جريمة حي الحدائق / قصة قصيرة / علي قوادري *
بواسطة admin بتاريخ 4 يوليو, 2018 في 12:26 صباح | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 152.

أعترف أن هوسي بالأدب والقراءة والفلسفة بقي  يلازمني رغم اعتراض والدي الدركي المتقاعد على توجهي آداب ولغات ،فوالدي أصر أن أدرس الحقوق كي التحق بمدرسة الشرطة كمحقق فهو يعشق شخصية المحقق كولومبو ومحققي  روايات آغاثا كريستي الشهيرة..

لم أشأ أبدا أن أعاكس والدي خاصة وأنه يعاني من مرض السكري،التحقت بكلية الحقوق وكنت الأول في دفعتي  ولكني بقيت اقرأ  ما يقع بين يدي من روايات وفلسفة وأدب وبقيت أنظم الشعر سرا عن أبي وجهرا بين زملائي..

رماني القدر في تلك الولاية السهبية ، يشتهر أهلها بالكرم والجود والطابع البدوي الساذج والبعيد عن كل تعقيد..

سعدت بعملي كثيرا لأنه لا مشاكل ولا تعقيدات في الجرائم التي تحدث يوميا ماعدا ما تعلق بموسم الحرث، حقيقة لا تحتاج لإعمال الفكر والتحري..

قبل أن يتم تحويلي وفي غرة أفريل ،رن هاتفي بعد منتصف الليل ،كان صوتا مثل الهمس ،لا أكاد أتبين نبراته،ربما أراد صاحبه أن لا يُعرف لاحقا:

-هل أنت المفتش حميد؟

رددت ببرود:

-نعم

رد الصوت بسرعة مغلقا الهاتف:

-لديك جريمة قتل في حي الحدائق….

انتهت المكالمة وتنبهت أني لا أحلم وأني مستيقظ ،تحسست المنبه القريب من سريري لأكتشف الوقت ثم عدت مستلقيا قائلا في نفسي إنها كذبة أفريل ، فقد دأب بعض الأصدقاء والأقرباء عليها كلما أتى هذا الشهر …

عند الفجر كان مساعدي يطرق الباب مناديا باسمي، نهضت فاتحا باب الشقة، قال في ذعر وقد تغيرت ملامح وجهه:

-سيدي جريمة قتل في حي الحدائق..

دون أي تعليق أسرعت مرتديا ملابسي ،في ظرف قصير كنا أمام جثة شاب وسيم يبدو عليه العز وحسب ما أخبروني هو ابن أحد أعيان البلدة،جامعي ولاعب كرة في الفريق الأول..

رحتُ أتفحص الجثة، لا تبدو عليه علامات عراك، رائحة خمر، وبقايا أحمر الشفاه على رقبته..تبدو جيوبه فارغة ويبدو أن القاتل سرق ما بقي في جيبه..

أخبروني أن الشقة للضحية يلتقي فيها بشلة من الأصدقاء نساء ورجالا، يستمعون للأغاني ويمارسون الرقص ولعب القمار..

دوَّى صوت أستاذنا إلياس أول خيط للبحث..

-ابحث عن المرأة!

بعد تحريات عديدة ،عرفنا العشيقة وعرفنا شلة المرحوم ،وأدرك الجميع الخوف والهلع، ذبذبات أصواتهم وسمات وجوههم مرايا تعكس ذواتهم..

استجوبتهم حتى تكونت لدي قناعة أن لا أحد منهم له مصلحة في خسارة الشاب صالح، فالكل مستفيد..

كانت وصال، عشيقة صالح والقادمة من قرية داخلية هي بقايا الأمل، لكنها غابت في نوبة من البكاء والضحك وهستيريا

عكست خوفها مثلما عكست براءتها..

صرخ صوت أستاذنا إلياس مجددا..

-إياكم أن تنجروا وراء عواطفكم..!

سألتها وأنا أسقيها ماء:

-أليس لصالح أعداء… ؟

-لا لا أعداء …..الكل يحبه حتى كعباش الدرويش…

التفت إليها كمن يمسك بصيد ثمين:

-من كعباش؟!

ابتسمت رغما عنها كأنها تبحث عن لحظة للنسيان والانفلات من مصيبتها..

-كعباش مسكين ودرويش ..كم هو مضحك..كثيرا ما أمسك بيدي وهو يقول لي دعينا نتزوج ونهرب من هنا..أنا عشت عقدة أوديب لعلك عشت عقدة ألكترا..كان غريبا في أقواله وأفعاله..

أشعلت سيجارة ورحت أستمع مما شجعها على الاسترسال:

-قال لي لا يغرنك مظهري ..هاملت لم يكن هكذا ..كما حدثني عن جنون تاس واكتئاب سويفت وهذيان روسو وانتحار همينغواي وجنون نيتشه ومثلية صاحب الدون كي شوت  ميغيل  دي سيرفانتس ..كان يقرأ لي أشعارا غريبا ويحدثني عن فلسفة الحلول ،وأنه غير هذا الذي أراه..تلك الأسماء التي ذكرتها أعادتني للقارئ الذي كنته سنوات الثانوية والجامعة ، والباحث عن قراءة الفلسفة الوجودية والإلحادية والميتافيزيقية وجلسات مع زملاء من نفس الفصيلة والميول..

