حمية حب / رتيبة كحلان *
بواسطة admin بتاريخ 12 مارس, 2019 في 01:28 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 173.

كلما تقدمنا أكثر تعاظمت حاجتنا إلى أن نتعلم المزيد عن كيفية أن نحب الآخر، في حين يعلمنا الزمن كيف نستمر.

كثير من التكنولوجيا .. قليل من المبالاة
ربما لست الوحيدة التي عبرتها حالات التخبط ثم التقبل ثم التعود التي رافقت كل التغيرات التي عرفتها حياتنا في أدق تفاصيلها، وصرت كأي فرد عاقل يسعى لتعلم المزيد عن كل جديد عله يستفيد أكثر من التكنولوجيا التي تصل إلينا بيسر.
أظنني مخلوقة من قلق، أغرق في برك الأسئلة وأطيل التفكير، ولا أنجو بسهولة من الأسئلة الثقيلة، هذا الصباح استيقظت بطعم مر عالق بفمي، ألقيت نظرة على العوالم الافتراضية (التي تهمني/ والتي لا تهمني)، إنه استيقاظ عنيف .. تدحرج سريع من عوالم النوم الهادئة إلى عوالم الافتراض بألوانها وأخبارها وصورها، إنك في سريرك شبه مستيقظ ومع ذلك تمد خطاك في قارات العالم الواسعة كأنها قريبة جدا منك .. في الشارع الذي تقطن فيه مباشرة، ودون أن تستوعب جيدا ما تراه وتقرؤه تصير مطلعا على كل ما حدث خلال غفوتك القصيرة، تبتلع الأخبار بلامبالاة غريبة .. في هذه اللحظة بالذات هجم علي سؤال غريب: هل جففت التكنولوجيا مشاعرنا ( وردود أفعالنا) وجعلتها وجبة سريعة الالتهاب قليلة الاشتعال؟ وماذا عن الحب في عوالم كهذه ؟ هل يمكن للحب أن يستمر ويتوهج مع كل هذا الزمن الغريب ؟ كيف ننجو من رماد الحسرة إن استفقنا يوما على عناوين اختفت وأخرى فعَّلت الحظر ؟ .. 
في قلب الاهتمام الذي نحاول أن نبديه نعاني من اللااهتمام واللامبالاة ..و نعجز عن تفسيرهما. 
عوض أن أتشرد (كعادتي) في ساعات الصباح الأولى في سعيي للبحث عن إجابات تقنعني رحت أتأمل ساحة المدرسة القريبة .. أطفال كثر يركضون للحاق بأقسامهم، الحياة تبدو بخير رغم كل هذه الهواجس المحبطة ! 
الناس يتزوجون وينجبون وهؤلاء الأطفال سيعيشون بطريقة مختلفة، سيحبون بطريقة مختلفة .. سيتزوجون وسينجبون.. الكون له قوانينه حتى يستمر.. رغم صعوبة انسجامنا مع السرعة الرهيبة التي تنشأ وتختفي بها المشاعر الافتراضية. 
(رسائل/ مشاعر) كفاصل إشهاري .. 
رحت أتفحص بريدي، كلمات قليلة، عبارات مختصرة، ردود كُتبت على عجل، وبذات السرعة وبالطريقة الآلية ذاتها وزعت كلماتي وأقفلت فمي أقصد اختصرت ما كان من المفروض أن أقوله، وفي الجانب الآخر لانتباهي جذبني سؤال آخر: هل الرسالة الورقية أهم ضحايا التواصل الافتراضي ؟ 
يُخيَّل إلي أن الافتراض قضم حلاوة انتظارها، وتخيُّل أنفاس وغبطة متلقيها والكثير من تفاصيل حكايات الحب الطبيعية التي نشأت على صفحاتها ! لو كان جبران ومي زيادة أبناء هذا العصر هل كان الزمن ليخلِّد مراسلاتهما التي امتدت زمنا طويلا ولم تنته إلا بموت جبران ؟
لا أدري كيف سأحكي للأجيال القادمة (إن طال بي العمر) عن شيء اسمه الرسالة الورقية إذ سترتبط في أذهانهم حتما بالوثائق الإدارية لا غير، كما أنني عاجزة اليوم عن الشرح والتوضيح لجداتنا أننا في الزمن السريع-والسريع جدا وأن المسافات لا تمنعنا من التواصل مع أحبابنا بالصوت والصورة ووقت ما نشاء. وصارت التكنولوجيا تسمح بنقل القبلة الالكترونية والرائحة الرقمية مما يجعلنا وكأننا نعيش في بيت واحد وليس في قرية صغيرة.
كلما اقتربنا .. ابتعدنا أكثر
باقترابنا أكثر نحرق المسافات والمراحل ونلغي الحواجز كلها بكبسة زر .. ومع ذلك فإن التكنولوجيا فسحت لنا المجال لنشك ونراقب بعضنا أكثر، فالعالم المفتوح جدا (ربما) أكثر من اللازم، يستقر في بيوتنا ، أما الحدود التي تُلغى بتقبل تام تقام بين الأفراد الذين يجلسون في غرفة واحدة.
تبرز على السطح دائما الكثير من النهايات الحزينة والقصص المشوهة المخيبة للآمال كونها بنيت على أسس عرجاء منذ البداية، ليس فيها من الصدق سوى الشكل وليس لها من ألق سوى النفاق وليس بينها وبين الجحيم سوى عود ثقاب يضرمه أكثر الأطراف دموية، ما أكثر الضحايا الذين يتوارون دون أن يملكوا الشجاعة ليرووا لنا قصصهم الموجعة، وما أكثر من شُهِّر بهم دون أن ننصت لهم، هناك دوما نصف الحقيقة في كل شيء. نختفي كلنا خلف شاشاتنا وكل يتعامل بالأخلاق التي تحكمه.
خلاصة التجارب كلها أن الجميع حقن بمصل الحذر الشديد، ومع الحذر يكون للمشاعر نصيبها أيضا فتكون حمية الحب، لا تمنح المشاعر لأي كان، ومع أن المزيد من الزمن يُرافع لصالح الجوانب المشرقة للحياة الافتراضية، إلا أنه يسوؤني أننا نستهلك الحب دفعة واحدة ثم نلفظه ونتخفف منه ولا نعود نريد منه شيئا، يكفي أن ننظر حولنا فنجد الوجوه العابسة والنفوس المتعبة والوحدة التي تلتهم الكثيرين دون أن يتمكن الافتراض من اختزالها. 
بقيت الكثير من القصص الجميلة طي الكتمان، التي عثر فيها قليلون على نصفهم الآخر في عالم الافتراض لأنهم كانوا بالجدية التي ذللت لهم كل الصعاب واختزلت بينهم المسافات.
العوالم الافتراضية كالعوالم الواقعية يمكن أن تكون مزرعة لمشاعرنا ولكثير من المعارك وأحيانا تختزل الصور الحقيقية كل الكلمات .. تعلمنا تقاسم اللحظات الأكثر عمقا ورغم أننا أحيانا نقترب إلا أننا نعجز على الدوام على التخلص من الحذر الفطري، وكلما تقدمنا أكثر تعاظمت حاجتنا إلى أن نتعلم المزيد عن كيفية أن نحب الآخر، في حين يعلمنا الزمن كيف نستمر

 

 

/

 

 

* كاتبة وقاصة من الجزائر 

اترك تعليقا