“كاماراد”: رواية الأحلام المؤجلة والاحتفاء بالهامش / رشيد الخديري*
بواسطة admin بتاريخ 31 مارس, 2018 في 02:53 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 786.

يسعى الروائي الجزائري الصدّيق حاج أحمد في روايته “كاماراد، صديق الحيف والضياع” الصادرة عن منشورات دار فضاءات الأردنية إلى معالجة موضوع قديم وهو “الهجرة السرية” من الجنوب الذي يرمز للفقر والتهميش والضياع إلى الشمال بما يحمله من أحلام وحياة، وهنا، تُطرح تلك الجدلية الفلسفية والفكرية: الأنا والآخر. لكن الجديد في هذه الرواية، أنها تتسم بمعالجة واقعية، من الداخل بعدما كانت تتم من الخارج، ما نعنيه هو الرؤية تتسع لتشمل مزاوجة لافتة وطريفة: مامادو المتحدر من نيامي (النيجر) وجاك بلوز مخرج سينمائي، ونقطة الالتقاء بين هاتين الشخصيتين هي الفشل، فشل في العبور نحو الضفة الأخرى بالنسبة لمامادو، وفشل المخرج في التتويج بجائزة في مهرجان سينمائي كبير كمهرجان “كان”.

هي الهجرة والهجرة المضادة، ثنائية الشمال/ الجنوب، هي التيمة المؤطرة لهذا العمل الروائي الثاني في مسيرة الصدّيق حاج أحمد بعد روايته الأولى “مملكة الزيوان”، وإن كانت المقاربة السردية في المنجز الأول، اتسمت بالمحلية، غير أن كاماراد أو الصديق حاولت أكثر ملامسة الواقع الأفريقي وحلم العبور نحو الشمال عبر المغرب الذي يُعتبر صلة وصل بين القارتين.

ولعل الروائي حين اختار كاماراد عنواناً لروايته، فقد عمل بمبدأ “الامتياز الاستراتيجي” كما نجده عند الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا، ويُحيلنا ذلك إلى طبيعة هذا العنوان- العتبة، وقد كان الصدّيق حاج أحمد موفقًا وذكيًا، ذلك لأن المهاجر الأفريقي القادم من جنوب الصحراء، يستعمل هذه اللغة –اللسان، وهي طريقة للتواصل من جهة، والتعبير عن أواصر الصداقة التي تجمع بين كل الأفارقة، مهما اختلفت أعراقهم وجنسياتهم وعاداتهم، لأن ثمة هما مشتركا ومصيرا مشتركا، أيضاً اختيار اسم مامادو، في اعتقادي، لم يكن من باب المصادفة، لكنه اسم مشهور وينسجم مع القناعات الفكرية والدينية والإيديولوجية، فهو “محمد” بالنطق العربي.

يتقاطع في هذه الرواية الواقعي بالتخييلي، ذلك أن أصل الرواية هو رحلة قام بها الصدّيق حاج أحمد إلى عاصمة النيجر نيامي. إذن، إننا أمام منجز سردي يستقي مادته من الواقع المعيش، فقط تبقى صياغة الرواية ومزجها بالتخييل الذي يبقى عنصراً أساسياً في السرود، صحيح، أن مفاصل الرواية منذ بدايتها توجه القارئ/ المتلقي إلى موضوع الهجرة غير النظامية، بدءاً بمقطع من أغنية “الحراكة” [المهاجرون السريون] لمغني الراي شاب خالد:(المستقبلْ مسدود/ ما أَبْقَى فالدوقْ حْتَى بَنَّة/ الحوت ولا الدود)، وهذا المقطع تشخيصي لواقع الهجرة، بحيث المستقبل غامض، ملغوم، والحل هو ركوب قوارب الموت، سيان، إما الموت في عرض البحر، أو أن تصير الأجساد لقمة للحيتان، وهذه العتبة السوداوية، تعكس الواقع المرير الذي يعيشه الأفارقة، هم يشيدون “قبورًا فوق الماء” بتعبير القاص المغربي الراحل محمد زفزاف.

إن منطلقات هذه المغامرة السردية تتأسس على المفارقة، وتشير إلى الواقع المتناقض الذي تعيشه المجتمعات، هي أحلام مؤجلة، بالكاد تتجسد على صعيد المخيلة، وهذه النظرة التي عبّر عنها الصدّيق حاج أحمد، ليست وليدة اليوم، وإنما هي مجسدة في الكثير من الأعمال الروائية العربية الكبيرة مثل رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للسوداني الطيب صالح، ولو أن طريقة التناول تختلف من سارد إلى آخر. الأساسي، أن ثمة خطابا أو خطابات عابرة للحدود والتخوم الجغرافية، وأكيد، أن مسلسل الهجرة وهواجس الخوف والضياع والبحث عن الفردوس المفقود، مستمرة طالما هناك فقر وواقع بئيس يرخي بظلاله على الجنوب الأفريقي. هي رواية تحتفي بالهامش وتحاول لململة شتات الذات، عبر رصد عوالم واقعية حقيقية تقتات على الحلم والحلم الرؤيوي، وتسعى إلى الانخراط في الهم الإنساني حتى ولو بعد حين.

صحيح كما أشرنا، أن هذه التيمة تبدو مكرورة وسبق أن تم التطرق إليها، كما نجد عند الروائي الليبي إبراهيم الكوني الذي اهتم بعوالم الصحراء، وقام كأنثربولوجي يلبس رداء الروائي منقباً في تقاليد وعادات الصحراء، في هذه الراوية أيضاً، ثمة لعبة خفية بين الأمكنة: باريس/ نيامي/ الصحراء/ الجزائر/ …، وهي أمكنة تشير إلى عمق التحولات التي تعرفها الذات المتعبة، المتشظية نحو العبور، أو قلْ هي حالة صراعية بين عالمين مختلفين، يحملان قيمًا مختلفة، وقد نجح الروائي الصدّيق حاج أحمد في نقل هذه العوالم، وإحداث نوع من التقاطع في ما بينها، والإشكالية التي تطرح نفسها بإلحاحٍ: كيف يمكننا أن نجمع بين عالمين مختلفين، بين ذاتين تغترفان من بيئة مختلفة؟ وواقع الأمر، أن الجمع بين جاك بلوز (المخرج الفرنسي الفاشل)، وبين مامادو الحالم بالهجرة الفاشل في ذلك أيضاً، وهي قمة المتناقضات وتجعلنا أمام مفارقة طريفة وغريبة. واللافت، أن الروائي وظف تقنية الصورة السينمائية، وهي إمكانية يتيحها السرد المعاصر، على اعتبار التداخل الأجناسي الذي بات يؤثث العديد من الأنواع الأدبية.

لم نعتد في سرودنا العربية على مثل هذه المغامرات، وهي بالتأكيد مغامرة جديرة بالمتابعة والاهتمام، لأنها ببساطة تعبر عن واقع مفروض علينا فرضاً، والصدّيق حاج أحمد أحد الروائيين الجزائريين الذين يشتغلون في صمت، ملتزم بقضايا الإنسانية، إلى درجة اعتبار هذه الرواية مفرطة في إنسانيتها “النيتشوية”، تصف أحياناً، تعري الواقع وتكشف عن عديد من المفارقات التي يعيشها الإنسان في القرن الواحد والعشرين، هي رواية للتاريخ والإنسانية، وصرخة من أجل العمل على تحقيق إنسانية الإنسان من الجنوب إلى الشمال.

 

 

/

 

 

* شاعر وناقد من المغرب 

اترك تعليقا