مرت تلك الليلة طويلة وأنا أكوٍّن صورة عن شخص زهدي ودرويش يعرف هذا العالم وهو البدوي فحسب ما تجمَّعَ لدي أنه قادم من بادية ليست بعيدة عن مقر الولاية ،وكان متفوقا في دراسته حتى تلك اللحظة التي ماتت فيها أمه ففقد وعيه بعد أن دفنها ومنع وهو يحمل منجلا أن يقترب من قبرها أحد..

قبل أن نجده قرب قبر أمه في حالة يرثى لها، استجوبنا كبار المنطقة عنه وعن أمه..

قيل لي أنه قبل أن يستقر هو وأمه راعيا في أرض السيد رمضان ،كان كعباش يتردد كثيرا على أحد الأساتذة والكتاب المعروفين في القرية يستعير منه الكتب يلتهمها التهاما وهو مع القطيع لا يفارقه نايه المصنوع من القصب..

توقفت عند اسم رمضان واكتشفت أنه هو والد الضحية صالح ..

بعد تتبع الخط الرقيق تجلَّى لي أن السيد رمضان كان على علاقة غير شرعية مع أم كعباش وأنه ذات عودة وجدهما معا..بعض الأقاويل ذكرت لنا أنه والد كعباش…

قررت أن يفتح قبر الوالدة ويتم تشريحها، وبعد أن قرأت التحليل تأكد شكي وتبين لي أن الوالدة وصالح توفيا بنفس السم وقد تم الاعتداء عليهما جنسيا من الدبر..

سم يحضر من نبتة برية لا يعرفها غير البدو..

حين بدأ التحقيق ،راح كعباش يمارس جنونه ويتكلم بلغة المجانين وكان علي الصبر ..وجدتني أمام شخصية مركبة وذكية ولا يمكن إثبات أنه غير مجنون..

الخطأ ممكن ولكن علي ببعض الحيل والعاطفة وحدها نقطة ضعف سأستعملها آخر ورقة..

وألقيت إليه بوصال، لما رآها، تغير كل شيء وراح يمسك يدها ويتجول بين شلالات شعرها، قال في ود وصبابة:

-وصال من أجلك ضربت عصفورين بحجر..السفسطة التي تمكننا من تغيير الملامح، هم لا يأخذون بالحكمة القائلة :خذوا الحكمة من أفواه المجانين،أنا أخذتها من قراءاتي عن فلاسفة كثيرين من مكتبة الأستاذ بولرباح في قريتنا،كنت اسرق لحظات وأعود،حتى جاء ذاك اليوم المشؤوم،  لما عدت للبيت من أجل كتاب نسيته، رأيتهم بأم عيني ،يمارسان الجنس وكؤوس الخمر مترعة،لم أصدق ولم أتصرف ولم أتحرك..

لبس ملابسه وقبل أن يغادر أمسكت بيده، راح يتوسل إلي كأي ذليل أن أتركه يذهب..

طالبته أن يعطيني كل ما يملك من نقود، أفرغ جيوبه ومضى في سبيله، وبقيت أنظر إليها..

في أسبوع قرأت تراجيديا أوديب وفي الليلة الأخيرة من مارس قررت الانتقام، سقيتها مسكرا ومارست الجنس معها مرات ثم كان السم وكان الدفن وكان هملت يسكنني ،وانتظرت أن أنتقم من السيد رمضان فكان صالح هو الضحية..اخترت أول أفريل وأرسلت إليه برسالة باسمك حتى إذا جاء قتلته ..كنت أنت أكثر سبب لقتله..

أنا أحببتك ولا يمكنه أخذك مني كما فعل والده..إما أن تهربي معي وإما أن أقتلك ولا جنحة على مجنون..

لما أنهى جملته الأخيرة، أحطنا به بسرعة البرق، حاول ممارسة جنونه إلا أنه لم يكن يعرف أن كلامه سُجِّلَ كله..

كنت سعيدا لأني سأغادر وسر الجريمة تم فكه بنجاح لولا أنهم أخبروني أن كعباش انتحر في زنزانته وقد خط على الجدار ما يلي:

(وما نفيق من السكر المحيط بنا إلا قيل هذا الموت قد جاء )

قضيت أكثر من أربع ساعات حتى تمكنت من تذكر صاحب البيت ، أبو العلاء المعرى، وكم تهت مع لزومياته وفلسفته الغريبة..

أعترف أن ذاكرتي تحتاج إنعاشا ووحدها عادة القراءة من تفعل هذا..

/

* قاص وشاعر من الجزائر 

اترك تعليقا