قراءة نقدية في رواية “السقوط الأعلى” لمحمد بوثران/ د سامية غشير *
بواسطة admin بتاريخ 24 أكتوبر, 2018 في 01:44 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 186.

يلج الكاتب الجزائري “محمد بوثران” بعد تجربة شعرية حافلة بالتميز والنجاحات فن الرواية بحثا عن رهانات أكثر، ومساحات اكبر قادرة على استيعاب طاقاته الإبداعية المبهرة، وهذا ما وجدناه في رواية “السقوط لأعلى” التي تعد أول تجربة روائية له.

يصيغ الكاتب تجربته الإبداعية انطلاقا من توفر عناصر عدة تكفل تكامل التجربة، كما يلزم عليه ان يختار التقنيات التي يشكل من خلالها عمله الروائي.

تفصح رواية “السقوط لأعلى” عن تجربة إبداعية جديدة، بخصوصيات متفردة، رواية رومانسية شاعرية حالمة، تشتغل على الذاكرة والحب والوطن والموت، كما تشرح أوجاع الذات وعذاباتها، عبر لغة شعرية انزياحية.

لقد انتبه الكاتب المعاصر إلى ضرورة التجريب والمغايرة الروائية من أجل تحقيق تميزع وتفرده، فالكاتب المعاصر ينحو إلى التمرد سواء على من ناحية تطرقه للموضوعات المعالجة، او على مستوى الأشكال السردية، أو البنى الفنية. فالكاتب يبحث عن قارئ ناقد، يفك شيفرات النص، ويؤول دلالاته المضمرة.

في النص تتجلى شاعرية كبيرة تطغى على مساحاته، شاعرية الحب، شاعرية الموت، شاعرية اللغة، شاعرية المكان والزمان، شاعرية العنوان، وكلها مجتمعة حققت للنص جماليته وتفرده.

تقديم الرواية:

صدرت رواية “السقوط لأعلى” سنة 2018 عن دار الجزائر تقرأ للنشر والتوزيع، وتسرد لنا على امتداد صفحاتها (112ص) قصة حب عنيفة بين محمد ورانية، قصت احتضنها المكان (سكيكدة) ورسم تفاصيلها وجزئياتها، كما تغوص في مرجعيات سوسيوتاريخية مهمة في تاريخ الجزائر، وهي فترتي الثورة التحريرية إذ تبرز جرائم المحتل الفرنسي، مرورا على المرحلة الأهم من تاريخ الجزائر وهي العشرية السوداء، حيث تفضح ممارسات الإرهابيين تحت شرعية الدين، رواية ممزوجة بالحب والفرح، بالسراب والموت، حكاية تحيلنا إلى قصص الحب التراجيدية المأساوية، إذ تنتهي قصة العاشقين بالموت الذي يقطع نفس الحياة غير أن رماد الفناء يضل ذاكرة العشق العذري “رحلت مع الشتاء على غيمة، لم يهطل مطر؛ بل شلال دمع لا يزال يحفر الوديان داخلي، وأخذت معك سرك الأهم، الذي جعلك تتحدى قوانين الجاذبية، وتسقط إلى السماء لا منها.” (الرواية، ص195.)

رواية “السقوط لأعلى” رحلة وجودية ترتحل بالقارىء إلى عوالم متعددة، تفصح عنها عتبة التصدير الذي وظفه الكاتب لمقولة الكاتب الجزائري القدير “الطاهر وطار”: ” افترض كل يوم أني غير موجود، واتأمل جثتي المحنظة، وأنتظر زمن عودة الوعي.”

كما يستحضر الكاتب مقولة الكاتب اللبناني “جبران خليل جبران”: ” انا حي مثلك، وأنا واقف الآن إلى جانبك.. فأغمض عينيك والتفت تراني أمامك.”

إنها أسئلة فلسفية وجودية، تجسد رحلة البحث عن الوجود والسمو الإنساني في ظل راهن يبعث على الهبوط والوقوع والسقوط المستمر.

