عبد اللطيف اللعبي: فواكه الجسد / سعيد بوخليط
بواسطة admin بتاريخ 24 ديسمبر, 2018 في 06:12 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 55.

عن منشورات مرسم بالرباط (2005)،صدرت للشاعر عبد اللطيف اللعبي مجموعة شعرية اختار لها عنوان، “فواكه الجسد” أو ” les fruits du corps” ، مادام أن اللعبي، فضل وبتقليد جديد،كتابة نصه في ذات الوقت بالعربية والفرنسية على البياض ذاته. وأشار في صيغة تقريرية جازمة، وباللغتين: “الترجمة العربية للمؤلف”/ ” Traduction Arabe de l’auteur”ما معنى ذلك؟ ربما:
– فضل الشاعر الحفاظ على عذرية، وطهر، وكذا شفافية نصوصه. لذلك ترجمها بنفسه،حتى لا يتم “اغتيالها”معنويا وماديا من قبل الآخر، خاصة وأن الشاعر وحده قادر على التقاط تضمينات همس نصوصه.
– يريد اللعبي إظهار قدرته على محاورة العربية والفرنسية معا،أو بالأحرى عشقه لهما،بالتالي عدم حرمان تلك العواطف الجميلة والمتدفقة شموخا، من دفء سرير ناعم، ولين،كما الحال مع هاتين اللغتين الأنيقتين. ربما يبتغي الشاعر بشكل مطلق، القدرة المدوية للقصيدة المباغتة بالخصوص. مما يضعف مسألة هوية اللغة بالمعنى الواحدي، الميتافيزيقي، والمؤسساتي. قضية غير ذات دلالة.
– توظيف لغتين، يشير بكيفية ما،إلى أن مشاعر الحب والعشق لدى الشاعر، قد لايكفيها بوح لغة واحدة. بالتأكيد لا يمكنه الصمت، لأنه لا يملك سوى صهوة لغته.
– تمثل نفس الجسد الشعري للغتين، يمارس لعبة تمويه ذكية على القارئ المتيقظ خاصة، وبشكل مضمر إيقاظ حواسه. تتلاشى هنا كل التحديدات الهندسية، يتحول البدء إلى وسط والنهاية إلى خط حلزوني. لأن القصيدة،لا نكتبها جراء تمارين حجرات الأوراش الاحترافية أو فوق كراسي المدرسة،ولا حتى بعد الحصول على ديبلومات علوم اللغة. فقط تقوم القصيدة، حينما تريد لذاتها ذلك أساسا،مؤمنة حقا بضرورة الاحتفال.
– ظل اللعبي، يتحدث دائما عن التزاماته الإنسانية والمبدئية. ماذا بوسع الشاعر قبل كل شيء نشدانه؟غير حقنا جميعا في أن نكون.
– يلعب فضاء البياض، دورا تأسيسيا بخصوص البعد الدلالي للكلمات. هناك قانون فيزيائي،يقول أن الطبيعة تخشى الفراغ. والفراغ مع اللوغوس الشعري، يشكل ميتا- لغة قليلا ما يلتفت إليه القارئ. رنين ودوي الكلمات،يشغل الفراغ. الفراغ، بمثابة حيز مطلق للشاعر، يعطيه هذه القدرة الكبيرة على التخلص من شَرَكِ أفخاخ اللغة. انطلاقا من المعادلة الأنطولوجية التالية: بقدر ما نتكلم أو نكتب، فإننا نُختزل.
-هل نقرأ إذن”فواكه الجسد” من اليمين إلى اليسار،أو العكس؟ في رأيي مسارات لا تهم. الشعر يصرخ في وجه كل الجغرافيات.
– يباشر الترجمة هنا الشاعر نفسه، قد يتوخى دائما احتضان نصوصه حتى لا”يغتصبها ”آخر ما باسم اللغة. لانترجم الشعر، بل نعبّر عن إعجابنا وافتتاننا بهذه القصيدة أو تلك،من خلال اللغة التي نتمكن منها أكثر. فالمشاعر بطبيعتها صاخبة وثرثارة وإلا فإنها مجرد غيرة قاتلة.
غالبا،ما تحدث مفارقة صارخة وسيئة كذلك، ضمن أية مقاربة تأويلية لأي نص جمالي . إذ يقع بشكل واع أو لا واع إسقاط مجموعة من الأدوات النظرية والمنهجية، على جلد نص ناعم جدا قد لا يتحمل كل الثقل الملقى. يفتقد النص في لحظة ما، هذه اللغة المكثفة جماليا ولذته خاصة. بمعنى ثان، قد يسعى المؤول إلى استنطاق النص انطلاقا من أجهزته النظرية، وكأن النص مربع هندسي لمجموعة من القياسات الجاهزة.
أعتقد بأن نصوص اللعبي، من أكثر المتون التي لا تتحمل رؤية إقرارية كتلك. بل تتوخى على العكس ، نوعا من القراءات الحالمة، الحميمة،العاشقة، والدافئة. يشبه الوضع،ذلك الإحساس الذي ينتابك وأنت تسافر في ليلة مقمرة،تحت سماء صافية،على متن باخرة تحملك إلى مكان ما بجزيرة كابري Capri . تعطي لمخيلتك كامل جدواها، دون أن تحس بأي رغبة في التفكير. الحلم فقط!! 

