عثمان لوصيف الشاعر الإنسان / د أحمد بقار*
بواسطة admin بتاريخ 5 أغسطس, 2018 في 02:02 مساء | مصنفة في حفريات | تعليق واحد عدد المشاهدات : 69.

عندما أريد أن أكتب عن شاعر بحجم ” عثمان لوصيف ” فعلي أن أستجمع كامل قواي العاطفية ، و لا أقول قواي العقلية ؛ لأن العقل تضيع بوصلته أمام رجل كهذا ، أستجمع كامل قواي العاطفية ؛ لأن كل كلمة ستخرج ستكون ممتزجة بعبق المحبة و الإعجاب لشاعر متفرد . 
” عثمان لوصيف ” شاعر إنسان ، بكل ما تحمله كلمة إنسان من معاني السمو و الرفعة و التواضع و حفظ الصلة ، و الترفع عن الدنايا ، و إيثار القليل من متاع الدنيا ؛ التي يكفيه منها كوب ماء و قطعة خبز ، على أن يتفرغ لقلمه و ورقته ، و شعره الذي يسكن روحه ؛ سكن المارد الذي لم يستطع منه فكاكا ، يقول في قصيدة ” الطوفان ” : 
إنني الإنسان الذي يرث الأرض بما فيها من أسى و انشراح 
فانشري الخــير يا صواري منايا و تراجع أيا زمــان الشياح 
عرفتُ ( الكتابة بالنار ) قبل أن أعرف صاحبها فوقعتْ بيني و بينها وشائج المودة و القربى ، فأحببتها ، و أحببتُ الطوفان ، و أطفالنا على الدرب ، و آه يا جرح ، و أغنية للفراشة ، و العناق الطويل ، و غيرها من قصائد هذه المجموعة الشعرية ، التي أنبأتْ عن ميلاد شاعر من طينة الكبار ، كيف لا ؟ و عثمان يفعل ما لم يفعل فنان و لا شاعر في زمنه ؛ إذ يقوم الرجل ببيع بيته في مسقط رأسه بمدينة طولقة – على ضيق الحال – من أجل أن ترى ( الكتابة بالنار ) النور ؛ ما يشي عن ميلاد شاعر يسترخس كل غال من أجل فنه . 
في الموسم الجامعي ( 2004 / 2005 ) كنت على مشارف نهاية السنة الأولى من الدراسات العليا ( الماجستير ) ، و لم تبرح ” الكتابة بالنار ” مخيلتي ، فقلت لزميل لي شاعر معي في الدفعة لذلك الموسم : إنني أفكر بجد أن تكون هذه المجموعة الشعرية لعثمان موضوع رسالتي في الماجستير ، فيخبرني أنه زميل معنا في الدفعة نفسها تخصص ( أدب عالمي ) ، فتملكتني دهشة و فرح ما الله بهما عليم . أخيرا سألتقي بهذا الرجل ، و أين ؟ في العاصمة .. و كيف ؟ إنه بقدر عجيب زميل معي الدفعة . 
التقيت الرجل ، و اكتملت ملامح ” الكتابة بالنار ” ، فيهديني نسخة من هذه المجموعة بخط يده ، و حاورته في أمر كونها موضوع رسالتي لهذا العام ، فلمحت في عيني الرجل بريقا فهمت منه لغة الفرح الممزوج بالحياء الجم ، فجاءت الرسالة بعبق فكري من نوع خاص جدا ، ثم توالت هداياه لي من مجموعاته الشعرية ، التي قاربت العشرين مجموعة شعرية ، فما أعظمه من جهد ! 
كثيرا ما أسمع و أقرأ عن الشعراء في تحسسهم لما يكتبون و يقولون في حين ميلاد النص عندهم ، لكن أحاسيسهم و دهشتهم و لجاجتهم تزول بالابتعاد زمنيا عن نصوصهم ، فلا يقرأونها كما قرؤوها لحظة ميلادها ؛ ربما لاختلاف شعور ميلادها عن شعور قراءتها ، لكن عثمان مختلف في ذلك ، فلما سلمني ( الكتابة بالنار ) ، قلت له : يا عثمان ، تعجبني جدا ” الطوفان ” ، ففتح الديوان ، و أهداني قطعة منها بصوته – و للعلم أن هذه القصيدة قالها أواخر سبعينيات القرن الماضي – و لشد ما أخذني صوته و إلقاؤه ، كنت أظن أن سيقرأها قراءة باردة لا تتعدى الشفاه ، لكنه راح يتلوها كأنها وحي يتنزل عليه اللحظة ، أو كأنها نص ولد عنده للتو . فأخبرته بإعجابي ، أو لعله أحس بذلك من خلال ملامحي ، فيقول لي : هذا عهدي مع كل قصائدي أتحسسها و أحبها كما يحب الرجل أولاده ، و أقرأ كل واحدة منها كأنما هي ولدت الآن و أنا معك . 
