عرس في الزّنزانة!/ قصة قصيرة / سعدي صباح *
بواسطة admin بتاريخ 2 سبتمبر, 2018 في 03:21 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 97.

البطل الذي أجّج شرارة التّفجير..وتنازل عن زهرة عنفوانه من أجل المصير..وأفنى حياته بين الأدغال والجبال،صرّح بالتّضحية لافتكاك الأرض من مخالب الضّواري،يحلم بالحرّية،من رحم المعاناة أسّس كتائب عروبيّة..قوميّة،من أجل القضيّة،قضى السّنين الطّويلة يفترش الثّرى ويلتحف السّماء،عاش بين الهوارب والعقارب،وأكل العشب والطّحالب،زجّ به في الغياهب جزاء صلابته في أرض الوغى،لكنّ أفكاره ومبادئه كفيلتان بمواصلة حرفة الذود والبارود حتّى النّصر،وبفضله انبلج فجر السّلام وحطّ الحمام،وتمّ الإفراج عنه، واعترافابإقدامه نال المكافأة من قبل العدو قبل الصّديق،وحفّت به أمواج المريدين المتعلّقين.. متضرّعين ليكون القائد الأعلى..فكان والتّوفيق من الله، وقادثورة أخرى لمحاربة الفقر المدقن الذي حلّ بالبلاد، وهذا ما يشغله،تلاشت ملامحه وظهر الغنى جليّا على وجوه رعيّته،أعاد للتّربة الحمراء حياتها..وأرجعها لأهلها،واستعارالجرّارات والحصّادات.. من خلال جاهه ونفوذه من وراء البحر،وتكلّم الرّبيع الطّلق في دولته..وأعانه ربّ الورى بالغيث العميم ،فازدهرت الفلاحة..وتناسلت حقول القمح في السّهول والتّلال،وتنفّست الأمّهات الصّعداء ،وعمّت الخيرات كلّ المداشر والقرى،أطاع العلى وقصّ سيرة الهدى عنوة في العملاء،فشغل الرّجال والنّساء،فبادلهم محبّة الأب لأطفاله،ومازال يعلن الحرب عن بقايا علل،فتح له حبّ الورى أبواب كثيرة،فأصرّعلى التّطهير..غايته أن يجعل الغادرين على الهامش..جزاء خيانتهم وتنكّرهم لأبناء جلدتهم،متذكّرا ما ترتّب عن خذلانهم،وبحنكته وإخلاصه جعل المدائن ومن عليها في جيبه..وخطف ألباب شعب بأكمله،شاع بعدله وقوميّته ودينه،هو رجل بسيط وحبّ البسطاء يسري في دمه،ولأنّه عبقري وعلّمته السّجون بأن لا يخشى المنون، ولا يستخدم العسس،بسيط في ملابسه وسكنه.. سلس في خطابه،يمشي راجلا في الشّوارع وئيداولايبالي..يتفقّد مساكينه ،يوزّع الابتسامة على كلّ من يجدهم في طريقه،وذات ظهيرة وهو يجوب المدينة بموكب محتشم لوى إلى مقرّ الجريدة وتوقّف هنيهة،فوقف كلّ طاقمها إجلالا له ولحضوره على حين غرّة قاموا مصفّقين هاتفين..يحيا..يحيا..،إلاّ واحدة تشتغل بالصحيفة تسمّرت وأبت أن تصفّق..وكانت تنظر إليه بريبة وازدراء..وعلى محيّاها سمات الحقد والكراهيّة،لم يكترث لها لكن تركت في نفسه بعض التّساؤلات،فتجاهل وتغافل ككلّ نجم تسمو به مرتبته ولا يقف عند سفاسف الأمور،وعادإلى إقامته، فأنبأوه بأنّها إعلاميّة نشطة وحقوقيّة واسمها عائشة تشغل بالجريدة وأنّها معارضة،وانتهت قصّتها التي كانت بالنّسبة له زوبعة في فنجان..إنّما ملامحها بقيت عالقة بتلافيف دماغه،ودارت الأيام.. ومبادئه التي يؤمن بها جعلته في اختلاف تحوّل إلى خلاف مع حاشيته إلى أن أطاحوا به وأمسى في القفص بالإكراه ولذرائع ربّما أخرى كدسّت إلى حين..وسجنه كان متنقّلا بين الثّكنات، وكانت المكافأة رميه في الغيهب..