من” أوجاع باردة ” إلى ” الليل كله على طاولتي ” للشاعر محمد بن جلول ..قراءة ثقافية في الإسم والنص/ قلولي بن ساعد*
بواسطة admin بتاريخ 28 يونيو, 2018 في 05:35 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 377.

“يحيا الكاتب و يموت أو يمارس البقاء على توقيعه ما يأتي بعد ذلك لا يعنيه الخلود يعود دائما إلى الأموات ” // عبد الكبير الخطيبي

 

عندما أصدر الشاعر الجزائري محمد بن جلول باكورة أعماله الشعرية ” أوجاع باردة ” تزامن ذلك مع حدث مؤلم تمثل في وفاة والد الشاعر جلول إذ ذاك قرر الشاعر تكريما لوالده التخلي عن إسمه الشخصي وعن هويته المدنية ” محمد عبد الوهاب ” فحمل الديوان توقيع محمد بن جلول وإستمر معه هذا الإسم حتى عندما أصدر مجموعته الشعرية الثانية ” الليل كله على طاولتي ” ومن هنا فالقراءة الثقافية لا تتوقف عند حدود هذه الظاهرة في منحاها العفوي ولا تعتبر أن فعل التسمية وحمل هوية أدبية جديدة مغايرة تماما لهوية الشاعر المدنية هو فعل محايد طالما أن الرجل قد نشر بعض القصائد والنصوص في بداية عهده بالكتابة الإبداعية بإسم محمد عبد الوهاب وأنه لازال لم يتخلص بعد من ثقل محمد عبد الوهاب الذي يمارس به حياته المهنية كصحفي وعامل في حقل الإعلام الثقافي من خلال برنامجه الثقافي (الورشة الثقافية ) الذي يقدم فيه عددا من الكتاب والمبدعين لجمهور الإذاعة الوطنية إذاعة الجلفة الجهوية فهل لهذه الإزاحة الإسمية  بالمعنى السيميائي علاقة بما يسميه الناقد الأمريكي ستيفن غرينبلات “التواصل مع الأموات الذي يتطلب نكرانا للذات بما يؤكد غياب فكرة مؤلف واحد متعارف عليه  ” (01) أم أن ظلال الأبوية هي التي عجلت بالقتل الرمزي للإبن ممثلا في محمد عبد الوهاب كشكل من أشكال الإقتراب من خطر التسمية ومما قال عبد الكبير الخطيبي ” أنه  إنكفاء إستراتيجي للذاكرة النصية يتحدد لجرح لا نهائي للإسم الشخصي (02) حتى ولو أن شخصية الوالد لا صلة بها بالأدب وبالكتابة هذا إفتراض أولي للقراءة الثقافية التي نقترحها إنطلاقا من دلالة الإسم الأدبية بوصفها دلالة ثقافية في المقام الأول وصولا إلى النص  وقد تتطلب منا إمعان النظر وعدم الإكتفاء بظاهر الإسم وعلاقة ذلك بالنصوص الشعرية الحاملة لبعض الهموم الذاتية والوجودية للشاعرمنذ اللحظة التي قرر فيها بتعبير هايدغر ” نسيان الكينونة ” للحلول بالمعنى الصوفي في كينونة أخرى تكريما لغياب الأب

الإسم والصفة  و”الكتابة بالإسم”

