” المدينة الخالدة ” بين الواقعي والمتخيل ..قراءة في رواية : “المدينة الخالدة وسيوف الجن” للكاتب عبداني سليمان/د/ بهيليل فضيلة*
بواسطة admin بتاريخ 5 أغسطس, 2018 في 02:07 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 156.

المدينة الخالدة و سيوف الجن … نصّ روائيّ في جزئه الأوّل ، في طبعته الأولى لمؤلفه عبداني سليمان، صادر عن دار أم الكتاب للنشر و التوزيع سنة 2017 ، مهدى إلى العائلة و الأصدقاء، و إلى كل جزائريّ حرّ . الكتاب من الحجم الصغير حيث لا تتجاوز صفحاته 63 صفحة .

تبدأ الرواية بتقديم يجهّز فيه المؤلّف المتلقي ، و يشوّقه لمتابعة قراءة النّصّ حيث تحدّث فيه عن الأرض قبل آلاف السنين، عن سكانها، و ما جرى بينهم من حروب نتيجة الزعامة انتهت بسفك الدماء و انتهاء دويلاتهم، و تشتتهم في الأرض .. و لذلك خلق الله آدم، و أنزله إلى الأرض؛ ليحكمها البشر و تنتهي مملكة الجن و الشياطين، غير أنّ نبوءة الجنّ رأت أنّ عودة الحكم إليهم يتوقّف على ظهور المذنّب الأزرق.

من هنا تبدأ القصّة كما أراد لها مؤلفها ….إذ ينقلنا بعد هذه الرحلة التمهيد إلى الحديث عن الأرض في الوقت الحاضر كما يشير إلى ذلك العنوان حيث ينطلق من زمن محدّد أراد له أن يكون سنة 2016 ، و من شارع ديدوش مراد – لما له من رمزية تاريخية – بالجزائر العاصمة، من العمارة (ب) الواقعة في الطابق الخامس، داخل شقة تحمل رقم 12 بشخصية اختار لها اسم خلدون، هذا البطّال البالغ من العمر 35 سنة       ” … شبح البطالة يثبته في مكانه بأذرعه الطويلة ، لا يترك له مجالا للإفلات وولوج عالم الشغل …”([1])  فهو يبحث عن عمل يوميا غير أنّه لا يجد و قد فوّت فرصة لقاء عمل مع مدير مديرية تشغيل الشباب، فينطوي على نفسه ، و يبرّر ذلك بعصر الآلة الذي يفرض على الإنسان البطالة.

فما كان عليه إلاّ أن أخرج سيجارة، راح يحرق بها صدره، و يتصفح جريدة الشروق التي تركها أخاه المتعاقد مع الشرطة، شدّ انتباهه مجموعة من العناوين السياسية و الاقتصادية من تنظيم إرهابيّ يسمى (داعش ) الدولة الإسلامية في العراق و الشام، إلى انخفاض جنونيّ لأسعار البترول، إلى سقوط حر لبعض البورصات، و إفلاس شركات عالمية كبرى و تفوق اليورو على الدولار، و تسريح للعمال …..

في تلك اللحظات سرح بذهنه مليا، وراح يتساءل عن المخرج من هذه الدوّامة الكبرى التي تعصف به و بالبشر من بني جلدته، فاهتدى بعد تفكير طويل إلى فكرة هي بمثابة مشروع حياة أطلق عليه اسم المدينة الخالدة     ”  و أرسل تفاصيله كاملة عبر الأنترنت …” ([2]) ، خرج على إثرها من البيت مسرعا نحو مقهى أنترنت دون أن يتناول إفطاره الصباحي الذي اعتاد ألا يخرج من دونه، وراح يعرض فكرته على الناس، فتلقاها البعض بسخرية، و آخرون من مناطق مختلفة من العالم قدر عددهم بألف شخص رحبوا بالفكرة  و استساغوها، و لبّوا دعوته، و كان اللقاء في مدينة بالجنوب الجزائريّ تسمّى أدرار في الفاتح جانفي من سنة 2017 أي بعد انقضاء سنة من التفكير و التشاور مع الذّين لبّوا الدعوة .

