هَوِيّةُ مُطَلَّقة”/ فضيلة بهيليل *
بواسطة admin بتاريخ 25 أكتوبر, 2018 في 12:51 مساء | مصنفة في متعة النص | 3 تعليقات عدد المشاهدات : 196.

جلستْ بمحاذاته، تراه لكن لا تستطيع أن تقول شيئاً. وحدها نظراتها فعلتْ. قطارُ العمر يمضي، وهما لا زالا يتسلّيان بجمعِ حقيبة السّفر، لم يكن سفراً، كان رحيلاً، وداعاً. ولم تأسف على تأخير رحيلها إلاّ بعد قولِه لها على مرأى ذكرياتهما:

-”أنت طالق”.

ثقيلةٌ جداً لو يدري. كانت ترى أنّها تلبسُها أنّى ذهبتْ كأنّها بطاقة تعريف لهويّة جديدة أكسَبَها لها. تضع رداءً يقيها رَمْيَ نِبال الأصابع. وتمشي كأنها تدُوس على هويّتها الحقيقية، هويّتها التي أضاعتْها بزواجها منه. تاركةً بساطة لباسها وراحة فراشها لتلبس على ذوقه ومقاسه أفكاراً وهويةً لا تشبهها، لتنام على فراشٍ حريري لكن مطرّز بشوكِ الأمر والنهيّ عن توسد ذراعها بغيابه وبكائها على وسادتها بحضرته، بل لعلّها فقدتْ أعزّ من ذلك كلّه، قلبها، قلبها الذي ساير فصوله فمشى حافياً بأحلامٍ غسلها البَرَد وبذاكرة تُشحَنُ بطّاريتها مَرّة كل فصل لتعاني بين كل فصل وآخر سكرة النسيان، نسيان أنّ لها قلب، لها كيان، لها كبرياء. و لها أنوثة مغرية أيضا. خرجتْ من داره خرقة قديمة بُليت في أقلّ من سنة وما كلّفَ نفسَه عناء الاعتناء بها.

خرجتْ بعدما مسحتْ بطيب نواياها جدران منزله وأرضيّته، ولم تعلم أنها كانتْ تمسحها بكرامتها ليدوسها هو بكلمة فتُختم تلك الكلمة على كل أوراقها، بدءاً من شهادة ميلادها التي لم تكن تعني أكثر من وفاة شخصيتها القديمة، إلى شهادة الطّلاق التي صارتْ تقف أمام شبّاك استخراجها تستعجل الحصول عليها هرباً من تلك النظرات التي ترمقها بإشفاقٍ وأخرى باشتهاء.

مُطلّقة، كلمة واحدة تختزل كل أسلحة الكون، كفيلة بدفن امرأة حيّة، وميلاد أخرى لا تشبهها، امرأة أكثر قسوة، أكثر حزنا، وأقل حبّا للرجل.

ها هي بعد يأس، تصفّق له شجاعة الحَسم في أمرهما قائلة:

-” لطالما كنتَ جباناً في القرارات التي استدعت شجاعتك، إلا في هذه، من أين لك تلك القوة والقسوة كي تُكسِّرني وتَكْسرني؟ فأظلّ أجمَعُني وحدي، أخبئ لابني ما تبقى من رماد الذكريات”.

خرجتْ مسرعة للشارع بعدما دفعتْها كلّ تلك الأفكار للجنون، ففي النهاية هي تعرف أنها صارتْ مجنونة، تناستْ الأمر، وراحتْ تحمل حقيبتها باتجاه الحمّام، علّها تغسل ذاكرتها من بقايا عطره الذي لم يعد كذلك، وتخلع عنها حزنها وتعبها وثقلها. دخلتْ الحمّام فاستقبلتْها رائحة حِنّاء وعطور نسائية وبخور وغاسول من الطين، كلّها امتزجت لتشكّل في الأخير عطراً لن تجده إلا بالحمّامات.

