تقديم ديوان(قناديل معطرة بحبر النبوة) للشاعرة دليلة مكسح / الدكتور علاوة كوسة
بواسطة admin بتاريخ 2 يونيو, 2019 في 12:44 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 177.

هل أتاك حديثُ النبيّة “المتشعرنة” على أعتاب الكعبة الشّعرية المقدّسة ؟ وقد بُعثتْ في الغاوين رسولا..تلكم الشاعرةُ التي نحتتْ من عبقر الشعر بيوتا لحوارييها من القراء وعشاقِ البوح الساحر إذْ أخرجت قريحتَها بيضاءَ للناظرين..وهي التي أطفأت قناديلَ الصمت بعطر الأحرف الغنّاء ، وخضّبتها بحبر النبوّة الراقصِ المتدفّقِ بين أوردة الرقيم..وهي ال”دليلة” الشعريةُ المقتدرةُ العارفةُ إلى عوالم “متشعرنة” ، ذوات متاهاتٍ “خليلية” لايعلم تراتيلَها وتآويلَها إلا الراسخون في فقه الشّعرية العربية القديمة ، والمتحررةِ مع مطالع الشعراء المحدَثين ، والمحدِثين هزاتٍ إيقاعيةً رهيبةً في معمارنا العموديِّ العتيق .
سعدتُ فأقبلتُ وما تولّيت حين جاءتني”قناديلُ معطرةٌ بحبر النبوّة” من أقصى مدائن الشِّعر الجزائري المعاصر جذلانة تسعى ، حاملة ً في أكمامها نبوءاتٍ شعريةً حالمة للشاعرة “السكّرية” الطافحة ، والنخلةِ الشّعرية الشامخة “دليلة مكسح” ،التي راحت تطاول الأبراجَ الخليلية بجناحيها الأبديين ، فتارةً تُعلي أعمدةَ بيوتاتها الشعرية خياما تحفظ للمدونة الشّعرية العربية القديمة هيبتهَا ، وتفتح نوافذَ أبياتها ، لتحرّر أفعالَها وانفعالاتِها وتفعيلاتِها – دون أن تقتلع ستائرَ بيتها – تارةً أخرى، وتزاوج بين المعمار الشعري القديم وبين الحديث أحيانا بحسّ فني جذّاب ، حذِرٍ بتحدٍّ و مغامرٍ بوعي الشاعرة الأكاديمية التي تشدد وتلين فيبقى شَعر الشِّعر منسابا وجذّابا.
ساحت بنا ال”دليلةُ” الشعريةُ مكتسحةً عوالمَ تراثيةً بحسّ قرائي لافت ، ومساحاتٍ شاسعةً من المرويات القديمةِ الغائبة باستحضار فنّي بهي..ومغامراتٍ تجريبيةً غايةً في الاشتغال على فنّيات النّص الشّعريّ المعاصر ومقولاته الضّمنية ، بسياقاتها الظاهرة وأنساقها المضمرة ، فلقد استوقفتنا الشاعرةُ عند ثنيّات ودائعها الشعرية ثلاثَ عشرة قصيدةً أمّارة بالقراءة الماتعة ، أشّارةً بلغة تعني ماتقوله (حين لايقول الشعراء مايعنونه )، ولقد وسمتْ قصائدَها بعناوين تدرأ عن متونها النمطيةَ وتخالف العهودَ التي وسعتها كثيرٌ من المنظومات العناوينية في الدواوين الشعرية المعاصرة ، فهدمت كثيرا من البنيات التركيبية الجاهزة ، وجاءت مختلفةَ الألوان والبنيات والطبقات الدلالية من خلال حفرياتها العميقةِ المربكة في التراث الإنسانيّ والدينيّ والأسطوري ، فتذكرنا بطيننا الأول”أنا إنسان” راسمةً صورَ مريم البديعة ، مرتّلةً سُوَرَها الرفيعةَ بنداء أنثوي متبتّلةً تبتيلا:”مريم ياقنديل العمر” ، مهاجرةً معترفة:” لم يعصمني ذاك الجبل” ف”لمن تتزين العنقاء يا شجني” وتنبعث من خريف سحيق؟ ..إلى أن ينادي المنادي من حلم بعيد:”ياحادي العيس” إنّ” تلك الرسائل والحمام الزاجل” لم يعد مجديا ، مرددة”عفا الله” عما تلف من الذاكرة ،التي نحييها بعد موتها وهي رميم ، حالمة ب”مطر للخلود والزيت ترياقي” ،عازفة: “للريح يقينها ولي سيادتي” ، مصغيةً مع” يوليسيز(حين) يغني لقسنطينة” ولجسورها ، معبّدةً ال”دروب لسرتا” ف”عسجدها اخضراري” كما تشهد النخلةُ على طرفَي جسورِ الشّعر المعلقةِ بين السماء والأرض ، الممتلئة يقينا “في وادٍ غير ذي زرع” ولكنه ذو شِعر غزير. 
ما أسهل أن يفهم الشاعرُ الأكاديميُّ الشاعرةَ الأكاديميةَ ، وما أيسر أن يتسلل إلى أعماق نصوصها ويَدخلها من أبواب تأويلية مختلفة ، ولكن ما أصعب أن يكتب عنها أو يقدّمها فيكون واسطةَ شِعر بينها وبين القراء ، لا عرّابا نقديا ينوب عنهم في زمن لايعوضك متعتَك القرائية أحد ، ولايفسد عليك خلوَتك ثانٍ ولايشركك في قراءاتك أحد…ولكنني حاولت أن أعْبر هاته المساحاتِ الشعريةَ الغرّيدةَ معبّرا عمّا قد تخلّفه فينا حروفُ الأقربين إلينا بوحا وملحا وجرحا ربما..فنتناصّ معها كما تتناصّ النّصوص الحاضرةُ والغائبة ، والبعيدة والقريبة ، حين تستحضرنا القصائدُ غائبين وتستبعدنا حاضرين أحيانا.
هنيئا لنا وللشعرية الجزائرية والعربية بعرّافة “خليلية” ، و”نخلة” شعرية وقامة “سكّرية” ، ستجعلنا دوما حالمين فخورين بمستقبل النصّ الشعريّ الجزائريّ المعاصر ، المحلّق بأحلام تراثية وتراث حالم ، تطوّعه قدّيسةٌ تعشق إذْ تحسن إشعالَ قناديلها المعطّرةِ المحبّرة المتنبئةِ بلمسات شعرية رقيقة وعميقة.

*المتشعرنة: صفة من اختيار الشاعرة نفسها كماجاء في تقديمها

اترك تعليقا