رواية “السقوط لأعلى” تنبني على تيمات عديدة منها الحب والوطن، والاغتراب، والحرية، والموت.

أ- سيمياء العنوان:

يعد العنوان العتبة الأولى لأي نص أدبي سواء شعري أم نثري، فالدراسات النقدية المعاصرة ركزت على أهمية العنوان ودوره في النص؛ لأنه يحمل مدلولاته وحمولاته المتعددة.

والملاحظ على عنوان الرواية “السقوط لأعلى” يجده مثيرا ولافتا للانتباه، مغريا ومتناقضا في آن واحد، فالكاتب قد جمع فيه بين مركبين لغويين متناقضين هما: السقوط ومعناه الهبوط والوقوع، واعلى ومعناه السمو والارتفاع والرفعة، وقد ربط الكاتب بينهما بحرف جر “اللام”، وهنا نلاحظ انزياح تركيبي، فالأصل نقول السقوط إلى ونتبعه بلفظة الأسفل، لأنه لا يمكن أن يكون السقوط لأعلى. وقد يتساءل القارىء: لماذا جمع الكاتب بين متناقضين في صياغة عنوان روايته؟

إن الكاتب قد أبرز حنكته في انتقاء العنوان، والذي أريد به لفت انتباه المتلقي بهذا العنوان الصادم، المختلف، المخترق لأفق انتظاره، من أجل دفعه إلى البحث والتأويل عن مقصديته من وراء هذا التوظيف دون غيره من العناوين الأخرى.

ب- دلائلية الأسماء:

تمحورت رواية ” السقوط لأعلى” حول شخصيتين رئيستين هما: محمد ورانإن توظيف الأسماء في الرواية الجديدة لا يكون عشوائيا اعتباطيا؛ وإنما يرتبط بمقصدية، فقد أشار الرمزيون والشعريون إلى أن التسمية غير بريئة، وإنما تستند إلى مقصدية واضحة من الروائي، الذي يرمي إلى خلق تناغم بين اسم الشخصية وما رسم لها من دور في الرواية، بحيث توظف عمليا، فالرواية لا تقدم الشخصيات بطريقة عادية؛ بل بطريقة سيميائية وشعرية.ية:

دلالة اسم محمد:

يعد اسم محمد من أكثر الأسماء انتشارا، فهو أحب وأفضل الأسماء عند المسلمين لارتباطه بشخصية الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم -، فحاملو هذا الاسم يتميزون باصرارهم على الوصول إلى أهدافهم، وهذا ما يتقاطع مع بطل الرواية “محمد” الذي كان يرغب بشدة في الوصول إلى حلمه الأكبر وهو الحصول على حبيبته، وتحقيق وجوده وكينونته.

والظاهر أن الكاتب أيضا اسمه “محمد”، وقد يتساءل القارئ: لماذا أفرد الكاتب لبطله اسما يحمل اسمه.

إن ظاهرة تسمية الكتاب ابطال رواياتهم بأسمائهم الحقيقبة، هي ظاهرة شائعة في الرواية المعاصرة، إذ يعرض الكاتب تفاصيل من سيرته الذاتية، ويتماهى مع بطله في شخصيته وأفكاره وأهدافه وصفاته الجسدية.

- دلالة اسم رانية:

اسم رانية من الأسماء المنتشرة والمتداولة، ومدلوله الفتاة النشطة، الحساسة والحيوية.

في الرواية تمظهرت شخصية رانية امرأة غامضة، ورقيقة، متوترة، صعبة المنال، إذ أخفق الكاتب في الحصول عليها بعد أن سرقتها منه الحياة ثم الموت، فقد كانت تمثل له مصدر سعادته وحلمه الجميل الذي حلم به.

ج- شعرية اللغة:

تعدّ اللّغة من أهم العناصر التي يقوم عليها أيّ عمل روائي، فهي العمود الفقري لبنية الرّواية، فبها يسرد الرّوائي الأحداث وتوصف الشّخصيات ويتحدّد المكان والزمان، لذلك اهتم بها النّقاد والدّارسون اهتماما كبيرا و حدّدوا مكانتها في العمل الأدبي باعتبارها العنصر الأوّل في كلّ عمل فنّي.

