امراة بدون عنوان/ قصة قصيرة / طلحة محمد*
بواسطة admin بتاريخ 28 أكتوبر, 2018 في 06:25 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 123.

من الباديّة إلى  حيّ شعبي  إلى مصير مجهول وتحت ظلّ أفق تعتليه أشعّة الشّمس المنبعثة من خرقات النّوافذ والجدران المهترئة لبيت هو أشبه ببيت ” توم سوير ” يحتوي الكثير من أكوام القش واللّعب القديمة وكراكيب مهملة ليصل نورها إلى ماكنة العجوز ”حيزيّة ” وهي تخيط أنواع الفساتين التقليديّة لتبيعها في حيّها الجديد”ببرج موسى ”على أنقاض قصر الكوكب متشرّفا باسم المنصور بن النّاصر لتعين نفسها وابنتها حسيبة  المتنقّلتين حديثا من  البادية .

تكون قد بدأت في أوّل فستان تهندس له الكثير من التّفاصيل  في مخيالها  لتكون بدايتها مميّزة مع ساكنات الحيّ لتثري تجارتها وتشهرها لكن الخيط أبى أن يدخل سمّ الإبرة بسبب ضعف بصرها وكذا انعدام الإضاءة تحاول الكثير من المرّات دون قلق هي ذات مزاج هادئ هي تنظر للحياة بأمل تعرف إن الدّنيا لا تهب إلا للصّابرين يرجعها الحنين إلى البادية تفكّر وتتمادى بذاكرتها إلى الوراء كثيرا تقسو على نفسها حين تستحضر  لحظات اتّخاذ القرار هي لاتدري إن كانت   مصيبة أو مخطئة  ؟ تتّبع خطوات  ابنتها بحيرة  هي كل مابقي لها من الحياة بمثابة كنز ثمين بقيت شاردة الذهن  تسند رأسها على رأس الماكنة وتلعب برجليها على البيدال تستجدّ بها ذكريات الطّفولة التي لم تعش منها إلا القليل حتّى تغفو ….هي غفوة العجائز في كل الأوقات .

دخلت ”حسيبة ” بوجه شاحب ودموع خفيّة أيقظت أمّها  تشكوها قساوة العيش في المدينة ومعاناتها في البحث عن العمل من دكّان إلى آخر ومن مصنع إلى أروقة إلى ما يشابه ذلك من أنواع الأعمال  التي تتقنها شكتها تحرّش أرباب العمل بها  من الوهلة الأولى وتحديد مصير عملها بمساومات  لم تبح بها كلّها تلفحها أمّها بنظرات استغراب تجيبها هي الأخرى قد رفضت جملة وتفصيلا لا ريب أنّ العمل بشرف هنا ضرب من الخيال ضربت الأم على كتفها ثم ضمّتها تنصحها بالصّبر وعدم فقدان الأمل وتبتسمان معا تقول الأم سوف تجدين عملا عمّا قريب ترد البنت لا أظن ذلك تتحدّاها الأم وتقول أيضا إذا أدخلت الخيط في سمّ الإبرة من المرّة الأولى  سوف تعملين غدا تضحك البنت وتسرع لفعل ذلك تتخالف يداها تضع الخيط في اليد اليسرى والإبرة في اليمنى  تقهقه بشدّة عرفت أن حظّها عاثر ثمّ قلبتهما تحاول تارة أخرى تقطّع الخيط بطرف أسنانها تدخله وتضحك غدا سأعمل غدا سأعمل.

مرّ اليوم الأوّل برتابة  شديدة على حيزيّة مع الماكنة وعلى حسيبة  تحت أسواط التجّريح التي آلمتها في نومها من ألسنة تحرق فؤادها كنار ذات لهب . استيقظتا في الصّباح الباكر على صوت اللّبان وبائع الجرائد ومقتني الخردوات ومصلح الأواني وعلى كثير من صخب المدينة التي لم تعهداه من قبل خرجت حسيبة في رحلة جديدة للبحث عن العمل ركبت الحافلة بجانب فتاة تجاذبتا أطراف الحديث سألتها عن أيّ عمل تقتات به أشفقت عليها وبادرتها بالنّصيحة سآخذك إلى ”السوناتيكس” الذي اشتغل به عند سي العربي ولكن عليك أن لا  تفسدي مزاجه وافعلي كلّ ما يطلبه  لا تخافي هو لن يطلب  شيء غير اللّباس الفاتن و الكلام  الحلو هذه عاداته يتوسّط المحل على كرسي مهتز يقرأ الجريدة اليوميّة المكتوبة باللّغة الفرنسيّة ويتناول أكواب القهوة المرّة المصحوبة بالسّجائر يرتدي نظّارات سوداء ويراقب تنقل  العاملات في أرجاء المحل وكذا الزّبائن .