مما تجدر الإشارة إليه أن الشاعر محمد بن جلول غير حريص بالمرة على تقديم نفسه في صورة لا تتناسب وحجم النصوص التي يكتبها على الرغم من أنه من الشعراء القلائل الذين أخلصوا للقصيدة النثرية بإبداع جديد يتجاوز في منحاه الطبيعي الإستسهال المرن الذي دأب عليه كتاب الخواطر الذين يتوهمون سهولة تصنيف خواطرهم ضمن ما أصبح يسمى بالقصيدة النثرية ولذلك تخلى طواعية عن الإسم الذي يحمله في وثائقه الشخصية وإختار إسما ثانيا على حساب الإسم الأول  حيث أن الأسماء مثلما يقول رولان بارت   ” تتداعى بفعل آلة التسمية التي هي في حالة صيرورة ” (03) ودلالة ذلك تشكلت ربما حتى قبل البدء في إختبار هذا القرار الجريء من إيمان الشاعر بضرورة نسبية الكتابة الإبداعية وميلاد الشاعر الصيروري أو ما يقول بارت أنه نابع من ” سلطة وتقديرات الإستقرائية الضالة ” لشعراء توهموا أنهم كالآلهة الصغرى بالمعنى الذي حدد أطره الكبرى ناقد وفيلسوف  فرنسي هو موريس بلا نشو في كتابه ” أسئلة الكتابة ” عندما سخر من أولئك الذين حولوا “الأدب إلى قوة بروميثية أو تيولوجية تبسط يدها على كل شيء إنه حركة كلام لا أصل له ولا مالك كلام يفضل الإمتناع عن القول بدل الزعم بالإحاطة بكل شئ ” (04) ونفس الشئ كان قد فعله أدونيس عندما تخلى عن أحمد سعيد مثلما تخلت الروائية الجزائرية آسيا جبار عن إسمها فاطمة الزهراء إيملاين وقبلهم كان رامبو قد ” دمر أرتور ليحيا رامبو ” (05) وهل في ذلك شئ من العدمية .. . ؟ لا اعتقد بجدوى هذا التساؤل ولا علاقة لذلك أيضا بما يسميه بارت ” موت المؤلف ” الموت المرهون بحياة النص فالنقد الثقافي يلغي تماما ظاهرة موت المؤلف التي بشرت بها البنيوية حينما أعدمت المؤلف مثلما أعدمت القارئ وإعتبرت النص مجرد بنية لغوية مغلقة في نفيها التام للسياق والتاريخ الذي يحرك مجرى الكون والحياة خاصة عندما “يحل الإسم محل المسمى فينتقل الإهتمام من الشخص إلى العلامة ويصبح القضاء على الإسم ضرورة أكثر من القضاء على المسمى ” (06) وهنا لا بد أن نفرق بين الإسم والصفه وهو ما نبه إليه الشاعر والباحث المغربي صلاح بوسريف فلا أحد يقول صلاح بوسريف “يحمل هذه الصفة إلا من خلال ما ينتجه نصيا في ممارسة تكون محكومة بمواصلة الكتابة في الجنس ذاته وبإنجاز تراكمات تساعد على تحديد وضع هذا النص وصيغة إنتسابه ” (07)وهي الملاحظة التي قادت صلاح بوسريف إلى الوقوف على بعض مهازل المشهد الثقافي العربي حين يتعلق الأمر ببعض الأسماء المكرسة أو تلك التي إنتهت إبداعيا ” فيتحول الإسم إلى سلطة وقد يبرر العمل بالإسم وليس بما يحمله من قيمة إبداعية ” (08 ) ولم يكن مخطئا صلاح بوسريف عندما إعتبر “ثمة جامعات لا تقبل إلا الموتى ” (09) مقدما مثالا حيا عن رامبو عندما “طلب منه فرلين العودة للكتابة بعد تجربة السجن فكان جواب رامبو حاسما إني قلت ما ينبغي أن يقال ولم يعد لدي شيئا أقوله ” (10) فيستنتج صلاح بوسريف أن حدس الرائي رامبو ” كان يقف وراء جواب رامبو لأنه أدرك أن كل ما سيأتي ربما سيكون نوعا من الإستعادة لما قيل أو أنجز ” (11) هذا هو منحى ما يسميه الشاعر صلاح بوسريف ” الكتابة بالإسم ” الشبيهة  بمتافيزيقا الحضور في الفلسفة الأوربية التي فكك فيلسوف بارز هو جاك ديريدا عقدة التمركز العقلي والصوتي فيها عندما كان يعمل على تقويض أولوية الصوت على الكتابة في الفكر الفلسفي الغربي في مشروعه التفكيكي الذي إفتتحه بكتابه ” الصوت والظاهرة مسألة العلامة في فينومينولوجيا هوسرل “وإفرازات الإسم  السلبية على الصعيد الإبداعي التي تحولت عند البعض إلى حالة هي أشبه بالشرعية الأدبية لشعراء لا زالوا يعيشون على ذكريات نصوص كتبت في الثمانينيات التسعينيات من القرن المنصرم وليس لهم غيرها والغريب في الأمر أن هذه النصوص القديمة صارت الآن أكبر عمرا من المتلقي القارئ لهم المولود في مرحلة ما بعد التسعينيات وهناك من  يستظهرها في كل مناسبة وفي كل مكان وفي كل زمان كنوع من الشرعية الأدبية وعندما يشعر المرء أنه إنتهى إبداعيا وأنه إستنزف كل طاقته في الكتابة الإبداعية ولم يعد لديه ما يضيفه وتلك هي مشيئة الأيام ومنطق الصيرورة التاريخية التي لا تمكن الفرد عندما تتجاوزه معطيات التحولات البنيوية التي تؤكدها الصيرورة الإجتماعية والتاريخية والثقافية فمن الأفضل له أن يصمت وإن لم يصمت فليقل خيرا إحتراما لنفسه وللنصوص التي كتبها عندما كان على قيد الكتابة ربحا للجهد والوقت وضمانا لشيء هوأقرب ” للتقاعد المريح”   هذا ما أدركه الشاعر محمد بن جلول مبكرا  فأيقن أن ثمة مشكلة خطيرة هي مشكلة الإسم التي تتجاوز في السياق النصي مسألة الشعور بغياب الأب عندما لا نتأمل فيها ونعاين النسق الثقافي لهيمنة الإسم بإتجاه ذلك الذي سماه المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي ” خلخلة مفهوم الإمتلاك ” كنسق ثقافي يجد ضالته في ” نصوص الفاشية الصغرى” بتعبير ميشيل فوكو التي تتمتع بنوع من الحماية النقدية والبلاغية من طرف رموز النقد الأكاديمي وأساتذة البلاغة والإسلوبية أو مايسميه الدكتور عبد الله الغذامي “بحكومة البلاغة ” الراعية لحياة النسق ” كعلامة كاشفة تدل على مدى الخراب  النسقي الذي أحدثه الشعر في سلوكيات الثقافة “(12)    

 المؤلف و المؤلف المزدوج  ومبدأ  التفاوض

من هو مؤلف ” أوجاع باردة ” و” الليل كله على طاولتي ” . ؟  لا يحمل السؤال تشكيكا في نسبة المنجز الشعري الذي أمامنا والذي هو موضوعا للقراءة الثقافية بقدر ما ماهو إجراء نقدي سيسمح لنا بتفكيك الدلالة الثقافية الكامنة وراء صلة الإسم بالمسمى خاصة وأن الإسم الذي يحمله الكتابان ونعني بذلك ” أوجاع باردة ” و” الليل كله على طاولتي ” وهو محمد بن جلول فيما يعلن الشاعر أنه إختاره لظروف قاهرة لا دخل له فيها وهو يشير بصفة غير مباشرة إلى وفاة والده جلول التي تزامنت كما أشرنا مع الفترة الزمنية القصيرة التي كان الشاعر يستعد فيها لإصدار مجموعته الشعرية الأولى “أوجاع باردة ” ولذلك تصدرت المجموعة ” عتبة نصية ” بتعبير جيرار جينيت هي بمثابة الإهداء الذي جاء فيه ” لم تضئ شمعة العيد ولا نجمة الغرب يا والدي كي أحفظ القرآن وأصلي صلاة العيد ” (13) ولم يكتف بذلك بل إن إحدى القصائد التي حملتها المجموعة الشعرية ” أوجاع باردة ” جاءت في شكل مرثية الولد لوالده

” كأبيك علينا يا أبتي أن ننصرف

مثل جريد النخل حفاة كي تفهمنا الأرض

وتفهمنا الكلمات

كان علينا يا أبتي أن نجمع صلصال الحقل

ونلم كروم الليل ” (14)

هل كان يدرك الشاعر أن منزلة المراثي تحتل من حيث التراتبية النسقية مثلها مثل شعر الغزل المنزلة الأدنى في ولا وعي الشاعر العربي الذي لم يتخلص في أية حقبة من حقبات التاريخ من ظلال السلطة  و”السلطة المرئية ” مثلما يسميها ميشيل فوكو التي تتجلى في أنساق الهيمنة . ؟  لا أدري هذا ما يكشف عنه  عبد الله الغذامي في سياق تعريته للإنساق المضمرة في الشعر فيستنتج “أن الثقافة العربية تمنح المنزلة الأعلى لأسوأ أنواع الشعر من الناحية الإنسانية فالشعر الفحل هو شعر المديح والهجاء ومن يعجز عنهما فهو ربع شاعر كما وصفوا ذا الرمة وقللوا ومن شاعريته وفحوليته ” (15) ومهما يكن من أمر فمنطق القراءة الثقافية لا يكتفي بما جاء في هذا النص ولا يتجاهل مصدر قائله بل لا يريد أن ينساق وراء النصوص من دون التساؤل عن طبيعة المتكلم في النص على الطريقة الباختينية (نسبة إلى ميخائيل باختين )  هل هو المؤلف الحقيقي محمد عبد الوهاب أم هو محمد بن جلول الذي يحمل غلاف الكتاب إسمه ليس فقط في ” أوجاع باردة ” بل أيضا في “الليل كله على طاولتي” أم هو شخص آخر أشبه بما يسمى في السيميائيات السردية المعاصرة ” الراوي من خلف ” . ؟ خاصة وأن الشاعر (ولنحتفظ هنا بصفة الشاعر وحدها من دون إسم لدواعي منهجية لغاية الكشف عن المتكلم في النص ) لم يتردد أبدا في القول أنه شبح

