تحية إلى جيلالي خلاَّص، في مقامه العالي / محمد بوزرواطة *
بواسطة admin بتاريخ 18 فبراير, 2019 في 07:27 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 47.

  يعد الروائي الجزائري جيلالي خلاّص (1952) من الأسماء المُتميزة التي رَاكَمَت بنِتاجها الروائي والقصصي مًدونةَ السرد الجزائري، وَأثرت خريطة الإبداع بلمستِها الشديدة القُرب من التحولا ت العميقة التي شَهدها المجتمع  الجزائري منذ السبعينيات من القرن المنصرم ، وإلى وقتنا الراهن، أي ماَ يشيرُ – بَداهةَ- إلى تجربة خِصبة، تمتدُّ لأكثر من أربعين سنة من التواصل والتأمل المستمر في الوضعيات الكارثية التي ألمَّت بالبلد وكان لصاحب “حمائم الشفق” منها نصيب؟! لا أريد أن أتحدث هنا عن مسيرة خلاص الابداعية ، إذْ تُعدُّ من الكثرة بحيث يتعذرُ لمساحة ضئيلة أن تلُمَّ بها، لَكنني سأتحدث عن جيلالي خلاص ، الذي قادته الظروف والمُصادفات في صنع مصيره، وتشكيل مساره بيده بالكثير من العرق والجهد.. فالوسط العائلي الذي ولُد فيه جيلالي عام 1952 بالأصنام ، كان وسطا فقيرا حَدَّ العَوز والفاقة الشديدة.، إذ عاش في محيط رعوي قاس، وقد أصاب المرضُ أخواتُه الأربع -اللائي وِلدنَ قَبله- بالموت بالسُلِ بالتتابُع، دُونما قُدرة على مُجابهة هذا الوحش الضاري الذي استوطن مضارب تلك الجهات من الغرب الجزائري، لقد شاهد الصبي هَوْلَ مَا حدث لعائلته الصغيرة وسِنه لم يتجاوز العاشرة من العُمر، وَحدهاَ الذاكرة سَتتسَربُ إليه -لاحقا – لتدوين ما عاشه من فواجع ومحن ، وستظلُ راسخة ًفي وجدانه وذاكرته الجريحة على الدوام؛ ومن المُصادفات – أيضًا- أنَّه لم يدخل المدرسة إلاَّ في سن الثانية عشرة ، أي عام 1964، مع التباشير الأُولى لاستقلال فَتي، بِالكَاد بدأت تشرق أشعته على ربوع الجزائر التي بدأت تَستردُ أنفاسهاَ وهيبتهاَ وسط تشنُجات سياسية بالغة التعقيد؟ ولم تدُم مرحلة الدراسة طويلا، إذْ انقطع بعد سبع سنوات من المُثابرة والكدح، ليعملَ مُساعد معلم في المدارس الابتدائية في الأرياف النائية، وهو ما عكَسَهُ بوضوح في مجموعته القصصية “خريف رجل المدينة” التي صدرت عام 1980، الأمرُ الذي يجعلُنا نقفُ مدهوشين أمام مسار صعب وشائك اختطَّهُ جيلالي خلاص لنفسه، رغم حجم التعقيدات الإدارية التي صاحبت مهنته تلك، بالموازة مع تلك الفترة بدأ ينشر قصصه في المجلات العربية والوطنية ، بعد اطلاع واسع وقراءة مكثفة للآداب العالمية- بالغتين العربية والفرنسية – ولأساطين الكتابة الروائية في العالم ، همنغواي ، ماركيز، شولوخوف، مشيما، محفوظ، حنا مينا..وآخرون الخ.. مَافتحَ ذهنه مُبكراً على أهمية التَرجمة وضرورتها الحيوية في الرفع من منسوب أدبنا الجزائري بالعربية، ورَفدِه بأمصال جديدة تعمل على تخصيبه وإثرائه، من هنا تصدّيه لِترجمَة رواية “طُبوغرافية لاعتداء موصوف” للروائي رشيد بوجدرة، وقد صدر الأثر المُترجَم سنة 1983 مَوسوما بـ”الإراثة”، عن المؤسسة الوطنية للكتاب، حاملاً بَصمة مُترجم مُقتدر، في مُجابهة عالم بوجدرة الروائي الشديد التداخُل والمُعتمِد على تقنية التداعي الحر وتشابُك الأحداث وِفق اُسلوب خاص مُوغِل في التجريب. مَا جعله يُكررُ التَجربة مع صديقه الروائي الراحل الطاهر جاووت ،عَبر روايته المتفردة “الباحثون عن العظام” والتي صدرت مُترجمةً إلى العربية عام 1991 ،أي قبل حادثة الاغتيال المأساوي للطاهر جاووت في الثاني من جوان عام 1993؛ وهو العام الأسود أيضا الذي تعرض له جيلالي خلاص لمحاولة فاشلة كادت تُودي بحياته إلى الموت. وقد دخل إثرها في مرحلة صعبة من التشرد والتيه طَالَ عائلته، كماَ أوشك على الانتحار والجنون، لولاَ مساعدة نخبة من الأطباء النفسانيين من أصدقائه المُقربين إليه كما يقول عن ذلك في إحدى حواراته- عن تلك المرحلة الدموية العصيبة التي حصدت الآلاف من أرواح الجزائريين، وفي طليعتهم أهم وأبرز الأنتليجنسيا الجزائرية في عالم الصحافة والمسرح والأدب، غير أنه خرج منتصرا من غوْرِ تلك المرحلة المُظلمة بروايات تَنضحُ أملا واشراقا ، لجزائر واعدة ، يراها خلاص في صمود أبنائها وشجاعة نسائها ، ولا عجب أن تتمخض تلك المرحلة -بعد تلك السنة المشؤومة- بأربع روايات مُتميزة هي بحر بلا نوارس، عواصف جزيرة الطيور، زهور الأزمنة المتوحشة، والحب في المناطق المحرمة؛ لذا لايُمكننا اختزال عالم جيلالي خلاص في التأليف والترجمة، بل امتد قلمه إلى عالم الأطفال حيث أصدر أربع مجموعات حِكائية للأطفال مع بداية الثمانينيات ، وهي على التوالي: سر المشجب، مرارة الرهان، الديك المغرور ، والسلحفاة والنهر؛ كما خاض تجربة التسيير الاداري للمؤسسة الوطنية الكتاب رُفقة الكاتب الصغير بن عمار، ردحًا من الزمن في منتصف الثمانينيات ، هذا وقد أصدر بمجهوده الخاص العدد الأول والأخير من مجلة الرواية في يناير 1990، بعد أن ابتاع قطعة أرض امتلكَها من ميراث لأبيه، خصص إيرادهَا لإصدار مجلته الوحيدة تلك؛ لا يسعني في نهاية هذه الأسطر المتواضعة إلاّ أن أرفع قُبعة التجِلَّة والاحترام في حق هذا الرجل الجزائري القًح والأصيل، كاتبًا وإنسانا.

/

* قاص من الجزائر 

اترك تعليقا