وافقت وأيقنت أنّ الحظّ ابتسم لها دخلت إلى سي العربي تطلب منه العمل تتكلّم بثرثرة و بسرعة تبدي إتقانها للعمل وأنّه سوف يعجب بها أن وافق وهو لا يزال مطأطأ رأسه يقرأ الجريدة بتمعّن ويحرّك شفاهه وكأنه لم يسمعها ظلّت واقفة لبرهة تكلّم نفسها هل تنصرف أم تنتظر حتى رفع رأسه نزع النظّارات وقال لها ” خلاص سمعت المهم الوقت ” انصرفت ولم تفهم ذهبت إلى صديقتها ماذا يقصد ؟ هل وافق ؟ تجيبها نعم فرحت حسيبة كثيرا ذهبت معها إلى المخزن لبست ثياب العمل زيّنتها قليلا بأحمر الشفاه و”الفوندوتان” وهي ترفض إلا أنّ صديقتها أصرّت هذه قوانين العمل هذه مبادئ صاحب المحل سوف تكونين سعيدة اطمئنّي .

أكملت حسيبة يومها الأوّل في العمل دون مضايقات وبحريّة مطلقة مع صديقتها عادت تحمل دنانير  لأمّها تزفّ لها الخبر:

أمّي لقد اشتغلت أظنّ أنّنا سنعيش سعداء لقد قلت لك أنّ المدينة جميلة

الأم : لقد بعت أوّل فستان  وأنا أخيط غيره ها نحن بخير.

مرّت الأيام والأسابيع وكلّ شيء على ما يرام إلا أنّ الأم استشعرت حزنا في عيني ابنتها سألتها العديد من المرّات دون جدوى حتى صارحتها بأنّ سي العربي طلب يدها للزّواج كزوجة ثانيّة وفي السّر  لكنّها لم توافق بحجّة أنّه كبير في السّن صرخت الأم في وجهها وقالت هذا مجنون إنّه بسنّ والدك أنت جميلة  سأحيى لأجل عرسك المهيب  ابتسمت حسيبة  وقالت ابق بجانبي فقط لا أريد الزّواج .

بدأت الأمور تسير على ما يرام وأصبحت العجوز حيزيّة كما يلقّبونها في الحي معروفة بالخيّاطة واندمجت بسرعة  لفعاليتها الكبيرة فهي زيادة عن الخياطة تحسن التداوي بالأعشاب خاصة للأطفال الصّغار تستقبل دائما  حديثي الولادة من أبناء الحيّ لتهبهم بركتها وتدعو لهم بعمر مديد وتتمنّى مثل كل واحد منهم ابنا  لحسيبة آملة أن يهبها الله عمرا لترى أحفادها ويكرم ابنتها  بزوج في القريب العاجل  حتى يزول خوفها عليها وخاصة أنها  في عمر الزهور يقيها لؤم الطّامعين  في شرفها .

أفلت أحلام الأم حيزية  بسبب مرضها ولازمت الفراش فقد أصيبت بشلل نصفي ممّا ألزم حسيبة التّوقف عن العمل والوقوف إلى جانبها مدّة طويلة حتى أصبحت عليها  جثّة هامدة تناديها العديد من المرّات تندب حضّها تارة وتطلب المساعدة تارة أخرى إلى أن أقبل سكّان الحي على حجم هذه الفاجعة أقاموا لها جنازة مهيبة على قدر مقامها عندهم كانت ليلة حزينة تنذر فعلا بشؤم قادم على حسيبة أكثر من الذي مضى فقد فقدت سندها الوحيد وبقيت بدون معين ولا منيب .

لم تلبث حسيبة أن تلملم جراحها بالكامل إلاّ أنّها احتاجت للعمل عادت إلى عملها عند سي العربي قابلها بالرّفض متحجّجا أنها تركت العمل دون إذن فأخبرته بوفاة أمّها حينها قبل طلبها وعادت إلى سابق عهدها متزيّنة تستجديه وتلاطفه خوفا من أن يطردها فتصبح مشرّدة في الشّوارع ناهيك عن الوحدة التي ألمّت بها في غياب أمّها .

