مع كل موعد إنتخابي تنبثق في جزائر الديمقراطية والتعددية ولو في شكلها المظهري الواجهاتي مشاهد هي أقرب إلى ” الكرنفالية السياسية ” منها إلى الحراك السياسي الجاد الذي يتأسس على البرامج والأهداف والمشاريع الكفيلة بإخراج البلاد من أزمتها المتعددة الجوانب ومنها على سبيل المثال العزف على أوتار النزعة القبلية والجهوية الكامنة في” اللاوعي الجمعي ” بتعبير علماء النفس للذات العربية وفي نسيجها الإجتماعي وإستخدامها كأدوات إلى الحد الذي يجعلنا نجزم أن هذه المواعيد بصورها وتمظهراتها الكرنفالية ليست إلا ظاهرة سلبية ولا تعكس فعلا تطلعات الأغلبية الساحقة من المواطنين في التطلع إلى حياة أفضل مماهو كائن ولذلك تجد حمى التموقع جارية على قدم وساق بماهو السبيل الوحيد للمرور إلى قبة البرلمان مع ما يتطلبه هذا الفعل من ” زردات” تقام هنا وهناك ويكون فيها طبق ” الكسكس” سيد الموقف وما أن ينتهي هذا الموعد ويصعد ” البقارة” النواب إلى قبة البرلمان حتى ينكشف عجزهم أو عدم توفر النية لدى هؤلاء في التكفل بإنشغالات ” شعيب الخديم ” وقد إستغلوا سذاجته فصوت لصالحهم أو صودر صوته لصالح جهة معينة حسب أجندة خاصة تم التحضير لها مسبقا إن لم أقل أنهم يساهمون بسلبيتهم ولا مبالاتهم في الموافقة على أغلب المشاريع والإملاءات الفوقية كآلات تسجيل عاطلة لاعمل لها إلا رفع الأيدي وبالتالي العودة بالبلاد والعباد إلى أسوء الحالات طبعا مع تسجيل بعض الإستثناءات الجزئية والنادرة والمعدومة التأثير والتي لاتقدم ولا تؤخر في الأمر شيئا ومن هنا ذالك البؤس السياسي والإحباط تمنى به القوى الحالمة فعلالا قولا فقط بالتغيير والإصلاح الجذري لكافة مناحي الحياة السياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية فالبرامج الفعالة والمخططات في التشريع تكاد تكون منعدمة ولاأثر لها في مخيال الحالمين بمقاعد مبنى زيغود يوسف وقد رأينا كيف أن عددا من نواب العهدة السابقة وما سبقها في إحدى الولايات الداخلية وصلت بهم درجة الشره والإبتذال السياسي إلى حد العودة إلى قراهم وبلدياتهم لإبتزاز السلطات المحلية بحكم صفة النيابة التي يتمتعون بها من أجل الفوز بمشاريع وصفقات الأرصفة والتبليط وتعبيد الطرق الداخلية عبر أسماء لمقاولين صغار ليسوا إلا واجهة لهم وهي صفقات على أية حال مشبوهة إنه العجز السياسي الذي يتصف به من يسمون أنفسهم ساسة ومن” سولت لهم أنفسهم الأمارة بالسوء السياسي “ وهم مجرد فئة وصولية إنتهازية وهو دليل آخر على الأزمة فيما نرى أزمة قيم وأزمة ثقافة سياسية بالمعنى العميق للكلمة وإذ كانت السياسة كما هي مما رسة لدينا وبمفهومها الفضفاض المفرغ من أي معنى أو جوهر إصلاحي تنشده الأغلبية المبعدة بفعل فاعل من القوى الحالمة بالتغيير والإصلاح قد وصلت إلى أفقها المسدود كونها صارت تفتقد لأسباب الإصلاح السياسي والنهوض الإقتصادي وتنمية الموارد المادية والبشرية لخلوها من سعة النظر وعلى هذا الأساس فهي الآن تحتاج أكثرمن أي وقت مضى إلى إمكانات أخرى ترفدها بعناصر جديدة وتمنحها روافد متجددة ورؤى متبصرة لا زال الخطاب السياسي الرسمي منه أو المعارض شكلا لاجوهرا يغض عنها الطرف ولن تجد ذالك إلا لدى النخب الثقافية المتجذرة في تربتها وهويتها السياسية والثقافية الملتصقة بهموم الإنسان والمجتمع ونعني بالثقافة السياسية المرجوة والتي لانعدم حضورها لدى نخبنا الثقافية بمختلف توجهاتهم ومشاربهم الإيديولوجية والسياسية هو الإلمام الشامل بمختلف حقول المعرفة الإنسانية على مستوياتها القانونية والدستورية والإقتصادية والتربوية والفكرية والفنية أي بكل ما يمس بشكل مباشر مختلف القطاعات الحيوية للبلاد وهي قطاعات كما نعرف جميعا لازالت تعاني القصور والعجزوالفوضى والعبث رغم الإمكانيات المتاحة لها بفعل البحبوحة المالية التي لم يسبق لها مثيل عبر تاريخ الجزائر المستقلة وإذكان القدامى قد عرفوا السياسة بأنها ” فن الممكن ” ولهذا فإنها أصبحت مرتعا خصبا لكل من هب ودب من الوصوليين والإنتهازيين كون الطبيعة كما يقال لا تعرف الفراغ ولهذا السبب وربما لأسباب أخرى موضوعية عجز ” السياسي” بهذه الصورة الغائمة أوما صار يسمى كذالك أو يسمي نفسه دون أدنى تمحيص أو مساءلة فليس كل من هب ودب يسمي نفسه سياسيا ثم نقوم لنصدق هذا الوهم الجديد / قلت عجز عن الوفاء بإلتزاماته وما عليه سوى الآن أن يترك الفضاء السياسي لغيره لينفتح المشهد السياسي على الكفاءات الثقافية والفكرية ليأخذ منها إمكانات جديدة ويصبح التغيير الثقافي والسياسي الجديد والجذري هو الغاية المنشودة ولنا في التاريخ السياسي العربي أروع الأمثلة ذالك أن الفتوحات السياسية المفصلية في تاريخ الأمة العربية كانت كلها تصدر عن مضمون ورؤية ثقافية وتعبر عن فتوحات وخيارات إيديولوجية وسياسية مهندسوها هم مثقفون قبل أن يكونوا رجال سياسة كماهو الشأن مثلا لرواد النهضة والإصلاح في الأربعينيات على غرار شكيب أرسلان وطه حسين وسلامة موسى وقاسم أمين وشبلي أميل وفرح أنطوان وبعض التنويريين من التيار الإسلامي كرفاعة الطهطاوي والكواكبي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني والطاهر الحداد وكوادر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والأمير عبد القادر والعناصر الأساسية للحركة الوطنية الجزائرية مثل يوسف بن خدة وأمحمد يزيد ومصطفى الأشرف وعبد الحميد مهري هؤلاء كلهم كانوا يرون السياسة ليست مجرد جسر مرور إلى السلطة أو تحصيل المزيد من القيم النفعية السائدة أو المحافظة عليها بل هي إمكان سياسي للتغيير والإصلاح والنهوض السياسي والإقتصادي وهي المعادلة الغائبة أو المغيبة في المشهد السياسي العربي من المحيط إلى الخليج .
* قلولي بن ساعد / قاص وناقد