التقى الجمع في مطار تمنراست، و بعدها انتقلوا إلى أدرار أين ستشيّد المدينة الخالدة . و فكرة المدينة الخالدة ليست وليدة العصر بل سبق إليها عظماء من قبل وإن اختلف المسمى كأفلاطون الذي حلم بالمدينة الفاضلة و بعده الفارابي.

هذا النصّ السردي الفنتاستيكي، الاستيهامي، الغرائبي، السّحريّ و إن اختلفت دلالة المصطلحات إلاّ ” … أنّها تحيل على الخارق و اللامألوف   و العجيب.([3])

فهذ النوع من الأدب يتداخل فيه الواقع مع الخيال ، ” … و تجاوز السببية و توظيف الامتساخ و التحويل و التشويه و لعبة المرئي و اللاّمرئي،      و حيرة القارئ بين عالمين متناقضين: عالم الحقيقة الحسيّة و عالم التصور و الوهم و التخييل، ممّا يوقعه بين حالتي التوقع المنطقي          و الاستغراب غير الطبيعي أمام حادث خارق للعادة، لا يخضع لمنطق العقل و الطبيعة و قوانينها. ([4])

و قد أفلح الكاتب في استخدام الواقعيّ من خلال الأمكنة، و الأزمنة،       و الشخوص، و المتخيّل اللامنطقيّ، الاستيهامي الغرائبيّ  وفيه “يجنح الخيال الخلاق مخترقا حدود المعقول والمنطقي و الواقعي، مخضعا كل ما في الوجود من الطبيعي إلى الماورائي لقوة واحدة فقط: هي قوة الخيال المبتكر الذي يجوب بإحساس مطلق بالحرية المطلقة”[5]،  تجلى ذلك من خلال شخوص متوحشين يعرفون بمصّاصي الدّماء من جهة، و من جهة أخرى الجنّ، والنبتة التّي تشمّ رائحة دم البشر فترديه قتيلا …..

إن وجود هذه القصص الغريبة في النص  و التي “تحتوي على عناصر فوق –طبيعية من غير أن يتساءل القارئ أبدا عن طبيعتها، و هو يعرف جيدا أنه لا ينبغي أن يأخذها بالمعنى الضيق. “[6] إنما كان الهدف منها هو محاولة إيصال الفكرة عن طريق استعمال الرمز دون التصريح المباشر الذي يفسد الخطاب الروائي.

إن هذا النّصّ السرديّ جدير بالقراءة، لما يتمتّع به صاحبه من قدرة على استحضار عوالم فوق واقعية، و حبكة السرد، و متعته، و إخراج القارئ من المألوف إلى اللامألوف …..

بانتظار الجزء الثاني الذي وعدنا به الكاتب، لنعرف ما سيحدث مع البطل خلدون وما مصير المدينة الخالدة.



[1] – عبداني سليمان : المدينة الخالدة و سيوف الجن ، ج 1 ،  ص 06 ، دار أم الكتاب للنشر و التوزيع، سنة 2017 بمستغانم – الجزائر

[2] – الرواية ، ص 09

[3] – فيصل غازي النعيمي، العجائبي في رواية الطّريق إلى عدن،

http://www.omaraltaleb.com/naeimi

[4] – جميل حمداوي، الرّواية العربية الفانطاستيكية، 09 جوان 2015،

http://www.arabicnadwah.com/articles/fantasia-hamadaoui.htm

[5]  فاطمة الزهراء عطية، العجائبية وتشكلها السردي في رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي ومنامات ركن الدين الوهراني، ، جامعة محمد خيضر، بسكرة، 2014-2015، ص: 2.

[6]  تزفتان تودوروف، مدخل إلى الأدب العجائبي، ترجمة الصديق بوعلام، تقديم محمد برادة، مكتبة الأدب المغربي، دار الكلام، الرباط، الطبعة الأولى، 1993،ص: 53.

/

* قاصة وأكاديمية من الجزائر 

اترك تعليقا