لقد خصني عثمان لوصيف بشرف مرافقته مرتين ؛ مرة حينما أبرق إلي بفرحته و هو يتحصل على جائزة من جمعية أمريكية بعنوان ( رجل العام the men of the year) ، متخصصة في مكافأة شخصيات صنعت إنجازا في ذلك العام ، فكان الرجل الذي اختارته هذه الجمعية تكريما له على إنجازاته في مجال جودة الشعر . فالتمس مني الذهاب معه إلى ساحة بورسعيد في الجزائر العاصمة ليغير قيمة الجائزة من العملة الصعبة إلى العملة الوطنية ، و فعلا رافقته من ” ساحة أودان ” مشيا على الأقدام مع متعة الحديث في هموم شاعر ، و ما هو كائن و ما ينبغي أن يكون ، حتى أحلتنا ساحة السكوار . أما المرة الثانية فقد خصني بضيافته عندي في غرفتي المتواضعة بالحي الجامعي ” عبد القادر بالعربي ( cub 1)” في باب الزوار بالجزائر العاصمة ، أقام عندي ما يقرب من أربعة أيام ، لم يكن يحمل معه إلا محفظته المتواضعة و يضع فيها رزمة أوراق و قلمين أو ثلاث لزوم هاجس الشعر ، و مشطا و منشفة هذا كل شيء ، فلم تكن له حقيبة فيها ألبسة متنوعة و قوارير العطر و البرفانات من آخر طراز ، و أدوات الحلاقة و الكريمات بشتى صنوفها ، رأيت في الرجل من خلال الأيام التي أقامها معي و يا ليتها كانت أطول من ذلك ، صورة الرجل المكافح الصبور ، الذي لا ينام من الليل إلا أقله ، فكلما استيقظت أشعرني بيقظته بكحة ملؤها الحياء . فيطمئن علي و أطمئن عليه . 
بقيتْ علاقتي بعثمان لوصيف طيبة جدا و ملؤها الاحترام المتبادل و الحياء الكبير ، فلقد زرت مرة مدينة طولقة لمعايدة بعض الأصدقاء هناك ، فالتمست منه زيارته في بيته للمعايدة ، فاستقبلنا ولده متحرجا من حرج والده لاستقبالنا ؛ لأن منزله متواضع جدا فاحترمت رغبته مع ما تحمله الروح من شوق لهذا الرجل الفاضل .. فما أعظمك يا عثمان حيا ! و ما أعظمك و أنت تموت بصمت .. ! 
يهمس في أذني عثمان يوما عندما شممت في شعره صوفية من نوع خاص فيقول : ” إن صوفيتي ثورية لا تدعو إلى الرهبنة ” ، يقول في ( العناق الطويل ) : 
لنا النيران نحـــبل في لظاها نراوغـــــها على حال بحال 
لنا الدنيا نفجــــرها ربيعا و نلبســـها آمانينا الغوالي 
إذا نادى منادي الحـرب قمنا إلى الميـــدان من غير انخذال 
سنملك هذه الدنيا اغتصابا و نأخذ بالحــــرام و بالحلال 
رحم الله عثمان لوصيف و هو في عالم اللحود ، و عاش فنه و شعره في عالم الوجود .

/

 

* ناقد وأكاديمي من الجزائر 

 

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. حياكم الله أستاذ قلولي بن ساعد ، و وفقكم الله لكل خير ، و شكرا على هذه اللفتة الرائعة .

اترك تعليقا