” أنا شبح سيء المزاج ومبتدئ على موعد ليلي ” (16) ولم يتردد أبدا في الإعلان عن هوية أخرى وهي هوية ثقافيه إستقاها من حقل ثقافي مجاور هو حقل السينما فإعتبر نفسه زومبي

” أنازومبي نباتي وإفكر في أن أغرسك

ينتابك فزع شديد فجأة ” (17)

ولم يتردد أخيرا في الإعتراف بأنه شخص آخر

” انا شخص آخر غيري

يهتم يشؤوني القليلة يقرأ كتبا ثم يتركها مفتوحة ” (18)

 و”لأن النص ينفلت من مسألة الأصل نفسها ” (19) بتعبير كريستيفا  الأمر الذي يطرح بعض الخلخلة لدى المتلقي عن مصدر الكلام الذي يتردد على لسان الشاعر / الشبح / خلخلة تصل حد التيه الذي سيلازم القارئ لنصوص الشاعر التي لا تعطيه مفاتيحها بسهولة وهذا هو ديدن النصوص ذات ” البنية الغير متجانسة ” كما وصفها جاك ديريدا ومرة أخرى يختفي الأب ويختفي الإبن يختفي محمد عبد الوهاب ويختفي محمد بن جلول في عملية هي أشبه بفك الإرتباط بينه وبين الأب مما يعني أن تكريم الأب الغائب في نص الإهداء لباكورة أعماله الشعرية وفي النص الذي أتينا على ذكرمقاطع منه  هو مجرد ” تورية ثقافية ” بتعبير الغذامي أراد الشاعر إتخاذها ذريعة مؤقتة تمهيدا لممارسة نوع من القتل الرمزي بالمعنى البسيكولوجي لأب آخر هو الأب الشعري الذي لا يعترف بشعرية القصيدة النثرية ولا يدرجها ضمن ما يسميه عالم الإجتماع العراقي علي الوردي ” أسطورة الأدب الرفيع “  إلى الدرجة التي جعلت الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي ينعتها ” بالقصيدة الخرساء ” يقول حجازي ” قصيدة النثر ثمرة من ثمار الصمت الذي أصبنا به نحن خرس لا نقول ولا ننشد ” (20) ورغم أن الشاعر عبد المعطي حجازي بعترض بشدة على طغيان الشعراء والنقاد المحافظين على ما يرى إذ يقول ” لم نقبل ولن نقبل من غيرهم طغيانهم لأننا نعتقد أن كل طغيان شروأن كل إستبداد فساد مهما تكن مبرراته ومغرياته ” (21) وهي خطوة تحسب له لا عليه  في إشارة منه للموقف الذي إتخذ منه عباس محمود العقاد عندما كان شابا ومن الشعراء المجددين على صعيد قصيدة التفعيلة التي كان أحد الممارسين لها على مدى أكثر من نصف قرن حتي أنه يذكر العقاد بالإسم الذي إنتهى مثلما يقول ثائرا على شعراء التفعيلة ليرد على الذين إتهموه بإعادة إنتاج تجربة العقاد ولكن هذه المرة هو الذي يتبنى هذه الثورة ضد شعراء قصيدة النثر فيكشف في نهاية المطاف عن موقفه الصريح في صيغة تساؤل ” ولنفرض في النهاية أني أكرر العقاد فمن ذا الذي يكررني .. . ؟ ” (22) تساؤل بسيط في ظاهره ولكن النسق المضمر فيه هو أنه يضع القارئ أمام شاعر يبحث عن أشباه له وأتباع  يكررونه وليس عن شعراء قد يختلفون معه مثلما إختلف معه العقاد وإذ كان التابع في منظور المفكر الماركسي أنطونيو غرامشي يتحدد عبر فئتين هما الفلاح والمرأة الصامتة على إعتبار أنه لم يكن في وسعهما تجاوزمعطيات  ظرفها التاريخي لغياب ذواتهما ضمن نظام الثقافة السائدة في عصرهما علما أن مفهوم التابع عند غرامشي أصبح يشكل الحجر الأساس الذي تتكيء عليه أغلب الدراسات  الثقافية خاصة ما بعد الكولونيالية المنشغلة بتفكيك الدلالة الثقافية القائمة في صلب التبعية ومن المعروف أن الشبيه أو التابع سيظل شبيها أو نسخة ثانية وليس في قدرته أن يفكر تفكيرا مستقلا  أو أن يصنع إختلافه للحفاظ على غيريته فالضيافة الأبوية يقول ناقد عربي هو الدكتور رشيد بوطيب ” ترغم الإبن على إعادة إنتاج الأب وعلى إنكار بعد الزمن وما هي الضيافة إن لم تكن هذا الزمن الذي أقتسمه مع الآخرين ” (23) ولابأس من  إعتبار ثورة حجازي هنا مجرد هفوة وتسرع غير محسوب ولكن هذه الهفوة  أيضا لم تمر دون ردود أفعال نقدية فقد كتب المفكر التونسي فتحي المسكيني مقالا شجب فيه هذا الموقف غير النقدي لعبد المعطي حجازي معتبرا أنه ” لا يحق لشاعر أن ينقد الشعر وفقا لنمط كتابة شعرية محددة دون غيرها إن نقد الشعر مهمة غير شعرية تماما إنه جنس خطابي مستقل عن الشعراء حيث يتحولون إلى تجارب معنى حرة تنتظم وفقا لأنماط إنتاج لم يخلقها النقاد لأنها نتاج تطور الشعوب وتجدد المجتمعات وليست مجرد تكريس جمالي لحواس طويلة الأمد “(24) هكذا يتبدى لنا أن هذا الموقف الإيديولوجي  من عبد المعطي حجازي يعبر عن نسق ثقافي  ثاو من أنساق الهيمنة  التي تتعارض أشد التعارض مع