الرجل ذو النعل الأصفر/ قصة قصيرة / ف ياسمينة بريهوم*
بواسطة admin بتاريخ 29 مارس, 2019 في 08:31 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 78.

لم يعد أحد في المدينة يستغرب أمر المرأتين اللتين في غفلة من القانون والأعين التي لم تُفقأ رغم ما رأت من أعاجيب ممّا يدور في الشوارع الضيّقة، وخلف النوافذ المواربة، تصادقتا لتضربا كلّ الإستفهامات و المستويات بفردة اللامبالاة؟
فحفيظة الشرطية يعرفونها من سنوات ، تسيّر حركة المرور ، تعاقب هذا و تحي ذاك وتشتم الذين كانوا يسمعونها التعليقات التي تذكّرها بأنّها امرأة جميلة وقت لاتكون بحاجة إلى ذلك. وهذا ابنها الذي لم يدخل المدرسة برفقة مليكه المتسولة تحرسه من وراء سياج الحديقة العامة، بل كثيرون أجزموا أنهم رأوها تعطيه ثديها حين يبكي وأمه مشغولة بالمرور بعدما لم تجد مع من تترك أطفالها وقد رفضتهم أم زوجها كما لم تقبلها يوما ، لتحرض ابنها على تطليقها.
في الحقيقة هو لم يفكر في ذلك، إنما لأنه يفهم طبيعة أمه فقد كان يعرف كيف يسكتها شهورا على الأقل:
-إن راتبها مهم جدا. وكذلك العلاوات التي تتقاضاها تعينني على النفقات . 
الذين لاموا حفيظة على أبنائها الذين تتركهم مع متسوّلة لا يعرف لها منبت ولا فرع أسكتتهم بأن قالت : إنها لا تخشى عليهم شيئا ، وهم أمام عينها يلعبون. ثم إنّ هذه المرأة أجبرتها ظروفها لا غير على هذه “المهنة” بعد أن تركت وظيفتها…
فملفات مديرية الشرطة تؤكد أنّها كانت تعمل بإحدى رياض الأطفال قبل أن تلتقي زوجها الذي عبّأ قلبها أوهاما، وقطف أحلامها يوم أن لم ترد إسقاط جنينها، لتكتشف زواجه المبارك بستة أطفال، مشترطا عليها أن تترك العمل، ليتزوّجا؛ فهو لايقبل امرأة عاملة !.
ولما ذوّبت كلّ حبال صبرها،و لم تعد تطيق البؤس الذي “عيّشها “فيه، هجرته واهتدت إلى التسوّل الذي وفر لها حياة افتقدتها.
ابنها البكر في الجامعة ،و ابنتها في القسم النهائيّ،تقول عندما تطمئن عليهما ستتقاعد.
 لا..لا! مليكه امرأة حرة، فأنا أحميها، وهي تفتح العين على أطفالي إننا نشتاق إلى بعض في العطل. حتى أنّنا كثيرا ما ارتدنا نفس المصيف، بل في أوقات ضيق أنجدتني وكم رفضت أن أرد لها ديونها.
صحيح أني غالبا ما أبعدت عنها الزنزانة.لكني فعلت ذلك عن قناعة ومبدأ ولكنها لا تنسى الجميل.
رأيت متسولات يتقن التزين بالفقر، إنما مليكة حتى عندما عرضت عليها أن تبقى في بيتي مع الأطفال لم تقبل.
وابنها مثلها يساعد أولادي في دراستهم.كأخ مسؤول، يلجأون إليه في كل تعقيد يصادفهم .لا يحقد على أمه. ولا يذكر أباه بسوء.
 يكفيها ما عضتها الحياة!
ولا يخجل من تسوّلها، ليقنعك: لماذا لا يخجل الآخرون ممّا صنعوه بنا ؟و علينا نحن أن نلبس أسمال الإهانة!
اشترى مرة مرآة أقول كبيرة؟ بل عملاقة، بطول كذا أمتار. ووضعها على حيطان الساحة التى تتوسط المدينة وفي أحد أركانها علّق ورقة صغيرة قال. لن تعني إلاّ من يريد أن يعرف الحقيقة (إن استطعت أن لا ترى وجهك فلا بد أنك بدأت أوّل الطريق).
شخصيا لم أفهم مغزاه. فهو قليل الكلام. ولمّا ألححت عليه في تحديد الهدف لم أزدد إلاّ ابتعادا وسكوتا.
عندما علم المحافظ بأمر المرآة، وقد أعطاه الوالي أمرا بحجزها، أو تكسيرها قال: إنّه يعرف ذلك ،وكان مستعدا له.
 ولكنني لن أتعب في إيجاد طريقة لإزاحة الستائر !
بدا أكثر غرابة.
