أسئـــلة الحداثة / د عبد الله حمادي *
بواسطة admin بتاريخ 27 يوليو, 2018 في 09:17 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1310.

كثُر الحديث هذه الأيام عن الحداثة الشعرية، وتردّد هذا المصطلح في العديد من اللقاءات الشعرية خلال هذه السنة، ودار من حولها حديث ذو شجون كما يُقال ، وبهذه المناسبة أأردت من باب ” تحميض الكلام ” كما يُقال أن أُدلي ببعض القول في هذه المسألة الشائكة والشيّقة في آن واحد؛ إنّ الحداثة هي مصطلح غربيٌّ بامتياز لسبب بسيط كون منتجها لا بدّ أن يكون على درجة عالية من التطور الفكري والتقني، وعلى درجة عالية من الثقة بالنفس، والحداثة في جوهرها لا تُعرّف لسبب بسيط كونها لو عُرّفت لانتهت أن تكون حداثة؛ لأنّ الحداثة هي مشروع مفتوح على المُطلق لا يعرف الحدود ولا يلتزم بقيود، وغايتها ليس إدراك الحقيقة ولا البلوغ إلى غاية ما، بل هي ضدّ فكرة الوصول إلى غاية أو هدف، فهي بلا غاية وبلا أهداف، بل هي رحلة استكشاف دائمة البحث عن فتوحات جديدة، وكلمّا أدركت غاية سارعت إلى تجاوزها؛ لأنّ التجاوز هو من سمات الحداثة الجوهرية، وغاية الحداثة ليس الوصول إلى غاية بعينها ولا إدراك حقيقة ثابتة، بل هي السعي على غير منوال سابق، ورفض الاحتذاء والسعي لإدراك ما لا يُدرك، والظمأ الذي لا يعرف الريّ… تُرى هل في ثقافتنا التراثية العربية ما يشبه هذه النزعة الاستباقية ؟ في رأيي المتواضع لو عدنا إلى تراثنا الإبدعي بالتقصّي والتمحيص لعثرنا على بعض الملامح التي تجعلنا نستشف منها هذه الروح التي لا أقول تمرّدية أو تجديدية لأنّ مثل هذه المصطلحات لها مدلولها المحدود بالزمان والمكان ويختلف كلية عن هاجس الحداثة، وأقول هاجسا لكونه قد يوجد في كل زمان ومكان ولكن كيف يتمّ الكشف عنه فهذا ما سنحاول الولوج إليه من خلال استنطاق بعض المواقف التراثية التي تكشف عن الروح الحداثية النزّاعة إلى الخلق والبعيدة عن الاحتذاء: في تراثناالعربي الإبداعي هناك العديد من الومضات الحداثية، وحتّى لا أعدّد الكثير منها سأكتفي بذكر ثلاثة أسئلة تراثية أعتبرها من صميم الحداثة بمفهومها الكوني وليس المحلي ولا الإقليمي؛ أول هذه الأسئلة الحداثية في رأيي وردت على لسان الشاعر العباسي الكبيرأبو تمام الطائي، وهنا لا أعني به كمجدد كما هو معروف ومُتداول بين النقاد القدامى والمحدثين، بل أعني به كأول من طرح سؤال الحداثة بجدارة ووضوح ، وعن دراية ووعي بما يقول وما يفعل في ميدان الإبداع الشعري؛ لقد تقدم الشاعر ببضاعته الإبداعية لأحد وُجهاء الدولة العباسية ليمدحه وينتظر المكافأة كغيره من الشعراء، وسلم قصيدته لوكيل أعمال الممدوح المسؤول عن ذائقة سيّده، لكن بعد قراءته لقصيدة أبي تمام اشتمّ فيها رائحة الخروج عن المألوف والسائد، وفيها درجة من الغموض ليس من السهل فهمها ، ووجدها مستعصية وتحتاج إلى الكثير من التدبر وإعمال العقل والاحساس، فردّها على الشاعر قبل أن تصل إلى الممدوح وقال له الآتي: ” لماذا تقول ما لا يُفهمُ يا أبا تمام ؟ فتأمل الشاعر مقولة وكيل الأعمال الذوقية لدى الممدوح وردّ عليه بسؤال الحداثة الأول من نوعه في تراث الشعر العربي قائلا له: ” ولماذا لا يُفهم ما يُقال ؟ إنّ عبارة : ” لماذا تقول ما لا يُفهم ؟ هي عبارة تناقض نزعة الحداثة، وهي عبارة تكشف أمامنا مسيرة الشعر العربي الذي كان من شروطه الأساسية أن يكون مفهوما ، وبالتالي على الشعراء أن لا يركبوا الغموض، ولا يجوز لهم التفكير فيه، وقد يكون مثل هذا الشرط المُجحف في حق الشعر العربي، مقبولا منطقيا في عصور ما قبل التدوين، وما قبل عصر الكتابة ، كما كانت الحال في الجاهلية التي كان اعتماد الشاعر فيها على ” الشفوية” ومن هناك كان لزاما عليه أن يقول ما يُفهم ويتجنب الغموض، ولا تهمه القصيد ككل بقدر ما يهمه البيت السائر في القصيد ليتمكن المتلقي من حفظه وترديده ، ولذا كان هم الشاعر قديما ” هو بيت ا لقصيد ” وليس القصيدة، لكن زمن الشاعر الطائي استفحل فيه التدوين، والقراءة ولم يعد الشاعر في حاجة لتوفير ” بيت القصيد ” أو البيت الذي يسير به الركبان، ومن هناك جاء ردّ الشاعر الطائي حازما وجازما ، وطلب ما يجب أن تكون عليه متطلبات الحياة الذوقية المأمولة ، وأنّ الشعر في نهاية المطاف هو كما يقول أبو تمام : ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت حِياضك منه، في العصور الذواهب ولكنّه صوْب العقول إذا انجلت سحائب منه أُعقبت بســـــــــحائب ومن هنا فالطائي كان يعي ما يفعل، ويمتلك رؤية غير مألوفة ، وهذا من صميم الحداثة التي تستوجب الكشف والتجاوز …. وسوف أواصل الحديث مع أسئلة أخرى من أسئلة الحداثة في التراث الإبداعي العربي

 

/

 

* شاعر وأكاديمي من الجزائر 

اترك تعليقا