ما تتطلبه التعددية الثقافية  بوصفها فرعا من فروع النقد الثقافي فمن غير الممكن إعتبار القصيدة النثرية ” قصيدة خرساء ” ومن الغير الممكن أيضا  القول “بموت  السرديات  الكبرى” بتعبير جان فرانسو ليوتار أو سرديات المأسسة الشعرية  ممثلة في بعض فتوحات الشعر العربي في أعز أطواره التاريخية للحد من مفعول الفجوة القائمة بين رموز لونين أو ثلاث من ألوان الشعر العربي بصرف النظر عن قيمة الشكل فالأشكال مجرد آليات وليست هي الشعر  لكن من دون السكوت عن لعبة الأنساق الثقافية أو تجاهلها أو الإكتفاء بما يكشف عنه النص من جماليات وأنماط أسلوبية وبنيات دلالية تلك التي روج لها النقد الأسلوبي والبنيوي  والسيميائي أو التكرار الممل لبعض أدبيات النقد السياقي والسوسيولوجي والماركسي الذي توقف عند لحظة نقدية مفصلية هي نقد أدوات الصراع الإيديولوجي بالمعنى الطبقي لإتخاذ رؤية “بينية” تتمثل في الإتكاء النقدي والتحليلي لإنتاجية المفهوم   الذي إقترحته النافدة الهندية ما بعد الكولونيالية غياتري سبيفاك وهو  مفهوم  ” التفاوض ” تقول غياتري سبيفاك ” كل ما أعنيه بالتفاوض هو أن يحاول المرء تعديل شئ فرض عليه لأنه مرغم على الإبقاء على تلك البنيات ولا يستطيع قطعها تماما وهذا من منطلق فهمي هو التفاوض” (25) ويبدو أن مفهوم التفاوض قد إستعارته  غياتري سبيفاك من مدرسة التاريخانية الجديدة التي وضع لبناتها الأولى الناقد الأمريكي ستيفن غرينبلات هذا ما نقف عليه عندما نتأمل في ذاكرة المفهوم التي يعيدها الدكتور معن الطائي إلى نقطة البداية فيقول ” ومن المفاهيم الإجرائية التي جاءت بها التاريخانية الجديدة مفهوم التفاوض بين النصوص الأدبية التي يتم إنتاجها داخل الحقبة التاريخية المحددة فلا تراتبية جمالية تتمتع بها الأعمال الأدبية وهناك دائما تفاوض تفاعلي بين النصوص التي تنتجها ثقافة ما ضمن لحظة تاريخية معينة ” (26) وعلى غرار ما تتوفر عليه النصوص المتفاوضة من مرجعيات ثقافية وحيل فنيه فإن هذا التفاوض لا يتم بصفة مباشرة بل عبر وسيط أو وسطاء وإذن من هو هذا الوسيط ؟ هل هو زومبي أم الشبح أم كائنا آخر كماقال الشاعر أنا آخر؟  وهل نحن أمام ذات واحدة وإن حملت أكثر من إسم وأكثر من قناع أم أمام أكثر من ذات واحدة أو ” ذات عينها كآخر ” بتعبير بول ريكور كالشبح وزومبي وأشباح أخرى لم يحل إليها النص لكنها موجودة بين تلافيف الخطاب المضمر  مثل كائنات خفية تواجه ” سلطة مرئية “. ؟  بالمعنى الذي يعنيه فوكو “للسلطة المرئية ” تتجلى للشاعرأحيانا في الأتباع المفترضين لعبد المعطي حجازي ولكل القائلين بمفهوم ” القصيدة الخرساء ” بوصفها دلالة نسقية من دلالات الرفض والهيمنة والإستبداد الثقافي والشعري المتواري خلف ” إرادة القوة ” بالمعنى النيتشوي أو ما وصفه الغذامي ” بالطاقة النسقية التي هي أقوى من قدرة فرد مفرد ” (27)   ولئن كان “التفاوض” مرتبط بهوية الشاعر الثقافية الهوية القائمة في إيمانة المطلق بشعرية النثر وشرعنة  القصيدة النثرية كجنس أدبي له شعراءه ومريدوه والنقاد الذي كتبوا فيه وقدموا بعض الأطاريح النظرية حوله منذ سوزان برنارإلى يوم الناس هذا وإذ كان هذا التفاوض موكول إلى وسيط أو شخصية أخرى لا علاقة لها لا بمحمد عبد الوهاب ولا بمحمد بن جلول ولا بزومبي شخصية غائبة على الكون الورقي للمجموعتين الشعريتين ” أوجاع باردة ” والليل كله على طاولتي ” شخصية مضمرة هي المعادل الموضوعي للمفهوم الذي يقترحه الغذامي وهو ” العاذل ” ويسميه أيضا ” المؤلف المزدوج “  وهو ” إبتكار ثقافي يلعب دور التورية الثقافية حيث يتصاحب نسقان في نص واحد ” (28) يلعب دور المؤلف المضمر المتكلم بإسم الرؤية الثقافية والإبداعية التي تميز شعراء النثر المتناغمة مع قناعات الشاعر الأدبية والفكرية ورؤياه الإبداعية الحاملة لها النصوص الشعرية التي نشرها ضمن جنس أدبي محدد هو القصيدة النثرية هكذا نأتي إلى إعتبار أن المتكلم في هذه النصوص هو “المؤلف المزدوج” الذي لا علاقة له لا بالمؤلف الحقيقي ولا بمحمد عبد الوهاب ولا بمحمد بن جلول الذي يحمل إسمه غلاف الكتاب ولا بزومبي ولا بغيره من الأقنعة الكثيرة التي تتردد بين طيات النصوص الإبداعية إنه ” الثقافة حينما تتولى كتابة أنساقها الخاصة من تحت أعماق الخطاب (29)

