الكتابة وبرزخ التفكير/ د عمارة بوجمعة *
بواسطة admin بتاريخ 18 يناير, 2019 في 07:51 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 190.

ثمة كتاب وشعراء وفلاسفة لم يضعوا أنفسهم ضمن إطار جغرافي أو لغوي محددين، وليس لهم تقاليد وأعراف عرقية خاصة، هؤلاء بقدر ما يتحركون ضمن أماكن ولغات وبيئات ثقافية مختلفة كما يفعل الرحالة، يقدر ما يتجذرون فكريا في المكان الذي يغدو ضفة تتوسط العوالم وتنفتح عليها.
وفي هذا المكان أو في موطن الحياد هذا الذي لا ينتمي إلا للفكر الجواب والمرتحل، حيث ينفتح العالم على إمكانيات الإنصات والمحاورة والتمثل والفهم، يعلو هذا المكان على الجغرافيا والأمكنة المسيجة، فيما هو يحاذيها ويتقاطع معها. وهو بهذا المعنى ليس مكانا للانسحاب والانعزال أو مكان منفى، وإنما هو حياة استضافة وإمعان في أسئلة الإنسان وقضايا الوجود والكون..إنه مكان الفكر المنفلت من كل استيلاب أو تنميط، وهو الفكر الذي نجده عن براخت وكونديرا وغيرهما، إن هؤلاء لا يمكن اختزالهم في هوية خاصة أو في إطار ثقافي مخصوص. إن فكر هؤلاء ليس سلبيا بل انه كثيرا ما كان صانعا لتحولات الفكر الإنساني ومعينا في تجاوز معضلات الإنسان وقضاياه المختلفة.
هؤلاء يعتقدون أن شمس الإنسانية ممكنة الشروق إذا صار من الممكن للإرادات الإنسانية النبيلة أن ترسي أرضا جديدة تقوم على المشاركة والتكامل والتفاعل. ارض تنتفي فيها نوازع الهيمنة وقوة الغلبة والكراهية والاحتقار، ليست هذه الأرض
التي تسكن أحلام الفكر الإنساني أرضا ( يوطوبية) كالتي حلم بها الفكر الإنساني مع أفلاطون وابن الطفيل والفرابي وغيرهم، ولكنها ارض مشعة بالأفكار والرؤى التي تضيء للإنسانية دروب التقدم والتطور وتحملها على هاجس الرغبة في امتلاك الإرادة والتحرر.
وكما يستمد هذا الفكر الإنساني وجوده وفاعليته من مواجهة النزعات البشرية الضيقة المحكومة بدوافع القبليات والقوميات وعصبيات اللغة والدين واللغة، فإن هذا الفكر يجد من جهة أخرى قوة اقتراحه في مآلات المصير الإنساني ومأساويته المأخوذة بمرض الأنانية والانغلاق وسطوة المنفعة والمصالح والبعيدة عن روح المشاركة الإنسانية والأخلاقية.إنه معنى أخر فكر ينحاز للإنسان وفي هذا الانحياز لا يلغي الطبيعة في الإنسان ولكنه يعمل على إعطائها الأبعاد التي تعمل على تمكين الإنسان من الإحساس بذاته والإحساس بالآخرين الذين يشاركهم المصير والحياة .

 

/

 

 

 

* ناقد وأكاديمي من الجزائر 

اترك تعليقا