الطاهر وطار في ذكرى رحيله / جيلالي عمراني*
بواسطة admin بتاريخ 13 أغسطس, 2018 في 05:38 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1088.

منذ وفاة الروائي الكبير الطاهر وطار لم أعبر نهج رضا حوحو الشارع الذي احتضن جمعية الجاحظية لسنوات. كنا نجتاز الشّارع في السابق بفرح و رهبة كون الرّاهب عمي الطاهر ليس بالشخص العادي، كيف لا وهو الذي يستقبل كتاب الجزائر العميقة باختلاف مشاربهم و توجهاتهم، كان ينصحنا و يؤنب بعضنا ويسأل عن كلّ صغيرة وكبيرة قبل ذلك كله يدعو عمي السعيد النادل ليأتي بكاس شاي المنعنع. أول لقاء بيني وبين الروائي الكبير الطاهر وطار يعود إلى صائفة 1993 تحديدا في شهر جويلية، أذكر لحظة اللقاء كأنها حدثت بالأمس القريب، كانت لحظة مرعبة بكل المقاييس، أولا برعب عمي الطاهر الذي تفاجأ بدخولي على مكتبه بغير استئذان، بسبب خطأ السكرتيرة التي لم تنقل إليه خبر رغبتي في مقابلته، أو اختلط عليها الاسم بين جيلالي خلاص وجيلالي عمراني فدعتني للدخول، رآني أمامه بدويا يحمل محفظة جلدية قديمة، لا يعرف كيف يتصرف إزاء موقف لا يحسد عليه و الجزائر حينها دخلت نفقا مظلما بالهجمات السريعة من الجماعات المسلحة. بلا مقدمات كثيرة عانقته،قلت له:عمي الطاهر، سألني أيضا: من أنت؟ الأكيد أن كلمات عمي الطاهر الأولى جافة وصادمة حقيقة. ثمّ سألني كيف دخلت؟ أين السكرتيرة؟ أدركتُ حينها أني أخطأت في العنوان أو ماذا يحدث لي في لحظات مبهمة جدا و سوداء. بعدما استوعب الموقف وسبب اقتحامي مكتبه ومن أكون، رأيته يندفع ليعنف السكرتيرة المسكينة حتى لا تكرر الخطأ الجسيم.  كيف أقدم نفسي لروائي كبير بحجم الطاهر وطار؟ و أنا النّكرة بالكاد أخربش في مسودات لن ترى النور قريبا…المهم عاد صاحب رواية تجربة في العشق، برر موقفه ذاك بالتدهور الأمني الذي تعرفه الجزائر التي لم تعد بيضاء، ولم تعد القلعة التي تستقبل الثوار و الروائيين الكبار. عاد إلى طبيعته السمحة، و البسمة تعلو محياه في صبيحة حارة، كان قلقا ومتابعا للحالة الصّحية للقاص عمار بلحسن، بين الحين والآخر يحدق في ملامحي، كنتُ خجولا ومرتبكا من كلّ الذي حدث في لحظات، عمي الطاهر وحده يعرف كيف يخرجك من الزمان والمكان إلى أجواء الله الواسعة بنكتة أو بحكمة أو بمقولة، فعل ذلك معي ليبدد وحشتي و ذهولي، راح يسألني عن البويرة عن مدينتي الصغيرة”العجيبة” التي يعرفها، عن قراءاتي ومشاريعي، عن البلد، عن الشهداء الذين يعودون حتما..إجاباتي كانت قصيرة و مرتبكة وجهي ينضح عرقا. أخرجت من محفظتي أول مخطوط كتبته بعنوان “إعصار الصيف” أخذه عمي الطاهر بين يديه، تحدثت بتلعثم عن روايتي تلك، عن إعجاب الأستاذ محمد ساري بالرواية، ربما لأقنعه بضرورة نشرها أو لست أدري لم تحدثت أصلا، كان يقلب الصفحات، أعتقد أنه لم يكن يقرأ بقدر ما يفكر في إجابة تقنع البدوي المندفع لينشر تهويماته بكل الطرق. لم أكن كذلك أبدا، بل كانت تلك الجلسة تكفيني وأنا أمام همنقواي أو تولستوي بالبيريه الشهير. قال عمي الطاهر بلغة الحكيم والعارف: “ابني الجيلالي، قبل كتابتي لرواية رمانة كتبت رواية أو شبه رواية، قبل نشرها قررت أن أقرأ كل الأدب العربي قديمه وحديثه، قرأت الكثير و الكثير، بعدها تخلصت من روايتي الأولى إلى الأبد، كنا نقرأ لنستوعب حاضرنا ومستقبلنا، جيلكم متسرع…” هذا كان كافيا ليفهمني صعوبة فن الرواية و عدم الاستسهال أو الخوض فيها قبل التسلح الكافي. في لقاء آخر سألني عن رواياته و أهمها من وجهة نظري؟ تفاجأت طبعا، لم أستوعب السؤال جيدا، ترددتُ في الإجابة للحظات، ثم قلتُ له بصدق:” أهم رواية كتبها الطاهر و طار بالنسبة لي هي تجربة في العشق” ابتسم عمي الطاهر ربما كان سعيدا بإجابتي تلك. في آخر لقاء معه كنت رفقة الصديق الخير شوار، وجدناه فرغ من قراءة و باستمتاع روايات إبراهيم الكوني، يومها اعترف دون خجل بأن إبراهيم الكوني كاتب عظيم، وكان عمي الطاهر يحثنا على قراءة روايات الكوني، بل أهدى لكاتب ما(لم يذكر اسمه) نسخا منها، فعل ذلك ربما لنتخلص من وهم الغرور و الثقة المفرطة في كتاباتنا ولنقرأ كثيرا، و فعل القراءة وحده السبيل لكتابة نص استثنائي. آخر القول: عمي الطاهر ـ رحمه الله ـ قامة من قامات الأدب الجزائري والعربي، برحيله ذات يوم بهت المشهد الأدبي الجزائري بعض منا شعر باليتم حقيقة

 

/

 

* روائي من الجزائر 

اترك تعليقا