في نقد تقاليد الحضور الشعريّ للشعراء / عبد الله بن ناجي *
بواسطة admin بتاريخ 22 مايو, 2018 في 06:46 مساء | مصنفة في أخبار ثقافية | لا تعليقات عدد المشاهدات : 918.

عزيزي الشاعر الصغير: ليست هذه الورقة تكريسا لتصنيفات فارغة ومُستهلكة تروج في مشهدنا الأدبيّ، ولا أمنحكَ من خلالها شيئا من الوصايا الجاهزة لتطوير مؤهلاتكَ في كتابة الشعر، ولا أضع بين يديكَ عوالم من نسج الخيال لتنمية كفاياتكَ في صياغة الصور الشعرية وتركيب الكلمات؛ بل أمنحكَ واقعا حقيقيّ التشكيل، يسودُ فيه الزيف وينتشر الادّعاء.. أعلم أنكَ تعلم أنّ السيرَ في هذا الاشتغال شائكٌ وبلا معنى، بلا معنى لأنّكَ ستجد نفسكَ غريبا وسط قبيلة من الغرباء، يدعي سُكّانها الأُنْسَ بالرفقة في طريق أضحى نفسُه بلا معنى؛ ليس عليكَ أن تكونَ كما أنا أو كما هم، لكنني أدعوكَ: أنْ تتأمّل! 
الكبار متعجرفون لذلك أحرص حرصا شديدا على ألا تقترب من موائدهم، إرفع رأسك عاليا كلما مروا بك أو مررت بهم؛ لا تسعَ لأخذ صورة إلى جانبهم، فكثيرٌ من الذين تهافت الناس لالتقاط صور معهم، وجدتُهم يتهافتون سِراعا كي تظهر وجوههم، أو حتى أرجلهم في صورة إلى جانب حسناوات لا يُحسِنّ مسك قلم، لذلك لا تفعل! لا تسأل شاعرا تعتقده (كبيرا) عن قصيدة من قصــــائدك الجـــــديرة بأن تحتل ناصية القول في منبر اللقاء، سيعلم حينها أنك غرّ لا تفقه شيئا في أدبيات ملتقيات الكبار، وأنك لم تدرك بعد أن الملتقيات ليســـت للشعر والتّرَنُّمات؛ هي لاستعراض العضلات، العضلات التي تبرز من خلال عدد الحسناوات الشقراوات المُرافقات، وكم يغطي نهج سيرتك من صفحـــــات، نهج سيرة منفوخ الريش بِكِيرِ حدّادين مُوالين. حين تلقي قصيدتك لا تنتظر تصفيقا، التصفيقات تُوزع في الملتقيات بحسب طول شواربك وعدد فتلاتها، إن كنت حليقا فعليك السلام؛ ثم لا تنس أن تضع على رأسك (بِيرِيَّةً) سوداء، ضعها بإهمال، هي وشم الكبار الذين تتحدث البِيريَّاتُ بدل قصائدهم.
لا ترتدي ربطة عنق، درويش وعلي محمد سعيد وأمل دنقل وأبو القاسم لم يرتدوا ربطات عنق، لذلك لا يفعل الكبارُ (كبارُنا) أسوة بهم، هم أيضا دراويش وأدونيسات خرجوا من معاطفهم على حد تعبير الشاعر منير الإدريسي، قالها، فعَلَتْ وجوه الكبار الكآبة ذات فاس.. ثم إحذر إن سألك المنظمون عما ترغب في تناوله على مائدة الطعام، إحذر أن تقول أي شيء، بل عليك أن تفرض شروطا صارمة في نوع الأكل المفضل لديك، وإن كان (المُوني) في المطبخ خاليا مما طلبت عليك أن ترغي وتزبد مبديا غضبك إلى أقصى حد، إغضب، وعليك أن تهم بالمغادرة، ولا تخـــــش شيئا، سيتبعك المنظمون والجمهور والداعمــــون وبعض المتملقين ليسترضوك، لأنك كبير! كبير بطلباتك، إذن أنت كبير في شِعرك.. وحين تلقي قصائدك عليك أن تُفخِّم صوتك كديك هنديّ ماجوسي، حتى إن لم يكن لك صوت، عليك استعارته لذلك اليوم خصيصا، ولا تنس أن ترفع صوتك عاليا حتى يسمعك المارون في الشارع المجاور، وأحيانا اخفضه خفيضا كي لا يسمع أحد ما تقول، سيكون لذلك تأثيرٌ كبيرٌ، فكل ما لا يسمعونه يكون في تقديرهم جيّدٌ وجدير بالإعلاء، ثم حين تعود أدراجك إلى مقعدك ضع رجلا على رجل واقرأ الفاتحة سبع مرات على الشعر والشعراء الحقيقيين جميعا.. آهْ، شيءٌ آخر حين يهم أحدهم غيرك بقراءة وصلاته الشعرية عليك مغادرة القاعة لتدخين سيجارة باذخة، هكذا سيعلم الحضور أنك شاعر كبير لا تُنصت للصغار.. ثم أخيرا كن كاذبا كبيرا؛ إن سألوك عن تجاربك في صالونات الشعر، قل لهم بلا حياء إنك شربت كأس ويسكي مع درويش في باريس، وتناولت البيتزا الإيطالية مع سميح القاسم في روما، ومشيت في مسيرة لدعم فلسطين جنبا إلى جنب مع أبي القاسم الشابي في تونس، وتلقيت من مرسيل خليفة دعوة بتلحين وأداء إحدى قصائدك في طنجة، وصليت صلاة الفجر جمعا مع جمانة حداد في دمشق، كن واثقا، كاذبا واثقا، ستعلو على أكتاف القوم إلى حين

/

* المصدر القدس العربي 

* شاعر من المغرب 

اترك تعليقا