المستقبل والسرد في المجموعة القصصية “قليل من الماء… حتى لا أمشي حافيا” / عبد الحفيظ بن جلولي*
بواسطة admin بتاريخ 13 أبريل, 2018 في 12:01 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 917.

قد تمثل القصة القصيرة جدا مجال التكثيف الذي يحاصر الذات القاصة، فيجعلها تكتب ما يفيد، ولذلك تركز على ما يُنجز في مجال حركة القاص ووعيه، وهو ما منح المجموعة القصصية «قليل من الماء.. حتى لا أمشي حافيا» للقاص الجزائري عبد الكريم ينينة، فرصة لتُنسَج داخل مجال رمزية تقترب من سوسيولوجية شفيفة، باعتبار أن ما نكتبه هو ما يحدث، وأن الكاتب جزء من الحياة قبل أن تهاجر به الحياة إلى الكتابة بتعبير بول ريكور.

المفارقة وعتبة الماء/الأنا الحافي

تنبني المفارقة بين حدي الماء والحفي، وارتباط الحفي بالماء عن طريق المشي، فيخرج عنصر الماء عن كونه فاعلا في مجال العطش إلى كونه حلا إشكاليا لحالة فقدان الحذاء، وهنا تتشظى الدلالة لتتعالق مع الأرضية الحارقة، فالبلل يمثل نوعا من الترطيب للسخونة، أو قد يمثل المغتسل أو العائق للرغبة في ارتياد فضاء ما، فلا نمشي حفاة، ليس بلا أحذية فقط، بل أيضا بلا جهوزية لخوض المغامرة، ومن إشكالية الماء هذه تنبثق إشكالية التجنيس في المجموعة، فبعد أن يحدد طبيعة بعضها بوصفها قصصا قصيرة جدا، يضيف «وأخرى تعتقد بأنها كذلك»، وما بين البنيتين يتأسس هاجس المستقبل في إمكانية الخروج بالماء من التحديد العالق في اللحظة، إلى مفهومية أوسع وأشمل تتوافق مع التفكير في أفق المقبل، ومنها تخرج بنية القصة القصيرة جدا إلى مجال يتحدد مستقبلا في مفهوم ادعاء بعض النصوص أنها كذلك، «أي أن القاص يقوم بجهد يكاد يكون استثنائيا في فعل الانتقاء، ثم في صناعة الموقف والرؤية»، كما يرى السعيد بوطاجين.

المستقبل والسرد /علاقات المحور

تمثل لعبة اللغة في نسج سدى المستقبل، العنصر الأبرز الذي لا يشكل فقط بنية المقبل، بل يؤسس لعلاقة الكتابة كبيان للاستمرارية: «وأنا الآن أكتب قتيلا من داخلك!»، فالكتابة تتموقع كبنية متشوفة لـ«ما يحدث» كحالة تجعل من اللغة عنصرا مستقبليا في ذاته، ففي نص «خاتم لشهرزاد» يقول: «قالت: أريد خاتما من ذهب، فيه زخرف طائر بجناحين»، كينونة الطلب الذي يجعله السرد وكأنه محاولة عبثية لا تتحقق سوى في الحلم، لأن الطائر لا يمكن أن يكون إلا بجناحين، فتأكيد المؤكد يجعل إمكانية حدوث العكس أي طائر بجناح واحد، وهو ما يمنح المعنى حكائيا بعدا أسطوريا، باعتبار عنوان القصة، أي أن الخاتم ما هو سوى السرد الذي أنقذ شهرزاد من موت أكيد، وهو ما يجعل من عنصر السرد بعدا مستقبليا مستمرا في الوعي الأنثوي، كحالة إنقاذية تشمل النص في عمومه، وتستثمر في الرمز الكاشف للنسق المستقبلي: «هكذا تكلم ذات يوم رباط حذائه»، فعلاقة الرباط بالحذاء لا تقتصر على مجرد الشكل المنطقي، بل تتعدى ذلك إلى ما ينجر عنه من حالات بناء المسار، فالرباط يتعالق عضويا بالحذاء، وكلما كان مرتخيا تعثر الأنا في المسار، وكلما كان مشدودا استقام، وبالتالي تتحدد الأمامية المستقبلية، أي أن السرعة لا يمكن أن تندرج ضمن مفهوم الورائية، والوحدة السردية تنغلق على مفهوم إيحالي يشتغل على تناص عميق يعري مفهوم التحول، فجملة «هكذا تكلم» تتناص مع العنوان النتشوي «هكذا تكلم زرادشت»، وزرادشت يقوم ذات صباح ويقرر أن يترك الجبل مخاطبا كوكب الشمس: «مثلك أريد أن أغرب كما يقول البشر الذين أريد أن أنحدر إليهم». الانحدار نحو الأرض والحياة وتعب الناس والشمس التي تضيء لكي يعي العالم ذاته وأشياءه ومراكزه وهوامشه أيضا، أي نحو ذلك المقبل الذي لا نراه، ولكن يستبد بنا الإحساس الجمالي به، فـ»من الناحية الفنية الصورة هي التي تتولى ذلك من خلال فرض شيء أفضل أو أجمل أو أبقى وأدوم»، كما يرى القاص من خلال سؤالي إياه عن العلاقة بين السرد والمستقبل.

