رسائل ألبير كامو إلى ماريا كاساريس ..تقديم كاترين كامو (01)/ ترجمة سعيد بوخليط *
بواسطة admin بتاريخ 15 أكتوبر, 2018 في 02:42 مساء | مصنفة في نوافذ | لا تعليقات عدد المشاهدات : 118.

التقى ألبير كامو وماري كاساريس في مدينة باريس يوم 6 نونبر 1944،أي يوم نزول قوات الحلفاء على سواحل نورماندي.كانت تبلغ عشرين سنة،وكامو أدرك عقده الثالث.

ولدت ماريا،في لاكورونيا الإسبانية،ثم وصلت إلى باريس سنة 1936،عن عمر الرابعة عشرة، مثل أغلبية الجمهوريين الإسبان.شغل أبوها، سانتياغو كاساريس كيغورا،غير ما مرة منصب وزير وكذا رئيس للحكومة خلال حقبة الجمهورية الإسبانية الثانية،وقد أُجبر على المنفى حينما تسلم فرانكو مقاليد الحكم.بعد مرور فترة طويلة،ستقول ماريا كاساريس،أنها:((ولدت شهر نوفمبر 1942 في مسرح”Des Mathurins”)).

خلال تلك الحقبة،ابتعد كامو عن زوجته فرانسين فور Faure تحت دواعي الاحتلال الألماني،وقد انضم إلى صفوف المقاومة.ينتمي بدوره من جهة أمه إلى سلالة إسبانية، ثم أصيب بالسل مثل سانتياغو كاساريس كيغورا،ويعيش كذلك المنفى بحكم انحداره من الجزائر.شهر أكتوبر 1944،حينما تمكنت أخيرا فرانسين فور Faure ،من معاودة الالتقاء بزوجها ثانية،ابتعد ألبير كامو عن كاساريس.لكن يوم 6 نونبر 1948،تصادفا في شارع سان جيرمان،ومنذئذ لم ينفصلا قط.

 هذه الرسائل،المتواصلة لمدة خمسة عشرة سنة،تظهر حقا سمة بداهة حبهما الذي لايهزم :(لقد التقينا، تعرَّف بعضنا على الآخر،واستسلم أحدنا للثاني،ثم نجحنا في تحقيق عشق يلتهب صفاء خالصا،فهل أنت مدرك لسعادتنا وكذا مختلف ما تأتى لنا؟))(ماريا كاساريس،4يونيو 1950).

((أيضا صاحبا فكر ثاقب،ثم متيقظان،وقادران على فهم كل شيء،بالتالي تذليلهما كل العقبات،قويان بما يكفي كي يعيشا دون أوهام،مرتبطان بأواصر الأرض،والذكاء،والقلب والجسد،فلاشيء يمكنه،أعلم ذلك،أن يباغتنا،أو يفرق بيننا))(ألبير كامو،23 فبراير 1950). 

يونيو 1944

*عزيزتي ماريا (1)،

لدي موعد عمل في حدود الساعة السادسة ونصف مساء مع الناشر مونتي –كارلو داخل مقر”دار نشر المجلة الفرنسية الجديد”(2) .وانطلاقا من هناك سنذهب بالتأكيد إلى شارع”سيرانو” المتواجد في زاوية من طريق “رودو باك” وكذا جادة سان جيرمان. سأنتظركِ هناك غاية الساعة السابعة والنصف مساء.خلال هذه اللحظة بالذات،سأكون في “لافريغات”،تحديدا شارع ”رودوباك” والأرصفة،حيث ينتظرني مارسيل و جان (3).وأخيرا،على الساعة الثامنة مساء،الموعد العام في ركن من شارع “بون”ورصيف فولتير.أظنِّكِ تعرفين المكان.

أعتذر فالوقت يداهمني ولا أستطيع الاستمرار أكثر من هذا الحيز متحدثا إِلَيكِ.

أقبِّلُكِ.

*يونيو 1944على الساعة الرابعة زوالا :

صغيرتي ماريا،

أتطلع إلى الالتقاء بِكِ حاليا من خلال مكالمة هاتفية.بيد أنَّ وقتي ضيق جدا.فقط، استعنت بفجوة بين موعدين،كي أخط إليكِ هذه الكلمة.إنها لاتعني شيا، طبعا.لكني أفترض أنَّكِ ستصادفينها أمامكِ حين رجوعكِ هذا المساء،بالتالي سأشغل هاجس تفكيركِ.أنا متعب، وأحتاج إليكِ.لكن بالطبع،يستحيل توضيح أمر من هذا القبيل هكذا،بل يقتضي السياق أن تكوني أمامي.

