شرخ الحكي والبناء في “بيت الخريف” / قراءة فـ . ياسمينة بريهوم *
بواسطة admin بتاريخ 22 مايو, 2018 في 06:41 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1898.

في روايتها “بيت الخريف” الصادرة عن دار ميم في 2017 ترصد سامية بن دريس الأوجاع المتأخرة للمرأة في رحلة أسيلة –كما صورتها- رغم كونها تطفح بالآلام الصامتة للنساء اللواتي يرفلن في الوجع إلى وجهتهن الأخيرة.

لماذا اِختارت سامية الخريف؟ وهل نجحت في أن تجعله معادلا موضوعيا للجفاء والنُكران؟

    بدْءا من العنوان تقدّم لنا الكاتبة إذًا بيتا مربوطا إلى معنى يناقض الاِحتواء والدفء أو لعلّها كانت تعمّدت أن يكون للخريف بيتا يحميه وليس العكس! من هنا يبدأ التشويش الذي نجحت فيه الكاتبة من خلال الاحتمالات ومن خلال نسج حكايتها من حكايتين إحداهما عجائبيّة والأخرى واقعية.

     فتحتثنا  الكاتبة في البداية على جملة من إرباكات تنجح في جعلها –في الصفحات الأولى- مدهشة على بساطتها، بساطة لا تخلو من العمق والقصديّة التي تفنّنت في سبكها ونسجها، لا نندهش من هذا عندما نعرف أنّ سامية بن دريس بوصفها باحثة تعرف البناء الذي يميز الكتابة الروائيّة، كما أنّها مُلمّة بخفايا الحكي الشعبيّ، بل متشبّعة بسحره على نحو ما يظهر في تقسيمها لكتابها قسمين على غرار مدينة غابرة في الزمن وعناوين كتبها كـ “شجرة مريم” و”رائحة الذئب ” وكذلك في مفردات سجّلها اللّغويّ التي تكاد أن تكون في أكثر من موقع بسيطة تنطق على قلوب الشخوص المعلّقة على أفواههم.  

    بعد الإهداء الذي تتنصّل به سامية من أيّ تماهٍ بينها وبين شخصيّة القصة، كأنّما لتؤكّد براءتها من تهمة الإسقاط التي يتقنها القرّاء لمّا يكون الكاتب “امرأة” وأجده أيضا تفسيرا لذلك التّوجيه الذي مارسته الكاتبة على القارئ، فتحدّد له ما عليه أن يستشفّه، وما عليه أن يتجنبّه وهو ما يدفعني إلى الحكم بالتذبذب على محاولة تشويش القارئ  بخلط الخيوط بين السّاردة وماجدة بطلة الحكاية. فها هي مثلا لكي تقطع الجسر بين الاثنين أو تقويه تهدي “بيت الخريف ” لوالديها ثم كأنّما تؤكد وصايتها وبراءتها تسجّل حديثا للنبيّ محمد، ثمّ مقطعا للكاتب غابريال غارسيا ماركيز. لتعود مرّة أخرى إلى الحديث الذي يفصل ويجمع الاثنين في فصل الوداع وتعود في آخر الكتاب لتقدّم نصائح لمن تريد أن تكتب.

    إذًا كما للبيت باب في الغالب  لرواية سامية بابان. تنكشف معهما ثقافتها الدينيّة الصوفيّة بمجرّد أن نقرأ  المدخل الأوّل “باب الولوج” فها هي  تجعل للباب معنى خفيّا يحتاج منها أن تؤكّد غرضه “الولوج ” خشية أن يلتبس الأمر على القارئ.

     الباب ستليه عتبة لـ “إشارة ” لا تكشف الكاتبة بها نواياها لأنّها تحجبها بالاحتمالات دائما: “أقول: ربما نعم وربما لا، فقد يكون البيت موجودا في أي واحد منّا “ص11 وهي إذ ذاك تبدأ حركة  كتابتها التي على ما وصلني أخذتها من حبها للموسيقى ونوتاتها، فتظل الحكاية حركة دائريّة لولبيّة متوالية بين الفصول التي تتكرّر لتعود بنا إلى “رأس الخيط ” وهو مخرج أو تقاطع للحكايتين اللّتين نجحت في ذوقي أن تبقينا معلقّين بشغف كشف خفاياهما. فنجد:  “شتاء شتويّ “عنوان فصل يتكرّر ستّ مرّات، و”مايمينة أربع مرّات مثله مثل عنوان “جوقة اللّيل” وهي اِرتدادات مُتكرّرة تقلبها الكاتبة كصفحات كتاب كلّ مرّة لتذكرنا بسيرورة الأحداث، وتحكّمها في بنائها.