قصيدة اللعبي جميلة جدا،ومحلقة ومبدعة غاية حدود الكون. سر ذلك حسب ظني،يعود لكون الرجل يكتب بقلبه أكثر. عنصر الصدق مهم في هذا السياق. النصوص الكبيرة، تظل باستمرار عملية تشييد للحياة، نابضة كأنها كتبت للتو.
الصدق كذلك،ليس بمفهومه الأخلاقي أو المعياري، لا يهمني. لأن المشاعر فوق ذلك بكثير. لكني أحيل هنا على قضية تحويل الكتابة إلى اعترافات دائمة للجسد. لا نكتب على موعد مع الزمان،بل نرسم خطى اللحظة على الرغم من جماجمنا.
مع هذه اللوحات الشعرية للعبي، فإن بياض الصفحة حتى وإن ظل دائما عند أغلب عتاة الكتابة صحراء وعرة وشاسعة، يصعب الرهان على أي مرمى منها – لهذا ظلت نصوصهم تحاور بدءها باستمرار – يؤسس لنوع من اللوغوس الشعري.
تثير لعبة المعجم في “فواكه الجسد”، وبامتياز مساحة تأملية أخرى. إنه التعدد والتحرر والإيروس والفتوة والرغبة الدائمة والحياة المتجددة والأحلام الدائمة واللحظات التأسيسية … الجسد هو الشبق والصفاء والمرأة والوعي الدائم بالحياة الحقة قلبا وقالبا.
الجسد هنا، لا كقيمة رمزية أو حمولة فلسفية، لكنه يتلمس بكل بساطة في وقائعيته وفوريته. الجسد كتضاريس يومية، ونزوع لتلبية مجموعة من الغرائز. الجسد في “فواكه الجسد” هو الأطراف والأصابع والأذن والأثداء والأرداف… باختصار الرغبة. كل شيء يقدمه هذا الجسد، حتى اللغة. إنه مدرسة قائمة بذاتها. والجسد لا يجد لغته إلا بالجنس، الذي يستحضره اللعبي كممكن حقيقي لتحليق الجسد. هؤلاء الذين يحللون ويحرمون بمنطقهم، وهو منطق بطبيعة الحال لا يفقه شيئا في شاعرية التلاوين الإيروسية للجسد:
“عندما يتطفل الفقهاء
المعممون أو غير المعممين
على الجنس
يقطع ذلك علي شهيتي” (ص60)
يفسدون ذلك بغبائهم وريائهم ونفاقهم. وقد يرسمون العالم حسب رؤوسهم الصدئة، فيحولونه إلى صيحات مغارة.
بطبيعة الحال، لغة الجنس هنا راقية جدا ومتحضرة. تتحول معه المرأة إلى مجال منفتح للممكن والعشق بمشاعر ذكية وحواس حالمة. هي الطفل والبراءة والصدق والحميمة والعفوية والجرأة والرغبة والجموح والشبق و الإيروس…، والموسيقـى والأجفان واللهـب والجمـرة…
لا نقتل بالجنس انكسارات واغتيالات اليومي،هكذا تبدو المرأة قضية إيديولوجية لا أكثر. لكننا بالجنس نحاور أجسادنا، ونتعلم المجازفة. دون ذلك، يصير الوجود ترانيم بلهاء.
لا قوة في العالم بإمكانها إذن، أن تحدد لهذا الجسد مايمكن فعله أو لا ! أي دين أو زعيم أو لغة أو وصية أو وثيقة أو رؤية أو موعظة…! تستطيع موضعة هذا الجسد ضمن إطار بوتقة مفهومية، وإخضاعه لجداول ومعادلات!
يؤسس الجسد مراسيم للاحتفال، نوقع به ومعه على مجالات اللانهائي. إنه الوسيلة التي نغزو بها العالم. وتظل القصيدة أكبر عنصر للاختراق والاستوطان. نسكن ذواتنا، وتعانقنا أحلامنا ثم تتحول الموت إلى تمارين مسائية لليوغا.