ليلة سعيدة،عزيزتي.نامي جيدا،وفكري في بقوة.

أقبِّلُكِ غاية صبيحة اليوم الموالي.

*يونيو1944  على الساعة العاشرة مساء :

لقد قرأت للتو، إهداءك عزيزتي،وأشعر في داخلي بشيء يرتعش. أقول مع نفسي أننا نكتب أحيانا هذه الأشياء وفق حركة،دون أن نكون في خضمها تماما،أقول في ذات الوقت بأن هناك كلمات لانكتبها،ولن نشعر بها.

أنا في غاية السعادة،ماريا.هل ممكن هذا؟مايرتجف داخلي،يظل نوعا من السعادة العارمة.لكن في  الآن ذاته ينتابني إحساس بالمرارة  نتيجة رحيلكِ وحزن عينيكِ حينما هممتِ بالمغادرة.صحيح أن ما أضمرتُه دائما نحوكِ اتسم على الدوام بطعم يمزج بين الغبطة والقلق.لكن إذا كنتِ تعشقينَنِي مثلما كتبتِ،فيلزمنا الحصول على شيء آخر. إنه حقا مجالنا الزماني المكرَّس كي يحب أحدنا الثاني ثم يتحتم علينا السعي غاية ذلك بما يكفي من القوة والديمومة،كي نَعْبر خاصة كل حقيقة.لم أحب تلك النظرة المضيئة التي ادعيتِ امتلاكها خلال هذا المساء.عندما نمتلك روحا،فإننا ننزع إلى تسمية ثقابة الفكر ما يثير إحباطنا ثم ننعت بالحقيقي ما يخرج عن موضعه.لكنه تبصُّر يعتبر أيضا أعمى مقارنة مع أي شيء آخر. لا يوجد سوى استبصار وحيد،ذلك من يصبو إلى تحقيق السعادة.وأعلم أنه مهما كان في غاية الاقتضاب،وجدّ مهدَّد أو هش جدا،تتهيأ لنا معا سعادة إذا بسطنا نحوها اليد.وينبغي أن نمد لها اليد.

أنتظر غدا،وأنتِ،ووجهكِ الغالي.كنتُ هذا المساء،في غاية التعب كي أتحدث إليكِ بصوت ذاك الفؤاد الطافح الذي استطعتِ إرساء موضع له داخلي.يقوم شيء ما،يخصنا فقط بحيث انضم إليكِ عبره دون مجهود.إنها ساعات انزوائي إلى الصمت، لحظتها ترتابين في أمري.لكنه سياق لايعني شيئا،مادام قلبي ممتلئ بكِ.

إلى اللقاء، عزيزتي.وأشكركِ على بعض هذه الكلمات التي أسعدتني كثيرا.شكرا على روحكِ التي تحب وأحبها.أقبِّلك بكل ما أوتيت من قوة.

*يونيو 1944،الساعة الواحدة صباحا :

لقد عدتٌ إلى المنزل منذ قليل،لاأشعر بتاتا برغبة في النوم،بل يسكنني شوق عارم أن أجدكِ بجانبي،فأجلس فعلا على المائدة  كي أحدثكِ مثلما يروق لي.لم أجرؤ على رفض دعوة مارسيل هيرون فأؤكد له عدم رغبتي لاحتساء كؤوس شمبانيا،ثم أجدني فجأة وسط حضور حشد من الناس !لكن خلال نصف ساعة،ينتابني إحساس بالضجر الشديد جراء كل ذلك،وكنت فقط متشوقا لوجودكِ قريبة مني.لقد عشقتكِ جدا،ماريا،على امتداد تلك الليلة،وأنا أستحضر طيفكِ،وأرهف السمع لهذا الصوت الذي أضحى حاليا بالنسبة إلي فريدا. لقد استلهمتُ فترة ذهابي عند مارسيل،نصا مسرحيا.غير أني لايمكنني أبدا قراءته دون الاستماع إليكِ،تلك طريقتي الخاصة كي أكون سعيد وبرفقتكِ.  