التعددية الثقافية / تنصيص اليومي/ نثرانية القصيدة

النصوص المنشورة في المجموعتين الشعريتين ” أوجاع باردة ” و ” الليل كله  طاولتي ” والتي تحمل توقيع محمد بن جلول بلغ  عددها في “أوجاع باردة ” إثنان وعشرون نصا بينما ضمت مجموعة ” الليل كله على طاولتي” واحد وثلاثون نصا  وقد تراوحت هذه النصوص بين المتوسطة الحجم والنصوص الطويلة أو القصائد الشذرية ونصوصا أخرى هي النصوص المفتوحة جرى الإعلان عنها في الفهرست بوصفه أحد ” الملحقات النصية” بتعبير جيرار جينيت لكون أن الفهرست جاء في آخر الكتاب وليس في أوله وهو تقليد دأبت عليه دار النشر ميم التي تشرف عليها القاصة آسيا علي موسى وليس من قبيل المفارقة أبدا أن يفتتح الشاعر مجموعته الشعرية الثانية ” الليل كله على طاولتي ” بثلاث إستهلالات متعددة بل متضاربة ” هي “النصوص الموازية أو النصوص المصاحبة ” بتعبير جيرار جينيت ينتمي النوع الأول من الإستهلال إلى شعر الآخر والآخر كما نعلم مفهوم مركزي في أدبيات النقد الثقافي جاء على شكل إهداء ” الآن أبي يحمل قلبه العجوز في قفصه الصدري مثل طفل يدخل الى الغرفة حاملا طائرا جريحا ” (30) وتحت نص الإهداء كتب إسم الأخر وهو الشاعر الأمريكي تيد كوزر فيما تضمن الإستهلال الثاني مقطعا من قصيدة نثرية للشاعر التونسي آدم فتحي وعلى نحو مغاير جاء الإستهلال الثالث من نمط الشعر العمودي وهو عبارة عن شطرين للشاعر أسامة بن منقذ الأمر الذي يعني أن الشاعر وإن كان من شعراء القصيدة النثرية فهو لا يجهل بعض عيون التراث الشعرالعربي ولا يتجاهلها على صعيد القراءة والتلقي والشاعر من هذه الناحية  واع كل الوعي بأهمية الإختلاف أو الإختلاف الشعري الذي يجد تجذره  الإبستمولوجي في هذه التعددية الثقافية التي لا تكتمل دون حساب ما تراه ” العين الثالثة ” وهي عين الرائي من مداخل الكتابة الشعرية المتعددة التعدد المنتج للقيم الشعرية الكامنة في دروب مرجعيات الكتابة الشعرية المختلفة من شخص لآخر ومن ذائقة لذائقة أخرى وهذا أمر طبيعي تتطلبه سنن الكتابة وإنماط التفكير البشري الحر من أي قيد خارج آليات الضبط أو الإرتهان لدال واحد من دوال المعرفة البشرية على ان في هذه النصوص الشعرية ميل واضح إلى النثر اليومي أو نثر الحياة اليومية الذي جعل منه الناقد الأمريكي ستيفن غرينبلات محورا دالا لنظريته في ” الشعرية الثقافية ” الذي إستعاره على ما يذكر ذلك الدكتورمعن الطائي  من أبحاث المفكر الروسي لوري لوتمان عندما كان يؤسس في السبعينيات من القرن المنصرم لأطر هذه الشعرية وآفاقها من داخل المذهب الذي أعلن عنه وهو مذهب التاريخانية الجديدة المتناغم هو الآخر مع بعض الفروقات الطفيفة مع مذهب آخر من مذاهب النقد الثقافي الذي بدأ يتشكل في بريطانيا بزعامة الناقد الثقافي البريطاني رايموند ويليامز وهو مذهب “المادية الثقافية ” المنبثق عن ما بعد الماركسية أو الماركسية الثقافية كما يسمونها حين بدأت تتخلص تدريجيا من شموليتها ومن البنى المهترئة التي ميزت مسارات الماركسية التقليدية والنقد السوسيولوجي الماركسي الذي وصل إلى حد التشبع والإنغلاق النظري في فترة من فترات التاريخ حدث كل ذلك بتأثير من طروحات أحد رواد مدرسة فرانكفورت النقدية وهو المفكر الألماني  تيودور أدورنو الذي كان يقدم على صعيد النظرية النقدية في شقها المتعلق بالصناعة الثقافية ما مكن جماعة رايموند ويليامز على تأسيس مجلة هي مجلة “اليسار الجديد” التي ستحمل على عاتقها مهمة  التطلع  لبدايات تشكل المنطلقات النظرية الأولى في الدارسات الثقافية عبر المدخل الأساسي لذلك المشروع وهو المادية الثقافية ومعنى ذلك حسب توصيف الدكتور معن الطائي أنه جرت ” إعادة تقييم شاملة لمفاهيم مثل التمركز الفكري والإيديولوجيا وحتى المفهوم الأنطولوجي للذات والوعي ومفاهيم أخرى مثل الإختلاف والهيمنة والخطاب وعلاقات المعرفة والقوة والتقويض ” (31) في هذه الأثناء كان الناقد الأمريكي ستيفن غرينبلات يقدم في بريكلي بجامعة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية محاضراته التي ستتحول بعد سنوات إلى المشروع الذي دعى إليه المتمثل فيما يسميه بالشعرية الثقافية ومفهوم الشعرية لا يعني الشاعرية بالضرورة بل يعني الأدبية أو ما يجعل الأدب أدبا كما جاء في شعرية تودوروف رغم أن تودوروف كان يتكلم عن شعرية أخرى هي الشعرية البنيوية التي ميزت بواكير أعماله النقدية وتنظيراته الشكلانية وهو أمر يختلف تماما عنه في الشعرية الثقافية التي لا تكتفي بتحليل البنى الجمالية واللغوية والدلالية في النص التي وصفها تيودورأدورنو ” بالوحشية الجمالية ” عندما كان يرى بمعية زميله في مدرسة فرانكفورت النقدية ماكس هوركهايمر  أن ” إعادة إنتاج الجمال آليا لهو في خدمة التعصب الثقافي الرجعي عبر تأليهه الشديد للفرادانية ” (32) وتعتبرها أنساقا مغلقة لا تمكن الناقد الثقافي من الكشف عن مصادر الهيمنة الثقافية المتنازع عليها بين النصوص والخطابات الثقافية والأنواع الشعرية فلا وجود في منظور الشعرية الثقافية بصفة خاصة والنقد الثقافي عموما  لنص فوقي أو نص تحتي لنص رسمي  أو لنص شعبي   أو للنصوص المتعالية على التاريخ والقارئ ولنصوص ” الهامش اليقظ ” بتعبير عبد الكبير الخطيبي أو للذوات المتأخرة جيليا وعمريا أو تلك التي أجبرت على الصمت والأنزواء لظروف تاريخية لا دخل لها فيها ولا فرق عندها بين نصوص الجندر الذكر والأنثى والشعرية الثقافية وإن كانت لا تتنكر ” لجماليات الحداثة الرفيعة ” حسب توصيف الدكتورة ماري تيريزعبد المسيح أو ” إسطورة الأدب الرفيع ” بتعبير عالم الإجتماع العراقي علي الوردي فإنها في المقابل أيضا تحاول البحث عن جماليات أخرى جرى طمسها عبر فترات من التاريخ الشعري من دون السقوط بين مهاوي أسئلة المقايسة الشعرية حتى عندما يتعلق الأمر بالكشف عن الأنساق المضمرة  من داخل النصوص المضادة أو ” السرديات المضادة ” حسب المفهوم الذي صاغه الدكتور معن الطائي وليس من الغريب أن يتزامن ظهور الشعرية الثقافية مع ” حركات ما بعد الكولونيالية إستجابة لقراءة إدوارد سعيد للإستشراق وخطابات النقاد الأمريكيين الأفارقة وكتابات الأقليات الثقافية والنسوية وغيرها ” (33) وضمن هذا السياق تشخص القصيدة النثرية من خلال ” أوجاع باردة ” و” الليل كله على طاولتي ” بعض أعراض الذات الثقافية وهمومها  الثقافية والوجدانية في عملية هي أشبه بالكشف عن الأنساق الثقافية المضمرة للطرف الضعيف المناوئ لنصوص الحداثة الشعرية الشكلية كما لنصوص القصيدة النظامية ممثلة في شعراء العمود الشعري   على الطريقة التي تتجلى فيها شعرية اليومي أو نثر الحياة اليومية التي جعل منها كما أشرنا ستيفن غرينبلات المحور الأساسي لنظريته في الشعرية الثقافية وهي الشعرية التي لم يكن من الممكن أن تحتويها القصيدة النظامية  حتى ولو أرادت ذلك مع الأخذ بعين الإعتبار أن النصوص التي هي أمامنا ليست هي قصيدة النثر التي كتبها جيل الرواد في الستينيات من القرن المنصرم من خلال مجلة شعر لأدونيس ونصوص يوسف الخال وغيرهما خاصة وأن مبدع هذه النصوص ينتمي إلى جيل جديد هو جيل ما بعد التسعينيات الذي أفاق على ” موت السرديات الكبرى ” بتعبير جان فرانسوا ليوتار لليوتوبيا الشعرية العربية التي راهنت على ميلاد الإنسان الجديد وعلى عودة غودو الذي لم يأت وزيف خطاب التنوير الأحادي الجانب و”الحرب الأهلية الجزائرية ” وتراجع دور ” المثقف الهووي” المتمسك بالهوية المحجوبة والذي لم ستوعب التحولات التي تعرفها الثقافات والمجتمعات السائرة نحو تجديد رؤيتها للواقع والتاريخ وبالتالي فإن الأمر يتعلق بقصيدة أخرى هي قريبة جدا من الإنشاء المفهومي كما ورد ضمن رؤية الناقد العراقي عباس عبد جاسم وهي ” قصيدة النثر المغايرة ” والتي يرى أنها