     وإمعانا في سيطرتها على الأحداث والشخوص -ربّما خوف أن تتمرّد عليها أو أن تنحو هذه الكائنات نحو نمائها المربك للبيت الذي أعدّته لها سلفا- تجمع الجميع في مؤانساتها اللّيليّة مع كائنات أدبيّة تؤثث بها خوفها من خريف يزحف في صمت نحو عمرها.

    بفتح الباب في الكتاب/البيت تدخل بن دريس موضوعا هاما في حياة المرأة وهو نهاية صلاحيتها الجنسيّة، ونضوب خصوبتها التي تفتأ تشكل منعرجا في نقاشات الأنوثة ونظرة الآخر لها، لكنها بكلّ الحذر، لا تتناوله إلاّ من كونه موضوعا اِجتماعيا وأخلاقيا، ولا تفتح بحروفها هذا الجرح الأنثويّ في مواجهته للطبيعة وجحود الذكورة: ” من هنا يبدأ ذلك الدرب إذًا عبر صفارات إنذار في المفاصل، دوار في الرأس ضباب في العينين…كلّ الاِختراعات محض ألعاب في عرف الزمن، طالما أنّ الشيخوخة مازالت تزحف غير مبالية…”ص136

    ويدخل بنا فصل “ياسمينة ” ألَما آخر من آلام الأنوثة وهو الوحدة بعد عمر طويل من اِنتظار رفيق طريق، الوحدة التي مازالت تجعل من المرأة كائنا سائغا للمحتالين باسم الحب  ” غامت عيناها في زاوية واِنكمشت في العتمة فيما صدحت الموسيقى…لقد جاءت لتشاهد العالم وتتفرّج عليه، لا أن تشارك الحياة أفراحها…”  ص150    

    بعد خدمة العجائز المهجورات  لا تؤول (ماجدة) إلى جرح الهجران الذي لم تقدّم له إلاّ سببا خارجيّا تقدمه من زاوية إذعانها للقدر. فهي تتقبّل عودة هادي كما تقبّلت غيابه، وتفسّره كما فسّرت لقاءه بالبساطة نفسها، بعد أن هام من أرض إلى أرض ليخلّصه أصم اِلتقطه من بالوعة.

     وبهذا لا تقدّم الكاتبة أيّ صعوبات واقعيّة لتحرّكات بطلتها، كأنّما لتجعل من كلّ ما سيحدث حلما، أو رحلة تشبه أعاجيب الجنيّات في قصص خياليّة ألم تبدأ الكاتبة حكايتها بهذه المعارضة لحكايات ألف ليلة وليلة: “في ذلك العهد البعيد أحب جنيّان ولنقل أحب توأم من الجنّ اِمرأة ” ص13؟ وهي تبدأ في فكّ خيوط نسيج حكايتها تكتب ردّا على إعلان يأخذها إلى بيت في مدينة بجاية، وكأنّه عالم عجائبيّ، تبني فيه “ماجدة ” علاقات ورقيّة تمعن في فصلها عن الواقع الحيّ، حتى أنّ مشاكل النزيلات تحلّ دائما بمفتاح القدر والزمن، فلا نشعر بآدميتها، ولا قلقها ولا وجعها إلاّ من خلال الراوية التي غطّت عنّا كلّ تفاصيلها ماعدا التعاطف معها.

    لعلّ هذه السيطرة /الهشاشة التي أعاقت الشخصيات عن النمو النفسيّ الطبيعيّ، وكبّلت حرّيتها لا تمنع في رأيي من كون “بيت الخريف ” تجربة جميلة، في مدوّنة الكتابة النسويّة، وإن كانت لا تدخل بها إلى البناء الصلب الذي اِتّكأت عليه الكاتبة شكلا.

    لتظلّ الحكاية رهانا تتقوى به الكتابة النسويّة في الجزائر، فلا تغامر نحو التجريب والمغامرة غير محسوبة العواقب، سواء أمن حيث المواضيع المطروقة أم من حيث الجرأة التي قد تنحو بالكتابة إلى خارج التّسجيل إلى عمق الأحاسيس الصامتة الخرساء. أظنّه رهان الكتابة.

/

* قاصة من الجزائر 

اترك تعليقا