أحاول تخيل ما تقومين به حاليا، وأتساءل باستغراب لماذا لستِ هنا.أتحدث مع نفسي بخصوص ما سيكون وفق الأصول،أي ضمن النظام الوحيد الذي أعرفه، والمتعلق بالشغف والحياة،هكذا ستعودين غدا معي ثم نواصل معا تلك الليلة التي بدأناها.لكني أعلم كذلك أن هذا بلا جدوى وأن أمامنا مختلف ماتبقى.

لكن على الأقل لا تنسيني أبدا حينما تغادرين.تذكري باستمرار ما قلته لكِ بشكل مسهب جدا ذات يوم،في منزلي،قبل أن تتسارع الأمور.لحظتها خاطبتكِ بالعمق الكبير لقلبي،وأردت،نعم أردت،قدر ما يكون أحدنا للثاني،وينبغي أن يصير الأمر كذلك مثلما أخبرتكِ.لا تتركيني قط، فلا أتخيل شيئا أسوأ من فقدكِ.ماذا بوسعي آنيا القيام به دون طلعتكِ،حيث كل شيء هنا يعكر صفوي،ثم صوتكِ وكذا جسدكِ الماثل قبالتي؟.

من جهة أخرى ليس هذا ما أود قوله لكِ اليوم.لكن فقط حضوركِ هنا،وشوقي إليكِ،ثم تفكري بهذه الليلة.

ليلة سعيدة،عزيزتي.فليأت غدا سريعا والأيام التالية له،بحيث ستكونين لي أكثر،بدل فضاء هذه الغرفة اللعينة.أقَبِّلكِ بكل قواي.

*يونيو 1944 على الساعة الرابعة زوالا :

صغيرتي ماريا،

لا أعرف إن كان يخطر على ذهنكِ الاتصال بي هاتفيا.آنيا،لا أعلم أين يمكنني الوصول إليكِ.ليس لدي شيئا محددا كي أقوله لكِ، سوى تلك الموجة التي تحملني منذ البارحة وهذه الحاجة إلى الثقة والحب الذي أكنّه لكِ.لأنه منذ فترة طويلة لم أكتب إليكِ!

عندما تصادفين هذا الإطار لحظة عودتكِ مساء، فاتصلي بي هاتفيا.تذكريني من الآن غاية يوم السبت.فكري في شخصي على امتداد هذه الأيام.قولي،سأبقى إلى جانبكَ خلال كل دقيقة.إلى اللقاء،حبيبتي،عزيزتي الغالية،أعانقكِ كما البارحة.

مصدر الرسائل :

     Albert Camus/MariaCasarés :correspondance (1944-1959) ;Gallimard ;2017

 (1)=حدث اللقاء بين ألبير كامو وماريا كاساريس عند ميشيل ليريسLeiris،يوم 19مارس 1944،خلال عرض قرائي في المسرحية السوريالية لبابلو بيكاسو :رغبة ممسوكة من الذيل. حينئذ اقترح كامو على الممثلة الشابة والتلميذة السابقة في معهد الفن الدرامي والمتعاقدة مع مسرح” Mathurins”أداء  دور مارتا في مسرحيته :سوء تفاهم.بدأت التدريبات على العرض المسرحي،وفي غضون ذلك أغرم كامو بالممثلة.ليلة 6 يونيو 1944،ومع نهاية أمسية أقيمت عند المخرج “شارل دولان”،ثم خلال اليوم نفسه الذي اقتحمت فيه قوات التحالف شواطئ نورماندي،أصبحا عاشقان.كان الكاتب الجزائري الشاب، يعيش وحيدا في العاصمة،منذ أكتوبر1942  :لم تتمكن زوجته فرانسين فورFaure ،وهي مدرِّسة في وهران، الالتحاق به، نتيجة احتلال منطقة الجنوب من طرف الألمان.

(2) =يوجد مقر دار النشر(المجلة الفرنسية الجديدة)(سميت غاليمار فيما بعد) ،في الدائرة السابعة،شارع سيباستيان بوتان،حيث صدرلألبير كامو سنة 1942روايته الغريب و دراسته أسطورة سيزيف ثم مسرحيتي كاليغولا وسوء تفاهم سنة 1943،وأصبح عضوا ضمن لجنة القراءة،فانطلق بالتالي مساره كناشر وقارئ في دار النشر غاستون غاليمار.   

/

* باحث ومترجم من المغرب 

اترك تعليقا