تتشكل من الأسئلة التالية

“- قلق الهوية

- كونية الذات

- حرية الجسد

- قوة اليومي

- نثرانية القصيدة “(34)

 ويسبب من ضيق الفضاء الذي تفرضه الشعرية العربية في نسختيها العمودية وقصيدة التفعيلة من خلال قوانينها  الداخلية وأنظمتها المغلقة إتجه عدد من شعراء قصيدة التفعيلة إلى الكتابة الروائية لقول ما تقله قصيدة التفعيلة التي ضاقت بهم بينما عرفت قصيدة النثر بعض التطور الماثل في الإتكاء على شعرية اليومي وكتابة نصوص هي أشبه مما يسميه ستيفن غرينبلات نثر الحياة اليومية كنوع من الأنساق المضادة  لقدرة اليومي ولنثرانية القصيدة  خاصة عندما تنفصل  الذات عن كل ما يكبلها من إكراهات وأسيجة ظالمة وإذ ما أخذنا مفهومي ” نثرانية القصيدة وقوة اليومي ” كبعض من الأسئلة التي قال الناقد العراقي عباس عبد جاسم أنها تمثل المكونات الأساسية لشعرية قصيدة النثرما بعد جيل الرواد  فإننا نجد هذين العنصرين هم اللذان أسعفا الشاعر على نقل نصية هموم الذات الثقافية  والوجدانية  وصهرها في بوتقة نص النثر اليومي ساعدته في ذلك قدرته على ” التوصيف الكثيف ” حسب المفهوم الذي يوظفه ستيفن غرينبلات وهو مفهوم آخر ينتمي إلى حقل الأنتربولوجيا الثقافية ويمكن العثور عليه في أبحاث الأنتروبولوجي كليفورد غيرتز في كتابه “تأويل الثقافات ” الأمر الذي لم ينكره ستيفن غرينبلات نفسه مثلما يحيل إلى ذلك  الدكتور معن الطائي إذ يشير غريتزأن على الأنتروبولوجي أن ” يصف الظاهرة الإنسانية بإرجاعها إلى سياقها الإجتماعي والثقافي  بهدف التعرف على دلالاتها ومضامينها الرمزية ” (35) ولا حتى أحد الأعضاء الفاعلين في مدرسة التاريخانية الجديدة وهو لويس تايسن في مقالته ” التاريخانية الجديدة والنقد الثقافي ” كما سنرى بوضوح في المقاطع التالية

” الكتابة

طرق خفيف على الباب باب مفتوح على إمرأة مغلقة

الكتابة

أنت أجمل من فكرتي لذا أستعين عليك بالفنون والموسيقى

الكتابة

خبل يعقل معناه أقفز ماسكا شهقتي  من أعلى مبنى

في زقاق الصفحة (36)

 وفي بعض المقاطع الأخرى تتخلل “نثرانية القصيدة ” حوارية ثقافية بين الذات والذات أو ” الذات عينها كآخر ” بتعبير بول ريكور يتم اللجوء فيها إلى اللغة بوصفها ” مسكن الكائن ” كما يعبر هايدغر وهي هنا اللغة العارية التي تسأل الشاعر في مواجهة صريحة تنبني على سؤال تركيبي يبقى معلقا دون جواب ودون إستطراد مغلق على النحو الذي نراه في قوله

“تسألني لغة عارية بأن سريرك في النص بارد

وأنك وحدك دون مجاز (37)

