عودة الروح للرسائل مع “مهلوس وحالمة” ، للشاعرين “مصطفى دحماني و منى محمد”/ د فضيلة بهيليل *
بواسطة admin بتاريخ 24 ديسمبر, 2018 في 07:36 مساء | مصنفة في أخبار ثقافية | لا تعليقات عدد المشاهدات : 208.

“مهلوس وحالمة” خواطر جمعت بين قلمين إبداعيين لا تعنيهما الحدود الجغرافية للبلدين بقدر ما تعنيهما حدود القلب:

 ” هناك الجزائر وهنا فلسطين

  هنا القلب واحد”[1]

مبدعان كان همهما استنطاق الحرف  والبوح بمشاعر رقيقة صارت فيها الكلمات طيّعة أنيقة وقعها الشاعر الجزائري “محمد دحماني” والشاعرة الفلسطينية “منى محمد” في تجربة فريدة من نوعها، أين اجتمع الشاعران بالعالم الافتراضي ليصنعا عالما حقيقيا تحضر فيه كل المشاعر الإنسانية من: حب، حلم، حزن، عتاب، فرح، لوم، سعادة…ولا يغيب إلا الجسد. هذا العالم الأزرق الذي كان سببا في تعارفهما لتحاك بعد ذلك محاورة جميلة شبيهة بالرسائل، أو هي رسائل جاءت على شكل خواطر، وهو ما أوضحاه في مستهل كتابهما :

“جمعنا الافتراضي وتعانقت حروفنا قبل معرفتنا، امتزجت الأحاسيس وأخلصت النفوس فأخرجت تلك الحروف من مكامنها، وها هي تصل كل القلوب المُحبة.

هلوسة يطاردها صدى فتركن لحلم جميل.

بين مهلوس وحالمة انسجمت المشاعر لعلها تفتح باب أمل عربي جديد، لا معنى للحدود ولا الحواجز فاليوم بما نملك من حروف جمعنا الوطن الواحد.

هناك الجزائر وهنا فلسطين

هنا القلب واحد”[2]

هكذا إذا كان الاستهلال لهذا الكتاب ثم تبدأ الحكاية أول رسالة من الشاعر “مصطفى” والذي يطلق على نفسه “مهلوس” لترد “منى” وقد سمّت نفسها “حالمة”. والهلوسة في معناها اللغوي هو ذكر الشخص أشياء خيالية بسبب مخدر أو مرض ومنه المهلوس، وكلمة حالمة تحيل للشخص الذي يغلب عليه الخيال وهو في حالة بعيدة عن الواقع، فكلاهما إذن اختار أن يتحدث انطلاقا من عالم خيالي ولعلهما بذلك حاولا الهروب عن العالم الحقيقي من خلال نسج عالم آخر متخيل يتيح لهما حرية التعبير عما في خلجات النفس من مشاعر ورغبة في البوح وهو ما يفسره لقاؤهما بعالم يدعى مبدئيا بالعالم “الافتراضي” فافترضا له اسمين ملائمين لطبيعته ولكونه مفترض لا واقعي.

تفتتح الرسائل في البدء بجملة “يقول مهلوس” يليها نص الرسالة ثم تتبع بجملة أخرى ” ترد حالمة”، ولعل الجميل في تلك الرسائل هو أنها عبارة عن تناغم جميل ومحاورة تشترك فيها المواقف والمشاعر وكذا الكلمات، فكثيرا ما كانت تنتهي رسائل المهلوس بفكرة لتبدأ بها رسائل الحالمة ومن أمثلة ذلك في نهاية رسالة “مصطفى” :

“كل ما تعلمته منكِ أني لم أتعلم شيئا

فإما أستاذة فاشلة أنتِ أو بالأحرى تلميذ بليد أنا”[3].

لترد منى مفتتحة الرسالة عند النقطة التي انتهت بها رسالته، قائلة:

“لا أنا تلك الفاشلة ولا أنت ذاك البليد

نحن أظننا أبناء هذا القهر الوحيد”[4].

وفي ختام رسالة أخرى يقول:

“أتذكر وأُفصل…

وحينها أُجن أو أسجن…”[5].