سلّمت على صاحبة الحمّام أو جارتها، بعدما رمتْ بحقيبتها كأنها هي الأخرى تعبتْ منها ومن حِملها، فراحتْ جارتها تعرّفها على عمّتها التي انشغلت بارتداء لباسها، تفوح منه رائحة بخور ذكّرها بأيامها الخوالي حين كانت تعطّر عباءته صباح العيد، أو زوال كل جمعة. للعطور ذكريات قاتلة، يصعب علينا نسيانها. قالت زهرة صاحبة الحمّام لعمّتها، مُشيرة إلى فايزة:

-” فايزة، ابنة عمّي محمد النّجار”، فمدّت خدّها دون أن تكلّف نفسها عناء الوقوف، ففي النهاية كانت فايزة  مجرد امرأة مُثقلة بهمومها، ولا ضير في أن تنحني قليلاً علّها تنفض بعضا من ذلك الحزن على الأرض، فلتفعل الجاذبية ما أرادت بها، سلّمتْ عليها، وما شعرتْ إلا  بثقل ينبض أعلى جبهتها، كأنها انحنت لتجمع ما كان متبقّياً من حزنٍ على جبهتها التي صارت تقوم بوظيفة الجاذبية نيابة عن الأرض.

جلستْ فايزة بجوارها تنزع خمارها وتخرِج من حقيبتها ما تبقى من مخلّفات أغراض العروس التي كانت ترفض أن تُبلى كما بُليت، كان الطست الفضّي والمشط المذهّب والحقيبة الداخلية أدوات تنبئ بدخول عروس للحمّام، كل شيء من أشيائها ما كان ليكون إلا لعروس في بداية ألَقِها واعتزازها بحياتها الجديدة، إلا وجهها، لم يكن كذلك، كان موشوما برماد من بقايا نار تلك الكلمة، حتى خالتْها تلتصق بوجهها التصاقا كعلامة تجارية يراها كل من تمرّ بمحاذاته، حتى وإن كان أُميّاً لا يجيد القراءة.

ثم أضافت صاحبة الحمّام قائلة لعمّتها، وعلى مسمعٍ من فايزة:

-”مُطلّقة…مسكينة”.

كانت تلك هويّتها الجديدة والتي لا معنى للتعريف عنها بدونها. ولم تجد بُداًّ من رسم ابتسامةِ بؤسٍ تبلع بها غصّتها التي نخرت حنجرتها حتى باتت لا تقوى على محاورة الناس. لملمت بسرعة أغراضها التي تدخل معها لفوهة الحمّام وعلّقت بقيّة ملابسها بعد أن جمعتها بفوضى داخل حقيبتها على مشجب حديدي، وراحتْ تجرّ قدميها وبحقيبتها تصرخ الأدوات وتحتفل، كأنها كانت تسترجع أول تذكار ليوم استعمالها، حين دخلت فايزة محفوفة بكوكبة من أخواتها و خالاتها وبناتهن، وعماتها وصديقاتها، وهنّ يزغردن  ويصلين على النّبي، تتقدّمهن أختها وهي خلفها على خطى مَحبّةٍ تسير، كتلك التي خطت بها أول مرة لمنزله. كانت أغراضها تتطلّع للزغاريد اليوم أيضا ولم تكن تدري أنها زغاريد لحزنها، ولأفول الألوان الزّاهية التي تزيّن حقيبتها الصغيرة.

خرجتْ وما تدري أكانتْ تغسل جسدها ورأسها كما كُنّ يفعلن أم أنها كانت تغسل ذاكرتها فقط من كلّ ما ربطها به وبكل ما صار بغيابه وفيّاً له، يذكّرها به. عادتْ للمنزل أقلّ ذاكرة، محمّلة بالنسيان الذي حشَتْه عمداً بحقيبتها وبقلبها وبذاكرتها، كان منزلها يستقبل خالاتها وجدّتها كما جرت العادة كل جمعة، تمددتْ قرب جدّتها، تستنشق عطرها الذي يبعث في نفسها الطمأنينة ويبحر بها لعوالمها، وحدها من كانت تقف معها دون أن تبحث عن الأسباب أو تستمع لشروحات أحد فهي تعرفها، لطالما قالت لهم بغيابها:

” لا أخاف على أحدٍ منكم كخوفي على فايزة، لأنها لا تردُّ عن نفسها مظلمة”.

