرج، من استعادة ذكريات أجداده وآبائه في المستعمرات القديمة، بغية وضع حد للصمت المفروض على “الذاكرة الكولونيالية”، من منطلق أنها ذاكرة مُثخنة بالجرائم والتجاوزات، والاعتداءات على شعوب أخرى باسم الأنوار وغيرها من القيم التي أرستها الثورة الفرنسية. ففي رواية “جروح إخواننا” (منشورات “أكت سود” 2016)، لجوزيف أندريس، نقرأ عن هذا العمى الكولونيالي الذي لحق حتى الأوروبيين ذوي النزعة الإنسانية، من الذين ساندوا الثورة الجزائرية، في إشارة إلى إقدام السلطات الفرنسية على إعدام المناضل الشيوعي فيرناند ايفتون، في شباط/ فبراير 1957، بتهمة الانخراط في صفوف جبهة التحرير الوطني.

يتضح من خلال التناول الأدبي لهذه الذاكرة الفرنسية، المنافية لروح الأنوار، في علاقتها مع الجزائر، أن تاريخ المستعمرة لم يعد يندرج ضمن خانة “المسكوت عنه”، ففي رواية “صعب المراس” للروائي ايف بيشي (منشورات “ميركور دو فرانس”)، تحضر ضلال “حرب الجزائر” بقوة من خلال مأساة الشباب الفرنسيين الذين تم استدعاؤهم لأداء الخدمة العسكرية، وخوض غمار حرب كولونيالية، دفعت بهم إلى حالة من الانقسام بين رافض ومستجيب لها. وعبر قصة “ثيو”، الذي فضّل العصيان، ومغادرة فرنسا نحو سويسرا، حتى لا يشارك في “الحرب”، نتعرف على تراجيديا جيل بكامله رفض المنطق الكولونيالي، وفضل العصيان على مبادئ “جمهورية” تحتضر علاقتها بالإرث الكولونيالي التوسعي.

أما رواية “ذئب من أجل الإنسان” (منشورات فلاماريون) للكاتبة بريجيت جيرو، فتدور أحداثها في ربيع سنة 1960. بطلها “أنطوان” الذي يجد نفسه مُجبراً على ترك زوجته الحامل، لتلبية أمر أداء الخدمة العسكرية، فيتم إرساله إلى الجزائر كمظلي في مدينة سيدي بلعباس (غرب الجزائر). وحين يعجز عن حمل السلاح، ويرفض إطلاق النار على “الأهالي”، يتم نقله للعمل ضمن الوحدات الطبية التابعة للجيش، فيقوم بسرد معاناة الجنود الفرنسيين في هذه “الحرب” الاستعمارية المفروضة. ولعل أهم شيء في هذه الرواية أنها تنظر إلى المسألة بعين نقدية، حيث ورد على غلافها أن بريجيت جيرو تناولت بجرأة كيف وجد هؤلاء الجنود أنفسهم مُجبرين على الصمت والنسيان سنوات طويلة، فلم يتطرقوا إلى مأساتهم في الجزائر.

فتح الذاكرة المُغلقة

بعيداً عن ظروف “الحرب”، عادت الروائية ماري ريشو إلى علاقات الجزائر الفرنسية خلال مرحلة ما بعد الاستقلال، وجعلت من حي “كليما دو فرانس”، بأعالي باب الواد الشهير في قلب الجزائر العاصمة، ومن حياة المهندس الفرنسي “فيرنون بويو”، الذي حل بالجزائر سنة 1953، مكلفاً بمهمة بناء ألف مسكن للأهالي، موضوعاً لروايتها. وتكمن أهمية الإشارة إلى تاريخ المهندس “بويو” في الحديث عن المساعي الاستعجالية، التي اتخذتها فرنسا الاستعمارية، لتوفير حياة لائقة بالسكان الأصليين، بغية إبعادهم عن خيار الثورة.

ومن جهتها، عادت أليس زنيتر (وهي من أصول جزائرية)، إلى موضوع “الحركي”، في روايتها “فن الفقدان” (منشورات فلاماريون)، عبر سرد حكاية عائلتها الجزائرية التي اختارت الطرف الفرنسي، ولتأثيرات ذلك على أفراد العائلة الذين أجبروا على مغادرة مسقط رأسهم للاستقرار في مدينة نائية شمال فرنسا، بعيداً عن الشمس. أما جان ماري بلاس دو روبليس (وهو من مواليد الجزائر سنة 1954)، صاحب جائزة “ميديسيس” سنة 2008، وهو أحد الأصوات المهمة في الفضاء الأدبي الفرنسي في الوقت الراهن، فعاد بدوره في روايته الجديدة “في سُمك الجسد” (منشورات “زولما”)، إلى مسار عائلة من أصول إسبانية استقرت في سيدي بلعباس مع مطلع القرن العشرين، واستعرض علاقاتها مع السكان الأصليين، وظروف الهجرة المستعجلة نحو فرنسا سنة 1962، عبر القصة التي يرويها عن والده “مانويل كورتيز”، المهاجر الإسباني الذي استقرت عائلته غرب الجزائر مع مطلع القرن العشرين. وقال جان ماري بلاس دو روبليس، في حوار صحافي: “تطلبت مسألة فتح ذاكرتي المغلقة ردحاً من الزمن، بغية الخوض في صدماتي الشخصية. وقد حصلتُ أخيراً على القدرة التي تمكنني من فعل ذلك” (صحيفة “لاكسبريس”، أغسطس/ آب 2017).

للعلم، تحوّل موضوع “حرب الجزائر” إلى موضوع روائي منذ سنة 2009، حينما نشر لوران موفينيي رواية “رجال”، التي تروي تحطم نفسية جنود فرنسيين في الجزائر أثناء مشاركتهم في “الحرب”. وفي سنة 2011 ظهرت رواية “فن الحرب الفرنسي” لأليكسيس جيني، التي تطرقت إلى التجاوزات الكولونيالية في الجزائر، وفي غيرها من المستعمرات الفرنسية. وفي نفس العام، نشر لوران موفينيي، رواية “رجال” (منشورات “مينوي” 2009)، وكانت أول رواية تتناول موضوع صمت الجنود الفرنسيين العائدين من الحرب، أسوة بما فعلته السينما الأميركية مع الجنود الأميركيين العائدين من حرب فيتنام.

وكان الرئيس الفرنسي الحالي، إيمانويل ماكرون، قد تجرأ على القول، خلال حملته الانتخابية، إن “فرنسا الاستعمارية ارتكبت جرائم ضد الإنسانية”، ما سيفتح باب تناول هذه الجرائم إبداعياً في وقت لاحق.

 

 

/

 

 

* صحفي وروائي من الجزائر 

اترك تعليقا