رحلة الى صفورية / قصة قصيرة / جميلة شحادة *
بواسطة admin بتاريخ 7 مايو, 2018 في 02:28 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 131.

ما زلتُ أحتفظ في رفٍ من رفوف ذاكرتي، بمشهد “نجاة “وهي تنتحب وتلوح بيدها مهددة “دافيد” تارة، ولاعنة إياه تارة أخرى، وأحد المدرسين يحاول السيطرة عليها ويباعد بينها وبين “دافيد”. وما أن يحل الربيع في كل عام، وتصفو السَّمَاءُ وتنزع عنْهَا نِقَاب الغيوم وتستَـيْـقَظ الطَّبِيعَة مِنَ سُبَاتِها، حتى يفرض هذا المشهد نفسه عليَّ، كلما خلوتُ بنفسي أتأمل الطبيعة في الربيع، وكلما مررت بالقرب من مكان الحدث، حيث يتحرر من سجنه، فأستعيد تفاصيله وكأنه حدث في الأمس القريب.
كنتُ في الصف السابع، وكانت إدارة المدرسة قد قررت أن تكون جولة فصل الربيع لطلاب الصفوف السابعة لتلك السنة، الى صفورية. وهكذا، اضطررنا نحن الطلاب والمعلمون لأن نسير، مشيا على الأقدام مسافة 6 كيلومترات تقريبا، لنصل بساتين صفورية التي يكثر فيها الزهر الشجر، والغنية بالماء والثمر، على أن نعود بواسطة حافلات تُقلنا الى المدرسة بعد انتهاء جولتنا.
كان الربيع قد انتشر في حقول وبساتين صفورية، وبدت كأنها بساط متعدد الأصباغ، لتعدد أصناف المزروعات والأعشاب والأشجار والأزهار، التي فاح عطرها مرحبا بقدومنا، مدغدغا أنوفنا، حتى هاج الحنين لصفورية، فأخذت الحناجر تصدح بأغنية، ” بلادي، بلادي، بلادي، لكِ حبي وفؤادي”. سمعت طيور السماء غناءنا، فأسرعت أسراب العصافير لتغرد معنا هي الأخرى. وزغرد ماء القسطل لنا، وكأنه يحتفي بقدوم أهل العريس في فرح عروسٍ قد اغتصبت.
وبعد استراحة قصيرة لتناول الفطور والانتعاش بماء القسطل، تابعنا المسير نحو القلعة، ولعل القلعة لم تكن هي الهدف الرئيس للبعض منّا، وإنما تفقد منازل الأجداد كان هو المراد والغاية. فقد كانت منطقة المنازل السكنية تقع غربي القلعة قبل أن تقع بلدة صفورية تحت الاحتلال الإسرائيلي في 15 يوليو 1948، وبعد مقاومة شرسة من قبل أهلها، الذين أجبروا على هجرها، فلجأوا الى عدة دول عربية مجاورة مثل لبنان وسوريا. وهكذا، أصبح أهل صفورية لاجئين يجترون مرارة اللجوء في قلوبهم ويحتفظون بمفاتيح بيوتهم في جيوبهم، على أمل العودة اليها. أمّا مَن تبقى منهم، فقد لجأ إلى مدينة الناصرة، أو إلى القرى المجاورة لها.
تركت “نجاة” مجموعتها من الأصدقاء، والسائرين برفقة أحد المدرسين باتجاه القلعة، وعرجت نحو شجرة لوز مثمرة، حفّتْ بأحد البيوت الواقعة بمحاذاة الطريق، وقطفت ملء كف يدها ثمار لوز. وفجأة، علت صيحة صدرت عن رجل خرج من وراء البيت، يبدو في الأربعين من عمره، قائلا بلغة عبرية مكسرة:
– لا تسرقي. إنصرفي من هنا .
وما أن سمعت نجاة جملته هذه، حتى ثارتْ ثائرتها وأخذت تصرخ به وتشتمه وتصول وتجول في المكان الى أن أسرع إليها المعلم المرافق ليحتوي الموقف. فراح يهدئ الرجل ويتحدث اليه.
كنا نحن الطلاب جميعا نحيط بالمعلم ونستمع الى الحديث الدائر بينه وبين والرجل. فعرفنا أن الرجل يدعى “دافيد” ومنذ قدومه، قبل عشر سنوات من رومانيا، وهو يسكن البيت الذي راح يطرد “نجاة” من محيطه.
– إنصرف أنت من هنا . صرخت “نجاة” وهي تلوح يدها في الهواء مقابل وجه “دافيد”.
– هذا بيت جدي وأنت سرقته. قالت “نجاة” باللغة العبرية، وهي في قمة الغضب والدمع ينهمر من عينيها.
– إرجع من حيث جئت. من أين أنت؟ سألت “نجاة” دافيد وهي ما زالت تلوح بيدها في الهواء.
– أنا من تسيبوري. أجابها دافيد بعبوس وبلغته العبرية المكسرة.
عندها، نظرت “نجاة” إلينا تارة والى المعلم تارة أخرى وسألت بذهول:
– من أين أنا إذن؟ إذا كان هو من صفورية؟
فبدرت عن المعلم ابتسامة حزينة، وقال وهو يدفع بنا لمتابعة المسير:

 أنتِ من صفورية يا “نجاة”، حتى لو سموها تسيبوري وسكنها الغريب، وسكنتِ أنتِ الناصرة.

/

* قاصة من فلسطين 

اترك تعليقا