يشتغل الكاتب في روايته على لغة شعرية، لغة مغامرة، سلسة، شيقة تلامس تلابيب الوجدان، وتغامر بالقارىء في غابات اللغة بحثا عن قطاف الجمال والمتعة، لغة مكتنزة بالانزياحية والإيحائية أسهمت في وصف العوالم النفسية للشخصيات، وعلاقتها بالأمكنة، لغة متعددة الأنساق الثقافية (سياسية، اجتماعية، دينية) ” بانتظارك ساقلب صفحات الذاكرة بحثا عن ابتسامة ما تظل وراء غيمة الحزن التي تتربص بنا منذ الأزل، سأبحث عن صفحة لم يبللها الدمع ولا الدم رغم صعوبة ذلك في وطن كلما جف أبناؤه على حبل غسيله صلى للسماء كي تمطر.” (الرواية، ص62)

د- شعرية المكان:

يعد المكان من أبرز المكونات التي يتشكل منها الخطاب الروائي، فالمكان يرتبط بالشخصيات الروائية والأحداث، كما يحمل دلالات رمزية واجتماعية ونفسية.

لقد وظف الروائي عنصر المكان بطريقة شعرية فنية، وأفرد له دورا رئيسا في الرواية، يحرك الأحداث ويفعلها، وهذا سمة هامة من سيمات الرواية الجديدة، فالمكان في الرواية يحضر بصورة جمالية رمزية، حملت عديد الدلالات مثل الحب والموت، الشوق والاغتراب.

تحضر الأمكنة الواقعية في الرواية (سكيكدة، بين الويدان…) وهي أماكن حقيقية، لكن الكاتب أضفى عليها طابعا متخيلا شاعريا “ستلتصق الرمال الخشنة بوادي ” بين الويدان” بوجهي محاولة ترسيم تشققاته دون أن تدرك أنها لحظة التصقت بي، أعلنت بداية انهيار أسهمي في بورصة الحياة، وأني أنتظر دون حراك إفلاسي الوشيك لأنغلق علي كغرفة مظلمة.”(الرواية، ص19)

ج- الزمن في الرواية:

يعد الزمن من أبرز العناصر لبناء أي رواية، فلا يمكن أن ينبني أي حدث خارج الزمن.

في الرواية وظف الكاتب زمنا مأساويا، عنيفا، ثقيلا بالذكريات الماضية الموجعة، زمن يعكس فقدان الشخصية بالزمن الحاضر، إذ تمر الأيام والساعات صعبة، فالشعور بفقدان الشعور بالزمن أكثر ما يميز الذات القلقة من الوجود، حيث تمزج حاضرها بماضيها، وماضيها بحاضرها “أكثر من عشرة أشهر انقضت، وها هو الشتاء يعود محملا بالخيبة كضيف ثقيل… يحاصرني في غرفة موحشة لا يؤثثها غير الفراغ، كنت قبل سنة من الآن أجلس على ذات المقعد الجسر، فارشا على طاولتي الصغيرة نفس مجموعة الكتب، وإن تغير مكان بعضها بسبب عبث خلود المستمر بها…” (الرواية، ص24)

لقد أبدع الكاتب “محمد بوثران” نصا روائيا متميزا، متكامل العناصر، بتقنيات فنية متفردة، وهذا يبين تمكن الكاتب من الأدوات الفنية السردية، ووعيه الكبير بفن الرواية، وهذا ما يحسب له كأول تجربة روائية له. إن ثراء النص تيماتيا وفنيا جعل منه نصا يستوقف القارىء، يثيره ويدفعه للبحث في أعماقه بحثا عن دلالاته وحمولاته المتعددة، فهذا النص بحق يشكل إضافة مهمة للأدب الجزائري والعربي.

 /

* قاصة وأكاديمية من الجزائر 

اترك تعليقا