 وفي الوقت الذي يصل فيه “التوصيف الكثيف ” إلى الحدود التي لم يعد معها مواصلة القراءة دون تركيز كما رأينا نجد الشاعر في نص آخر من مجموعتة الشعرية ” الليل كله على طاولتي ” النص الذي حمل عنوان ” تشرب سبخة أقدامك ” يعود ليخفف من وطأة التوصيف الكثيف كأن الأمر يتعلق بنوع من “الإرجاء” بمفهوم ديريدا  أو ” التعديل ” بمفهوم غياتري سبيفاك التعديل الذي تفرضه تباين مستويات الكتابة بين نص وآخر وهذا أمر يحدث لدى مختلف التجارب الإبداعية العربية منها أو غير العربية فلا يمكن أن يحافظ أي شاعر مهما بلغ من الموهبة والعبقرية على مستوى واحد من أنماط الكتابة الشعرية وأساليبها والأسئلة الحاضنة لها غير أن هذا التعديل لا يدوم طويلا فسرعان ما نجد الشاعر يقدم للقارئ نصوصا أخرى تتناص على صعيد الفضاء النصي مع ما يسميه الناقد العراقي عباس عبد جاسم ” مطولات قصيدة النثر/ تشغيل إمكانات النثر المعطلة ” والهدف من ذلك كما يقول عباس عبد جاسم ” للإفادة منها في كيفية بناء التعالق بين دلالة الشكل ومحتوى الدلالة ” (38) في هذه النصوص يترك الشاعر العنان للغته  التي لا تحدها حدود أو ضوابط لتقول اليومي والمكبوت والمنسي والمغيب رابطا بعض التعالقات الآخرى مع الذوات المغيبة وتلك التي جرى السكوت عنها في الخطابات الرسمية والخطابات العاقلة الخطابات التي كان يرى ميشيل فوكو أن المفهوم المرئي للسلطة يتجلى من خلال هذه الفروقات الموجودة بين الفئات الإجتماعية المطمورة في دهاليز العقاب والنسيان كآخرين لا نعرف شيئا عنهم مثل المعتوهين والمجانين والنساء المنبوذات إجتماعيا أو ” الجنس الثالث ” بتعبير سيمون دي بوفوار الذين حلت محلهم في النص شخوص أخرى قريبة منهم ومنسية مثلهم   على غرارالأقرع  وحارس المقبرة وعارضات الأزياء عبر لغة تروي كل ذلك في نص يمرر فيه الشاعر هواجسه وملاحظاته ناثرا أمام القارئ مشاهدا وصورا لتوصيف كثيف لايفتأ يذكرنا بما لم نقله أو سكتنا عنه فتولت ذلك القصيدة التي لم تعد خرساء صانعة بذلك الإنحراف الذي تحدث عنه الدكتور معن الطائي بأثر من فوكو القائل ” أن كل حقبة في تاريخ الثقافة الإنسانية تنتج منطومتها القيمية والمعيارية والمفاهيمية وعلى أساس ذلك يتم ما هو مقبول إجتماعيا وثقافيا وما هو غير مقبول أو موسوم بالإنحراف ” (39) الإنحراف الماثل في عبارة جيل دولوز الشهيرة ” الفلسفة المنحرفة ” التي تعني ” ممارسة الإستفزاز لأن فلسفة الإنحراف هي فن غريب في التعامل مع السطح ” (40)ولعل هذا التعامل ما يعني أن النص من هذا المنظور يقدم نقدا لاذعا لأدوات الشعرية العربية في سياقاتها القيمية والأنطولوجية التي حرصت على الإحتفاظ بقراءتها الخاصة للتاريخ تاريخ الأفراد والجماعات في إقصاء متعمد للآخر من وجهة نظر ثقافة النظام الشعري العربي ” ثقافة واحدة تتجرأ مع ذلك على تقديم النسخة الصحيحة والوحيدة للتاريخ ” (41) بما في ذلك تاريخ الأفراد والمنسيين والصامتين وأولئك الذين جرى عزلهم أو إسكاتهم كما حلل ذلك فوكو في كتابه القيم ” المراقبة والعقاب ولادة السجن ” الأمر الذي سمح له بالقول

أعرف مقهى الأقرع وبعض الأصدقاء المملين جدا

أعرف مخابئي وكل أماكني المعتادة بحي باب الشارف

أعرف رقم حسابي وآخر الرسائل القصيرة على هاتفي

أعرف جملة والدي السحرية سقد روحك يا البوهالي

أعرف طريقي الأول وأغنية حسني كي تكوني معايا

أعرف طريقي الطويل ونومي على الطاولة (42)

حتى أنه لم يجد مانعا في إستدعاء إمرأة بلا رأس كماقال

” أدعو إلى قهوتي صورا مائلا لإمرأة بلا رأس

أشرب من فنجانها الذي أملأه

بالحديث الطويل عن تفاصيل يومي الممل

أشربه باردا حفاظا على لياقة جثتي ” (43)

ولم يتردد أيضا في الإعتراف بأنه لم يأكل أحدا داخل نصه

على سبيل التركيب

   هل إستنفذنا كل أنماط التحليل والقراءة الثقافية التي إفتتحناها بتفكيك الدلالة الثقافية للإسم والتي سمحت لنا من المرور عبرها إلى ماوراء النص والنصوص التي حملتها المجموعتين الشعريتين ” أوجاع باردة ” و ” الليل كله على طاولتي”  للوقوف على بعض ما أتاحتة لنا أدوات هذه القراءة الكفيلة بالكشف عن الأنساق المضمرة لا أعتقد أن المهمة إكتملت فلا زالت إمكانات أخرى لم يتم الكشف عنها ولسنا من المؤمنين بالقراءة الصحيحة أو الوحيدة للكتابة والتاريخ على غرار ما تعترض عليه مدرسة التاريخانية الجديدة من حيث رفضها لوجود قراءة واحدة وصحيحة للتاريخ من طرف ثقافة واحدة مثلما أشار إلى ذلك لويس تايسن ولسنا أيضا من المنساقين وراء مبدأ براءة القراءة فلا وجود أبدا لقراءة بريئة هكذا يردد جاك ديريدا وكل القراءات في منظورديريدا  هي “إساءة قراءة ” غير أننا فتحنا بابا كان مغلقا في وجه النص والنصوص التي حملتها المجموعتين الشعريتين هو باب القراءة الثقافية بوصفها القراءة التي نرى من وجهة نظرنا أنها قراءة بالطبع تختلف جذريا وعميقا عن القراءة النصية المغلقة والقراءات الإنطباعية والتاريخية بإختلاف المنطلقات النظرية لكل قراءة والنتائج المتوصل إليها في صلب البحث عن آثار إنتاج المعنى والدلالة من النص وهو هنا بالنسبة للقراءة الثقافية المعنى الثقافي الذي غيبته القراءات النصية والبنيوية والسيميائية وغيرها من القراءات السابقة عليها أو المتزامنة معها والمعنى الثقافي الذي نعنيه   ليس معنى واحدا كما قد يتصور البعض فبالنظر لإنفتاح النقد الثقافي على مختلف حقول المعرفة الإنسانية وتعدد الأدوات الإجرائية التي تتيحها له شبكة التداخل الناجمة عن تفاوض مقولات الفكر والمعرفة المتوسلة بما هو أكثرإثارة  لأنماط العيش المشترك أو ” الحياة المشتركة ” بتعبير تودوروف  بين النصوص والخطابات الثقافية الصادرة عن الذوات المختلفة ثقافيا وغيريا يمكن للقارئ وللناقد الثقافي إن أراد ذلك ومكنته خبراته القرائية والإجرائية أن يذهب بعيدا إلى حد الكشف في النص الواحد على أكثر من معنى ثقافي بل على عدد من المعاني والأنساق الثقافية المطمورة بين طيات النص والنصوص القابلة للقراءة وللقراءات الثقافية المتعددة وهو أمر لم يكن من الممكن بلوغه بالنظر لإطار الدراسة والفضاء الحاضن لها مما فرض علينا تثبيت حدود هذه القراءة ومن ثم الإلتزام بالأفق الناظم لها  ضمن معطى يتقصد الإختزال المنتج في الأداء وترك ما لم نأت على الولوج إليه إلى غيرنا من النقاد والدارسين الذين تعنيهم هذه التجربة  أو تلك من قريب أو من بعيد