تغيّرت  تصرّفات حسيبة كثيرا وأصبحت جافية المعاملة خوفا من الطّامعين فيها من أبناء الحي فقد أصبح الكلّ يتربص بها خافت على نفسها وأرادت أن تصون شرفها فلم تجد منفذا لذلك إلا زواجها بسي العربي فهي لا تتمنّى حبّا ولا ولدا إنّما صدرا ومأوى.

 كان لها ذلك تزوّجت بسي العربي الرّجل الثّري العاجز جنسيّا فهو لم يقم بواجباته معها وأمرها بأن تجعل الأمر سرّا بينهما كي لا تسوء سمعته بين معارفه وخاصّة  نظيره في الانتخابات الدّا يوسف كما يلقبّونه الرّجل السيّاسي المحنّك المثقّف الذي يحتفي دائما كل خمس سنوات مع أبناء قبيلته بالجلوس على كرسي قبّة البرلمان إلّا أنّ هذه المرّة قد تتغيّر الموازين ويفوز به  سي العربي لتوسّع قبيلته هو الآخر وليس لهم ممثّلا غيره   .

مرّت الأيّام وسي العربي يهيّئ لحملته الانتخابية مهملا زوجته الثّانية حسيبة التي ما صدّقت إن  افتكّت حريّتها من ممارساته المنحرفة  الصّامتة معها . خرجت في أحد الأيّام تقصد كورنيش تيشي لتلفظ يومياتها  المشؤومة هناك وكأنّها على شرفة جولييت تلامس تمثالها لتتحصّل على الحظّ السّعيد في الحب  جلست تقابل البحر تنظر في شاسعته اللّامتناهية  وزرقته الجذّابة تقتني هدوءه تارة وهيجانه تارة أخرى تغمض عينيها تذهب في رحلة مع الأشباح على” مرتفعات ويذرنغ” ثم  تحوك القصص مع نفسها تبتسم …تنهمل عباراتها أحيانا ترثي أمّها وتندب حظّها تتمنّى لنفسها فرصة للعيش بكرامة على الأقل .

تفتح عينيها على طول شاب يكلّمها ما الخطب ؟ ارتبكت قليلا ثم أجابت لاشي ء ماذا تقصد الدّموع ؟ أنا بخير سألها مرة أخرى ومد لها يد المساعدة تردّدت قليلا ثم انجذبت  معه في الكلام ردّ لها ابتسامتها نوعا ما عزمها على الغداء في بيته ذهبت معه بكلّ طمأنينة وكأنّه يعزف لها سنفونيات لقلبها الجريح  انفرد بها ومارس معها كل ما يشتهيه شاب من فتاة إلا أن الأمر لم يتوقّف هنا فقد جاء بشلّة من أصدقائه ليمارسوا معها نزواتهم الوحشيّة قاومت لفترة إلاّ أنها لم تستطع فقد خارت قواها استكانت بضعف انتهى بها الـأمر بالمستشفى  بعد أن أخذها بعض المارّة الذين سمعوا صراخها أقامت لمدة معتبرة  هناك بسبب النزيف الحاد الذي خلفته الحادثة ثم نقلت بعدها إلى مصحّة عقليّة وبعد أكثر من شهر استطاع سي العربي أن يعثر عليها بعد ما بحث عليها في كلّ مكان إلّا أنّها لم تبح ببنت شفة غير حركات غير مفهومة تقوم بها وإبرة وخيطا تحملهما  من اليسرى إلى اليمنى وتحدّث نفسها سأعمل سأعمل خرج سي العربي يلعنها ويلعن نفسه معها فقد خسر كل شيء بسبب الفضيحة التي دوّت في أرجاء الحي بعد اكتشاف زوجته أم العيال كما يسمّيها لكل شيء  عن طريق إحدى عاملات المحل.

إحالات :

توم سوير : رواية تتحدّث عن مغامرات الشّباب والأعمال التخريبيّة والفوضويّة للكاتب مارك توين

برج موسى (قصر الكواكب ) : معلم أثري بمدينة بجاية

كورنيش تيشي : شاطئ في مدينة بجاية

شرفة جولييت , تمثال جولييت  : في مدينة  ايطاليا من رموز قصة روميو وجولييت من أعظم أعمال الكاتب فيكتور هيغو

مرتفعات ويذرنغ : رحلة الأشباح في رواية ايميلي برونتي

 /

 * قاص من الجزائر

اترك تعليقا