مسافر عبر الزمن / قصة قصيرة / طلحة محمد *
بواسطة admin بتاريخ 2 سبتمبر, 2018 في 03:50 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 89.

كان ينام ككلّ ليلــــــة بقرب نافذة على حدّ كبسولة زمنيّة يستيقظ العديد من المرّات على صدى كوابيس تؤرّقه تأخذُه كلّ حين إلى كوكب يسبح في المدارات والمجرّات كسفينة فضائيّة بدون ربّان يصطدم في كلّ صباح بضوء يخترق زجاج النّافذة المحاذيّة ينبعث من الشّمس على شكل حبيبات مجهولة الاتّجاه تدور حول بعضها لتحمي كلاّ منها الأخرى هي تمثّل له مركز العبور الزّمني يأخذه ويعيده وقت ما شاء . ينهض كلّ صباح على صوت مؤذّن رخيم ينادي للصّلاة متفائلا يحمل في جعبه الكثير من الخير للعالم يعلم يقينا أن هناك حياة أخرى والموت ليس حاسما بالنّسبة له إنما البعد عن الحياة يتضمّن الكثير من الاحتمالات وتجربته القصيرة المدى تغنيه عن كل الحسابات الدّنيوية هو لا يملك انتصارات مدهشة لكنّه استطاع إن يخرج حيّا من الكثير من الهزائم . لم تكن تغريه غير الجمعيّات الخيريّة بتسميات تبعث على الأمل والتّفاؤل كانت أخرها جمعيّة أحباب الله للإنشاد . ظلّ يرافقها في اغلب الملتقيات التي تقام في الجامعات والمعاهد كان قلبه ينبض بها ولأنه ميسور الحال وبسعة رزق أعان الكثير من الطّلبة رأفة بنفسه وبهم فهو لم يكمل دراسته بسبب الاستعمار وعدم ولوج والديه إلى المدينة من أعالي جبال حوّاص في الباديّة العريقة . هو لم يكن بِخُيَلاء الأغنياء أبدا بل كان كما البسطاء يحمل في فؤاده معاني نادرة للحياة يعكس مظهره المتواضع محتوى برّاقا ينعم بهدوء النّفس وتتجلّى فيه القناعة التّامة . لم يسلم هو أيضا من الطّامعين ومرضى النّفوس فلم يلبث إلا سنة حتّى تغيّرت حاله وصاحب الكأس والنّساء واللّيالي الحمراء مع شلّة من البوهيميّين لم يعلم يوما أن بلدته السّخية ستذره الغدر والخيانة في ظل ما بذله من أجلها ليراها في مصاف المدن الجميلة ليس كمدينة سهبيّة بنكهة صحراء قاحلة يضجر منها أغلب من حولها من أبناء المدن الساحليّة . مرّت الأيام وهو بين الأحلام والكوابيس يصارعها ليستيقظ ويعود لماضيه النّقي يستنجد بدعوات أمّه التي وهبتها له مرارا وهو يتوسّد ركبتها ويهبها العطور الفاخرة يستحضر صورتها الجميلة بعبّون تقليدي تتوسّطه صيغة الفضّة النّفيسة و سخاب يعتلي رقبتها تفوح رائحته هنا وهناك ووشم ديني غامض وغابر في الأزمان يتوسّط جبهتها اجتمع وإياها على مائدة الغياب ترميه بنظرات قاسيّة من عيون فاضحة تبرّر نهاية قبل النّهاية . أفلت الأحلام والكوابيس فتح عينيه وهو ملقى على ركبتيه يقابله ضابط الجمارك في المعبر الحدودي هو ومجموعة من المهرّبين كانوا بصدد تهريب الذّهب إلى ليبيا حكم عليه ب 8 سنوات من السّجن. خرج بنسق لم يعايشه من قبل انتهى به الأمر في قهوة العروسي وسط المدينة يستجدي المحسنين وأصدقاء الأمس تعرّف على أحدهم بالصّدفة يناديه بلطف يردّ عليه الآخر بخجل : علّاوة هذا أنت ؟ نعم هذا انا أعطيني 20 دينار أعطاه إياها بكلّ انكسار يتعجّب حاله ويقول : إنّنا من وطن عاقر لا ينجب إلا الحزن لم ينجب الفرح حتّى لنفسه فكيف سيهبه لنا .

 

العبّون: لباس تقليدي شبيه بالمئزر

جبل حوّاص :فضاء طبيعي له رمزيّة لدى ساكنة الجلفة

 

 

* قاص من الجزائر 

اترك تعليقا