المستقبل.. المعنى والسرد

ما ترممه الكلمات في منطق السارد هو ذلك الخوف الواصل بين محطتي الرؤية والإنجاز، هل تصل الكلمات إلى تجسير الوجود بين المحطتين؟ قد لا يجيب السارد ذاته عن هذه الإشكالية، لكن تموقعه بين المستقبل كبنية مقبلة والسرد كبنية مستشرفة يمنحه ذكاء الاختراق للأفق المتعدد الذي يتجلى في سماء القراءة كبنية دالة على الكتابة، فحينما يقرر في نص «حملة انتخامية» أن «ما يحمله الغد رخاء»، يعود ليسحب من الرخاء راءه ليستقر المعنى في «خاء»، ويُثبت الجملة عند («ما يحمله الغد خاء» خيبة ليس إلا»)، ويؤثث النص بمستلزمات دلالية تحتاط من حيث التركيز على البؤرة المقبلة كحقل للدلالة، ومنها «الشاشة»، فالمستقبل حينئذ رمزي، يمثل المخيال الذي ترسمه الحركة، ومن ثمة فهو قابل لمنح الحكاية الوجودية أبعادها الاختلافية وطبيعتها التخييلية، و«بصاق» الشخصية الرئيسة اللاصق على «الشاشة» في القصة يعمق من دلالة الاختلاف، كما أن الفاليوم الذي تناوله الزوجة للزوج يبث تعثر الإنجاز في موضوع المستقبل، وهو ما يجعل من الوضع الحاضر حالة باعثة على اليأس.
لا يستقر السرد عند تكريس ديمومة الحالة، فهو يعنون أيضا لأقصوصة من أقاصيص المجموعة بـ«مناخ»، وما يميز المناخ هو التغير، ولكي يستثمر في متلازمة المستقبل/السرد، كرس حوار المناخ مع موضع تحققه، أي الأرض، والتحقق يمنح هوية الإمكان باعتبار الوجود. والحوار يفتح قوس الحكاية، والحكاية تراث منقذ، بالأيلولة الجمالية لسردية السمر في وعي «ألف ليلة وليلة»، فشهرزاد مستمرة معيارا مستقبليا منقذا، وجملة السرد: «لولاك لأصبنا بإنفلونزا الحكاية !»، نفي يراد به الإثبات بدلالة الوعي الذي يختزنه السارد، وهو الوعي بالنص، رغبة تأتي على شكل حالة يعتقد فيها السارد أنها أكثر إنقاذا، باعتبار جماليتها، «وعلى العموم فإن السرد حتى إن ظهر بعيدا عن هذا الذي ذكرت (المستقبل) فإن وظيفته هي تحيين الماضي وتجهيزه في صورة أجمل تؤهله للمستقبل، أو على الأقل تجعله يبدو غير غريب عن زمن آخر مقبل»، وفق رؤية القاص نفسه.

وعي التاريخ والمستقبل

يحدد القاص تسعة أحلام، يسميها «الأخلاط التسعة لعبيد الله المحموم»، واسم عبيد الله في المغرب العربي يرتبط ببعد مذهبي جديد، قد تكون نسبة الأحلام إلى عبيد الله الذي كان يلقب بالمهدي، استعادة لذلك المهمش في المسار نحو المستقبل، ففي حلم «الساعة» يقول: «أحيانا أريد أن أعرف كم هي الساعة، فأخرج هاتفي فلا أجد أي رسالة جديدة فأعيده إلى جيب سترتي»، فما العلاقة بين الزمن والرسالة، سوى ذلك الانتظار في الوقت لبروز معالم المقبل، وبالتالي يتحدد «عبيد الله» داخل المفارقة بين الزمن والرسالة التي لا تجيء، كون التاريخ في بعض انعطافاته ينحاز إلى «انبثاقات جديدة» بتعبير محمد أركون، لكنها نشاز في وضعية المستقبل، فيتعطل بذلك مسار الحركة، وهو ما استوعبه السرد في جملة: «لو مسخ الوقت حلزونا..»، إذ تنفتح مدارات الدلالة لتقف عند شكل الحلزون وحركته، فهل حلزونية المستقبل تمنحه أفق الوصول؟ قد يكون استدعاء «صلاح» في «مقامة الشتات» هو ترميم لفجوة الخسارات في وعي التاريخ من خلال المستقبل وتحقق الموازنة في الانبثاقات الجديدة.

*المصدر القدس العربي 


* ناقد من الجزائر 

اترك تعليقا