فترد عند افتتاح رسالتها مبتدئة بنهاية رسالة مصطفى مرة أخرى:

“كلما تتذكر سأنسيك

كلما تقتل سأحييك”[6]

وتستمر الرسائل بهذا النسج تارة وتارة أخرى تأخذ الرسائل طابعا  آخر وتعنون كذلك كما فعل مصطفى في رسالته المتسائلة “لمَ نكتب؟”، سؤال يتكرر عند كل مبدع يحاول أن يترك أثرا على ورق وعلى قلب، ومصطفى أيضا يراوده هذا السؤال فيقول منتظرا الإجابة من منى:

“أقوة هي أم ضعف لنكتب؟

أحب هو أم فراق لنكتب؟

أوصال هو أم هجر لنكتب؟”[7].

وتجيب منى في رسالة عنونتها ب” نكتب…”، قائلة في بداياتها:

“سأجيبك…

نكتب للحب حين يحتاج

نكتب للشوق حين يحتاج

نكتب للحزن حين يصغر

نكتب للفرح علّه يكبر”[8].

هكذا ردت منى وهكذا كان مصطفى يتساءل وكانت رسائلهما حديثا في شتى المواضيع، كان فيها حضور الألم، حضور العتاب، حضور القلق وحتى حضور للقضية الفلسطينية، القضية التي ستظل شاغلة قلوبنا وعقولنا فلا نستثنيها من رسائلنا العاطفية، كيف لا والقضية الفلسطينية عاطفتنا الأولى وقضيتنا الأولى عشقناها منذ نعومة أظافرنا فصارت كل قضايانا فلسطينية، يقول مصطفى:

“في أرضي كوفية…

ليمون وزيتون ودبكة…فلسطينية…

شيخ مازال يصحو صباحا وكل الأمل عودة هنية..

طفل في المدرسة يمقت اللغة…

وينادي عربية..

شاب يحلم ويكتب ويبقى الوطن أغنية

رجل يكدح ويتعب ويطالع ابنه الحرية”[9].

هي مقطع من رسالته يتحدث فيها عن القضية الفلسطينية التي قربت بينهما، يقدمها من خلال رموز مختلفة (كوفية، ليمون، زيتون، دبكة فلسطينية، حرية..) كلها دلالات على الأمل والحياة ففلسطين ستخلق الفرح حتى وإن كان الجرح عميقا وستستمر الحياة رغم كل الحروب والاعتداءات وتقام الأفراح والمناسبات، رمز لها الشاعر بالدبكة الفلسطينية.لترد   منى عنها برسالة أخرى في نفس الموضوع، شامخة بحرفها معتزة بوطنها بأفراحه بأحلامه بقضيته التي امتزجت ما بين حزن وفرح، بتناقضات جمعتها الحياة في بلد واحد:

“على أرضي مازال حلم

تنسجه عينيّ

شعبي وقضية وكوفية

رغم الوجع والألم

مازال شعبي يرقص

ويشعل الدنيا

في دبكة شعبية”[10].

مؤكدة “شعبي وقضية وكوفية”، رغم الألم  والوجع الذي تعيشه الأراضي الفلسطينية مازال الشعب يرقص على دبكة شعبية. تعكس التفاؤل واليقين بالنصر  مهما طال الزمن. وفي نفس الرسالة تضيف منى في محاولة للتذكير:

“لا تنسوا…

ليمونا…وزيتونا وجدتي

عجوز تلبس الكوفية

وأنا أردد بكل فخر

فلسطينية… فلسطينية

على رأسي كوفية”[11].

هي رسائل غلب عليها الجانب العاطفي فتخاطر فيها القلبان بكل عفوية لينسجا لنا في النهاية “مهلوس وحالمة”،  ومحاولة للّم شتات الحرف، ذلك الذي لا يعرف في  قوانينه حكم الأماكن ولا يعترف سوى بروابط المشاعر الإنسانية النبيلة.

 إحالات 

[1] مهلوس وحالمة، دحماني مصطفى ومنى محمد، دار بلومانيا للنشر والتوزيع، 2018،ص:08.

[2] نفسه، ص:08.

[3]  نفسه، ص:18.

[4] نفسه، ص:19.

[5]  نفسه، ص:20.

[6] نفسه،ص: 21.

[7] نفسه، ص:70.

[8] نفسه، ص:71.

[9]  نفسه، ص:80.

[10] نفسه، ص: 81.

[11]  نفسه، ص:82.

 

 

/



* قاصة وناقدة أكاديمية من الجزائر 

اترك تعليقا