إحالات ومصادر

01)القراءة التاريخية للنصوص وكتابة النصوص التاريخية – ماري تريز عبد المسيح مجلة فصول القاهرة – ص  168العدد 67  2005

02)الإسم العربي الجريح – عبد الكبير الخطيبي ترجمة محمد بنيس –ص 20 دار الجمل – بغداد / بيروت 2009

03) بيولوجيا النص في تصور رولان بارت قراءة في كتاب s/z– وهيبة جراح مجلة سيميائيات جامعة وهران – ص 195 العدد06 – 2016

04)أسئلة الكتابة – موريس بلانشو – ترجمة نعيمة  بنعبد العالي  وعبد السلام بنعبد العالي العالي – ص 62  – دار توبقال الدار البيضاء الطبعة الأولى 2004

05)كلب رامبو – حسين خمري – كراس الثقافة جريدة النصر 01 / 10 / 2017

06)سرد الذات ومخاتلات المسمى – حسين خمري – كراس الثقافة جريدة النصر 12 فبراير 2018

07)الشعر وأفق الكتابة – صلاح بوسريف – ص  137 منشورات الإختلاف وضفاف الطبعة الأولى 2014 بيروت / الجزائر         

08)الشعر وأفق الكتابة المصدر نفسه – ص 139

09)نفس المصدر – ص 139

10)نفس المصدر ص 140

11)نفس المصدر ص 140

12)النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية – عبد الله الغذامي – ص 157 الطبعة الثالثة  المركز الثقافي العربي بيروت 2005

13)أوجاع باردة – محمد بن جلول – ص 05 دارميم الجزائر 2010

14)نفس المصدر ص 08

15)النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية مرجع مذكور ص 159

16)الليل كله على طاولتي – محمد بن جلول – ص 57 دار ميم للنشر الجزائر 2015

17)نفس المصدر ص 46

18)نفس المصدر ص 59

19)علم النص – جوليا كرستيفا –ص 08 ترجمة فريد الزاهي – دار توبقال الدار البيضاء الطبعة الثالثة 2014

20)قصيدة النثر أوالقصيدة الخرساء – أحمد عبد المعطي حجازي – ص59 كتاب دبي الثقافي الطبعة الأولى 2008

21)المصدر نفسه ص 43

22)نفس المصدر ص91

23 )سياسات الضيافة  شذرات من خطاب في الغيرية – رشيد بوطيب – ص 17 منشورات دارتوبقال الدار البيضاء الطبعة الأولى 2016

24) ضغينة النثر على الشعر – فتحي المسكيني – جريدة الإتحاد الإماراتي 22 مارس 2018

25)سرديات ثقافية من سياسات الهوية إلى سياسات الإختلاف – محمد بوعزة – ص 48 –منشورات الإختلاف وضفاف – الجزائر / بيروت 2014 نقلا عن دراسات التابع تفكيك التاريخ جياتري تشكرافورتي سبيفاك – ص 123 ترجمة سامية محرزمجلة ألف العدد 18 سنة 1998

26) تأريخ التاريخانية الجديدة وإشكالية العلاقة مع اليسار الجديد – جريدة المثقف العدد 1248 بتاريخ 06/12/ 2009

27) النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية مرجع مذكور ص 158

28) الجنوسة النسقية أسئلة في الثقافة والنظرية – عبد الله الغذامي – ص 30 المركز الثقافي العربي بيروت الطبعة الأولى 2017

29)نفس المصدر ص 35

30) الليل كله على طاولتي مصدر مذكور ص 05

31) ) تأريخ التاريخانية الجديدة وإشكالية العلاقة مع اليسار الجديد مصدر مذكور

 32 ) صناعة الثقافة التنوير بوصفه خداعا جماهيريا – تيودورأدورنو وماكس هوركهايمر- ترجمة خالدة حامد – ص 28 مجلة فصول القاهرة عدد 65 خريف 2004 وشتاء 2005

33)القراءة التاريخية للنصوص وكتابة النصوص التاريخية مصدر مذكور ص 165

34)الطلوع وسط إنهيار اليقينيات قصيدة النثر ما بعد مرحلة الرواد – عباس عبد جاسم – ص 80  مؤسسة مومنت كتب رقمية لندن 2014

  35  )  تأريخ التاريخانية الجديدة وإشكالية العلاقة مع اليسار الجديد مصدر مذكور

36)الليل كله على طاولتي مصدر مذكور ص 80

37) نفس المصدر ص 77

38)الطلوع وسط إنهيار اليقينيات قصيدة النثر ما بعد مرحلة الرواد مصدر مذكور ص 110

39)ميشيل فوكو بين التاريخانية الجديدة والمادبة الثقافية – معن الطائي – الحوار المتمدن العدد 1467 / 20/02/ 2006

40) نسق المتعدد أو جيل دولوز – فيليب مانغ – ترجمة عبد العزيز بن عرفة ص 237- دار الحوار اللاذقية سوريا الطبعة الأولى 2003

41) التاريخانية الجديدة والنقد الثقافي لويس تايسن – ترجمة لحسن أحمامة ضمن كتاب التاريخانية الجديدة والأدب المكز الثقافي للكتاب الدار البيضاء 2018

42) الليل كله على طاولتي مصدر مذكور ص 60

43) نفس المصدر ص 54

/

* قاص وناقد من الجزائر

اترك تعليقا