وحده منطق الرغبة يؤكد عند اللعبي، هذا الانفلات الشعري الذي لايمكنه خلخلة اللغة، إلا بالتخلص والقطع مبدئيا مع كل الضوابط والأعراف والمنظومات سواء كانت لغوية أو ثقافية أو اجتماعية. القصيدة لا تاريخ لها،بالمعنى الرسمي للكلمة،لا تنحني بل تندهش وتستفز. بالتالي، حينما نتوخى خلق حوار مع المرأة، يجدر بنا في حقيقة الأمر أن نفقد الذاكرة ونتخلص من حكايات الراوي. باختصار، نتحول إلى أطفال.
الرغبة حلمنا وفسحتنا وصوتنا غير المبحوح. قد نصرخ بأعلى قوة فينا، حتى في وجوهنا. الرغبة تنمي ما تبقى لنا. يكفينا أن نتخيل، حتى تتلاشى مغارة الرهبان.
قد تخدعنا أحيانا لعبة الجسد هاته،وربما تكون مخادعة، فاشلة،غبية أو حتى حقيرة، كما قد يسطو علينا الجسد أحيانا، ويحولنا إلى آلات رهيبة وفوق العادة، بليدة.
مع نصوص على هذا النحو، نتمرأى ذواتنا ولادة جديدة دائما، وفتوة مطلقة. أجسادنا، قيمتنا المستمرة . لا نستوطن ولكننا ننساب مع ممكنات الرحيل. أجسادنا، نبيذنا المسائي، مع حكايات الينابيع والموسيقى والشعلة المتعبة. آه ! يلبسنا جسد مرتج.
لن يبقى للشاعر غير جسده، يحتفي به وبقصيدته، حتى يمارس حقه المشروع في أن يحمل راية العصيان على كل المنظومات والقواعد التي تملي علينا بعجرفة ووقاحة طبيعة الكائن والممكن. الشاعر سعيد بجسده، يقدس مشاعره ويحترمها بشكل حضاري، لأنه لا يتوخى أي شيء غير دفء الحميمة.
الجسد مصيرنا السرمدي، قد لا يتحملنا العالم. لكن، تضاريس العشق والتماهي، تشكل لنا طوبوغرافيا التوخي والابتغاء. نموت، بلا كلل أو سأم، لكننا نولد بالكاد. متى تولدون؟. القصيدة تتحمل حماقاتنا عن طيب خاطر، نعترف لها وبها وحيث هي دون عواطف مجانية.
ليست “فواكه الجسد” باعترافات ليلية أو سريرية في رأيي، بالرغم من غلبة هذا المكون على الإطار النظري لهذه المجموعة الشعرية. لكنها محاولة لتأجيج هذه الآدمية الراقدة والكامنة فينا، التي سعت كل المنظومات التوتاليتارية أن تحولها إلى مجرد هامش للنسيان.
أمام تلك التي نعشق، فإننا نصير صبيانا صغارا، نكتشف جسدنا للمرة الأولى. ونكون عفويين إلى درجة يمكن أن يتحول معها العالم إلى خربشات على رمال شاطئية. من نعشق يعتبر يقينا، وما تبقى مجرد ضجيج بلا معنى. نتكلم جيدا وبفصاحة، دونما حاجة إلى بلاغة هؤلاء المدرسين القساة.
مع “فواكه الجسد”، ينهار عصر سوء الطوية، أنت سيد نفسك. تقول أولا تقول، لا يهم! القضية هي أن تكون ذاتك، رغم من كل شيء.
أن تبدأ بالنهاية، أو تنتهي مع البداية، فاللحظة الشعرية عند اللعبي،هي ذاتها. الشكل الهندسي الذي يتأتى لجسده، لا يمكن رسمه إلا على اللانهائي وسعادة المحو. لا يقبض القارئ على أي مؤشر لتحديد سيرورة تراكم الرؤى الشعرية، وربما تداخل نصين وتفاعلهما داخل نفس البياض يؤكد هذه الحقيقة.
الفهم الدائري للزمان. أو “تدويره”، يشير إلى ديناميكية على مستوى الذات والعالم والآخر والرؤية والعلاقات والتأسيس….توترات دائمة وراسخة، لحظة تلقي بك إلى أخرى. لأن القصيدة تمارس أنانيتها بشكل أعمى وهي تحتفل.

هامش :

1- عبد اللطيف اللعبي: فواكه الجسد. شعر. منشورات مرسم 2005

اترك تعليقا