وبدأت أخاف على أبنائي منه، جرّاء ضغط زوجي الذي قال: هذا ما جنيناه من علاقات مشبوهة. إنّما داخلي كان يعجبني. فما فعل كان بشكل ما يساندني.
ولا أعرف كيف ؟. فربما فعلا كما قال: هناك دائما عامل مشترك. ولكننا لا ننتبه!
أدركت ذلك وزوجي لا يفهم لماذا أدافع عنه؟
 أشعر تجاهه بأمومة. منذ كان صغيرا يأتيني ليقاسمني خبزه: هاك طاطا!
أما د اخلي فحياة أخرى تقول :لماذا لم يكن هذا الولد ابنك ؟
 فهل لقائي به هو الحكمة من اجتماعي بهذه الأسرة ؟ لم أكن أستطيع الجواب فكما قال: إنّك ضيّعت درب رجوعك!
الذين لا يعرفون قصة الأسرة استنكفوا أن يروه يتغذى مع أمه في المكان المعتاد. ظنوه مجنونا.أمّا مرتادو المكان فابتسموا كما تعودوا، بل هناك من حياه تحية –فقط – أبناء المدينة يستطيعون تفسيرها استهزاء..
ونفسها رأيتها تعلو وجوها كثيرة يوم كتب إعلانا يدعو فيه كل من يحس أن الشارع بيته أن ينضم إلى جمعية الدفاع عن حقوق الشارع.
الغريب أنه اشترط صدق الإحساس؛ فلا يمكن لمن يشعر بالحنين إلى بيته الطبيعي، ويعبر عن ذلك سكرا،أو سرقة، أو تذمرا أن تعطى له العضوية .
 إن البيت (الشارع) لابد له من أعضاء مقتنعين بقضيته، غير مهزومين.
ولم ينجح مشروعه ، إنما – كما عادته – لم يصب بخيبة. وحين جاء أحدهم لخطبة أخته اشترط أن تكون الخطوبة في الشارع.
لكن الرجل خاف على صورته!
 لم يفهم أن هذا ما ورثناه من عقار الأرض. عموما أحببت أن أؤكد لها أنها لا تعنيه إلاّ من كونها امرأة جميلة قد تعوضها أخرى بكل يسر!
ومرّ كل هذا بسلام إلى أن استدعاني المحافظ يحذرني من التعامل مع هذه الأسرة وخاصة الولد؛ فأبحاث على غاية من السرية بدأت حوله.
لم يعبأ لتحذيراتي حتى عندما رفض تدخلي لحماية مليكه من السجن . بعد عشرين سنة سجنت. لم توصيني إلا بابنتها: لا أريد أن تتكرر مأساتي!
يوم صدر الحكم اشترى بملايين زهورا..نثرها في الشوارع. باتت المدينة موشاة بالزهر وعطره.قيل: صار له أعوان؛ ينفذون خططه.
غابت أخباره عني ، حتى جاءتني صبية قالت: لم يستطع المجيء لعلمه أنك مراقبة إنما يريد أن يلقاك، فاحملي لوازم الحمام كما تعودت.
دخلنا الغرفة الساخنة، ومنها انفتح باب قال: إنّه السرداب الذي كانت تدخل منه زوجة الباي حتى لا تراها الدهماء. وإنما لم أجازف بحياتك من أجل أن أعيد إلى ذاكرتك هذه القصة!
سألني عن أمه. وطمأنته عن أخته قال: فلتجرب ما اقتنعت به حتى لا يعيش كلاما جميلا تردده. ونحن نسير عبر السرداب المزيّن بلوحات زيتية ، وقصائد مكتوبة بخطوط سميكة. وفسائل وورود بمختلف الألوان قال:
 كما ترين كلّ من وجدوا في أنفسهم الإحساس بالدفاع عن الشارع يستدرجون بعضهم. وبما أنك من حماته القدامى في هذه المدينة، نريدك معنا.
لم أستطع أن أشرك زوجي في أمري ؛ فقد فقدت فعلا درب الرجوع.
لم أشأ أن أخسر أي شئ. لاسيما و المحافظ قد طلبني ليعرف أين كنت يوم إجازتي وإلا سيحوّلني للتحقيق؟
أكدت أني أرتاد الحمام كما أكثر نساء هذه المدينة.
في المرة الثانية عندما رتب لقاؤنا، كان حدس الشرطيّة يثبطني عن المضي. ربما لم يكن لي الوثوق فيه أكثر ممّا يجب كما لم أثق يوما في حلمي . فقد ترصدت خطوي امرأة لم أكتشفها إلاّ وأن أتقدم في السرداب.لم يكن لي إلاّ إطلاق الرصاص..لأؤمن له الهرب.
وأنا في مصلى السجن لم أتبين من دست في جيبي هذه الورقة : “لا تحزني فنحن في كل مكان!”.
لم أر منها إلاّ نعلا أصفر لفت لونه انتباهي في رجليه مرّات ولم أجد الفرصة لأستفسر عن سر لونه ؟

/

* قاصة من الجزائر 

اترك تعليقا