اليوم صارت تقول:

-” فايزة لا يشبه اسمها حقيقتها…مسكينة ابنتي…”، ثم تبكيها في صمت بكاءها على ميت فارق الحياة منذ زمن وصار أهله يبكون كلمّا ذكّرتهم المواقف به.

كانتْ تستمع لحديثهن دون شهية، تتظاهر بالنوم كلّما مرّ طيف عروسٍ في كلامهن، وتتدثّر بحزنها وهنّ يذكرن ما عانتْ بحياتها الزوجية في مقارنة بينها وبين حياة عرائس تزوجن في نفس السنة التي تزوجت فيها وحبلن، تلبس قناع النوم، وإلى سمعها تنهال كلمات الشّفقة واللّوم.

مرّت سنة كاملة على طلاقها، حاولتْ خلالها ترميم ذاتها وذاكرتها، وكانت عودتها للعمل مجدداً بمثابة خطوة أثبتت بها وجودها، عاد لها نَفس ورغبة في الحياة، خصوصا بعدما تعرّفت على عُمر، فكانت ترى فيه ما لم تره في طليقها، كان نقيضه في كل شيء، ولعلّها لهذا السّبب أعجبتْ به.

وبإحدى الجلسات التي كانا يناقشان فيها قضايا العمل، بادرها بقوله:

-” فايزة، سمعتُ عنك خبراً، لكنّي لم أصدّقه”.

ففهمتْ، ولتُجنّبه حرج السؤال، قالت:

-” نعم، صحيح…”.

ونهضتْ تحملُ أوراق العمل بعدما أكملتْ باقي الجملة، وهي تتمتم كأنها خشيتْ أن يسمعها أحد:

-” …أنا مطلّقة”.

/

 * قاصة وناقدة أكاديمية من الجزائر 

التعليقات: 3 تعليقات
قل كلمتك
  1. مسكين علي قال:

    لامست هذه القصة جذور واقع مر تعيشه المراة العربية خصوصا لما لخصوصية هذه المجتمعات الثقافية …فالمطلقة لا يختلف حالها عن حال مثيلاتها من النساء .فهي كما العزباء او المتزوجة ..الفرق الحقيقي هو انها خاضت تجربة لم يكتب لها الاستمرار وليس النجاح .لان الطلاق قد يكون اختيارا ناجحا اذا كانت العلاقة الزوجية تؤول الى الصفر بقيم سالبة …قالخلل كل الخلل يكمن في مجتمع لازال يرى في المراة غشاءا فيزيولوجيا ليس الا ..قد ينظر اليها البعض على انها امراة قابلة للعهر ربما لمرض في قلوبهم او لحاجات في نفس ابليس يرغب قضاءها وانى يتم له ذلك.. كيف لا وقد غاب عن هذه -الولية- حاميها الذي ربما قد كان حراميها …فقد تختار احسن النساء ابغض الحلال ..وقد تفقد عفة الجسد وتبقى عفة الروح ….لست ارمي من خلال تعليقي هذا ان اتهم الرجال بانهم هم السبب لكن الصاق الكل بالمسكينة غتابا ما يحز في نفسي …الطلاق والعهر ضدان مفترقان اي تفرق

  2. شكرا للاستاذة صابة القصة راق لي اسلوبها واحسست زفرات امراة تنساب بين الاسطر اما اسم فايزة فكان ترك الاثر البليغ

  3. شكرا أخي الفاضل على التعليق الذي تقاطع وقصتي..فعلا..اسم “مطلقة” اسم ثقيل جدا وربما محرج بالنسبة لمجتمع يعيش معطوب التفكير والرؤيا . وتظل النظرة للمرأة المطلقة نظرة دونية مهما حاولت هذه الأخيرة دمج نفسها كفرد بالمجتمع يعيش حياة عادية.شكرا لقراءتك.تحياتي.

اترك تعليقا