ولإيمانه بالقدر.. صبر واحتسب لأمره جلّ جلاله، لجأ إلى كتاب الله واتخذ من الذّكر الحكيم أنيسا له وليستمع إلى صوته بغرفة ضيّقة مخضّبة بالسّواد..تجلب له الكآبة والرّتابة والأسى،وتمرّ الأيّام على وحدته ولا من يغشيه من رفقاء دربه ويسمع الشّكوى .. ويخفّف عنه رطوبة الإسمنت التي تنخر عظامه في الليالي الحالكات،إلاّمن والدته التي تتردّد عليه رغم النّوى بشكل دوري،وكان يفتعل الضّحك حتّى لا تتأثّر لحالته.. وزيارتها ما قبل الأخيرة لاتشبه زياراتها سلفا.. قبّلت جبهته ولانت معه لحاجة في نفسها،ثمّ فاتحته في لبّ الحكاية التي ربّما قد جاءت من أجلها،قالت له متحرّجة نوعا ما:أطلبك في أمر،فارتعدت فرائصه، ظنّا بأنّها تستفسر عمّا يكنّه من أسرار،لكنّها طالبته بأن يتزوّج..والزّواج في مثل هذه الظّروف القاسية ضرب من الخيال أو المعجزة،هو يدرك بأنّه مقيّد بأغلال.. ولا يمكنه أن يفكّر في الزّواج بالمرّة..وهيهات أن يجد زوجة تقبل به وراء القضبان،لكنّ حبّه الكبير لوالدته وطاعته لها جعلته يوافق مبدئيا ويلبّي رغبتها على مضض،حتّى لا يكسر خاطرها ويدمي قلبها،وعلى حين غرّة انتهت المهلةودقّ الجرس،فبارحت تماشيها الغبطة،ولوى هوإلى قراءة القرآن متضرّعا لله.. ينتظر ساعة الفرج،ولينسى أو يتناسى ما فعل به الخلاّن ويدعو لهم بالسّماح،ومرّ الشّهر ثقيلا بطيئا وعادت ينبوع الحنان لتطمئنّ عليه،وبعبّونها ظرف رسالة عذراء،فاحتضنته بعطف وبشاشة ومدّت له البرقيّة..ففضّ بكرتها وأخرج الصّورة..تأمّلها مليّا ثمّ تذكّر بأنّه لمحها ذات زمن،وقالت الأمّ: هذه هيّ البنيّة التي قبلت بأن تكون نصفك الآخر وهيّ على دراية بوضعيتك التي يرثى لها،عاد إلى الصّورة ثانية ودنّڨ مدقّقا،فأيقن بأنّ الصّورة للصحفيّة التي أبت التّصفيق.. وكانت تنتقد أفكاره من خلال عمود يصدر بشكل يومي،لكنّه كتم ذلك بين ضلعيه إلى جانب أسرار محنته التي أجزم بأن لا تسمعها حتّى والدته التي حملته كرها إلى أن يناديه الرّحمان، انتهت المهلة وودّعته لميّمة يماشيها الحبور وهو بين الحقيقة والأضغاث،وفي ظرف وجيز قُرئت الفاتحة وتمّ القران،وأتت بها إلى إقامته الجبريّة ولا ثالثهما،تسلّلت بها غير مبالية بجند الخفارة..ولا يمكن لأحد أن يكون حجرة عثر في دخولهما، بزغت شمسه داخل غرفة سوداء مظلمة،جعلتها عائشة قصرا منيفا..بجمالها وخفّة روحها وثقافتها،وكانت تخرج من حين لآخرحرّة طليقة.. لتشتريّ ما يلزمها وتقتني له الجرائد، وتخرج بكلّ حريّة إلى أهلها وتأتي له معبّأة بالهدايا والعطور والرّوايات الثّوريّة، وأنسته عائشة عالما يعجّ بالمكر والخداع..وجد ضالته معها وأصرّت على مكوثها معه لأجل غير مسمّى، أعادت له الحياة وعثر على ضالته عند معارضته الحقوقيّة النّشطة ..الحسناء  العفيفة العربية القحّة..التي تفهمته وآمنت بقضيّته وقبلت به رغم المضايقات والضغوطات التي تلقّتها من إخوانه الأعداء..ولم يلتمسها في أشباه الرّجال الذين تخلوا عنه في الأوقات الصّعبة والظروف الحرجة،إنّه صاحب المبادئ والمواقف الذي منّ عليه بصاحبة المواقف لتتزيّ بزيّه وتمشي على خطاه .

/


 

* قاص من الجزائر  


اترك تعليقا