المدينة … عبد الرزاق بوكبة*
بواسطة مسارب بتاريخ 5 أبريل, 2012 في 07:03 مساء | مصنفة في حفريات | تعليق واحد عدد المشاهدات : 2611.

 

 

 

 

 

 

 

 

من المفروض ألا نجد حرجا ـ نحن الجزائريين ـ في الاعتراف بأننا نحلم بمدينة جزائرية هادئة تحترم عقولنا وبطوننا وأرواحنا، وهو الاحترام الذي يوفر راحة البال، مدينة لا توفر راحة البال هي في حقيقتها كهف معاصر.
أبادر إلى مصارحتكم بأنني أكتب هذه الانطباعات وأنا عائد من مدينة جزائرية وجدت فيها ما سأذكره بعد حين، ولا أخفي أنني اتخذت ما يشبه القرار النهائي أن أقيم فيها بعد عشر سنوات من الإقامة في الجزائر العاصمة، مدينة تسمع فيها عباراتٍ تخرج من القلوب صادقة فتدغدغ روحك، وتحفزك على أن تجتهد في تكرار الفعل الذي جعل الناس يقولونها لك: الله يخلف، عبارة تسمعها من فم كل تاجر، علينا أن نثير نقاشا كبيرا عن علاقة التاجر الجزائري بزبائنه، ثقافة الاقتناص، والمقتنص لا يرحم فريسته، الله يحفظ، عبارة تسمعها من فم كل من تلقاه من السكّان، يقولونها لك بسبب ومن غير سبب، الله يقوي الرزق، مدينة تبحث عن المتسولين فيها لا لأن المحتاجين غير موجودين بل لأنهم متعففون، ولأن المحيط يعرفهم ويرعاهم، مدينة يحييك جميع سكانها بغض النظر عما إذا كنت معروفا لديهم أم مجهولا، التحية حضارة، ويردّون على تحيتك، ألا ترون أن هناك أزمة في التحية على مستوى الشارع الجزائري؟.
مدينة تنتصر لأمنك على حساب خوفك فتنساه وأنت داخل بيتك أو غرفتك في الفندق وخارجهما، المدينة التي لا توفر الأمن لساكنيها والوافدين إليها كهف معاصر، قد تفقد نقالك أو خاتمك أو مصروف جيبك في أية لحظة، هنا في هذه المدينة التي أحدثكم عنها لا وجود لهذا النوع من الهواجس، ليس فقط بسبب يقظة رجال الأمن بل بسبب طبيعة سكانها، إنهم يسمون السرقة خيانة، كلمة الخيانة تعني في هذه المدينة السرقة، وبالتالي فإن نظرة الجماعة للسارق تقصيه من النسيج فيجد نفسه بعيرا أجرب لا أحد يتعامل معه، وهي قد استغلت هذا الوضع فلا تنام باكرا لتسهر، وتصحو باكرا لتعمل، مدينة تسهر تنتج الفن وتستهلكه بالضرورة، إلى متى نبقى ساكتين عن ظاهرة المدينة الجزائرية التي تنام قبل نشرة الثامنة، حتى أن الواحد يعجز عن أن يشرب قهوة في قلب المدينة؟، والمثير للدهشة أن الجزائر العاصمة باتت تنافس المدن الداخلية في هذه النزعة، عاصمة البلد الذي هو في حجم قارة تنام عند الغروب كدجاجة قروية، ولا يهمها أن تنقطع بنومها مصالح الوافد والمقيم، كأنها ما زالت تختزن ذاكرة القراصنة قبل قرون، وذاكرة الإرهابيين قبل سنوات، والذين كانوا يجبرونها على ذلك.
في هذه المدينة تستمتع فعلا بأن تركب حافلة أنيقة لا تحمل فوق عدد كراسيها، وقابضها يتحلى بالبسمة والرحمة، أما سيارة الأجرة فأنيقة وخدومة حيث تحملك من المكان الذي تريد، وتضعك في المكان الذي تريد في أي وقت تريد بما فيها الأوقات الميتة من غير أن تحتم عليك زبونا آخر جلبا للمال، راحة الزبون هي التي تجلب المال في منطق السوّاق هنا، وهم للأمانة ليسوا سوّاقا جهلة بل مثقفين بحيث تستطيع أن تستفيد من الحديث معهم على أكثر من صعيد.
في المقهى أو المطعم، تحظى بما يليق بك من ترحيب فتتصرف وكأنك في بيتك، وتكفي زيارتان أو ثلاث لأن يحفظ أصحاب المكان اسمك ورغباتك في الشرب والأكل فيتصرفون معك على أنك صديق لا غريب، لا تنسوا متعة أخرى في هذه الفضاءات وهي نظافة المراحيض، علينا أن نباشر نقاشا معمقا عن أزمة المراحيض العمومية في الجزائر بعيدا عن أية عقدة ، من حيث نظافتها، ومن حيث توفرها أصلا، ومن حيث تحولها إلى فضاء لكتابات المكبوتين.
المساجد في هذه المدينة فعالة ولا تبتعد عن هموم الناس، الخطبة هنا تشبه وصفة ناجعة، كأن يتحدث الإمام عن جمال المحيط، وكيف يجب على كل واحد فينا أن يساهم فيه، الإثم والأجر لا يتعلقان بالأركان الدينية المعروفة فقط بل يتعديانها إلى كل مجالات الحياة، أعرف إماما يحدث الناس عن محنة أحمد بن حنبل مع المعتزلة، ولا يحدثهم عن المزبلة التي تقبع على بعد أمتار من المسجد، إلى درجة أصبح معها المكوث في المسجد الذي هو بيت الله مجلبة للأمراض في الصيف.
في هذه المدينة يحظى الفنان كاتبا كان أم سينمائيا أم مسرحيا أم رساما أم موسيقيا… باحترام الجميع في المقهى والمطعم والحومة والمؤسسات الثقافية، أولا لأنها مدينة تحب الفن إنتاجا واستهلاكا، وثانيا ـ وهذا أمر مهم جدا ـ لأن فنانيها يبادرون بأمور جميلة ونبيلة يتبعهم الناس فيها، تصوروا أن مجموعة منهم بادرت بحملة لتنظيف مقابر المدينة حتى المسيحية منها، إنها الراحة مضمونة هنا للأحياء والأموات على حد سواء.
واش نحكي.. واش نخلي؟، لذلك قلت لكم في البداية: إذا التمستموني في الجزائر العاصمة ولم تجدوني، فالتمسوني في هذه المدينة التي تحمي من الصدمات.

 

* عبد الرّزاق بوكبة شاعر وروائي

 

 

 

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. انها مدينة فاضلة، جرفتنا الى الحلم بها معك، لقد قلت: “أبادر إلى مصارحتكم بأنني أكتب هذه الانطباعات وأنا عائد من مدينة جزائرية وجدت فيها ما سأذكره بعد حين”.. فما هي هذه المدينة التي اوحت لك بهذا النص الجميل؟

اترك تعليقا