القبلات المحتجزة / روابح الحاج *
بواسطة admin بتاريخ 11 يوليو, 2019 في 01:16 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 465.

 

قبل أن يستقضوا أخذت دورها مبكرا” لبروفا” الحسناء التي لا يأكلها الوحش و كمن بحفلة صاخبة عزفت منعزلة ألحان جسدها بصمت تفهمه لوحدها .

   عارية أمام مرآة الدوش التي سيتزاحم عليها أفراد أسرتها بعد قليل رقصت ”سلو” منفردة بعد أن غيبت فارس أحلامها الذي تعثر حصانه بمضمار القبلات التي كانت ترفضها دائما .

    ثانية بذراعها إلى خصر تنانير قصيرة و أقمصة مطرزة ومزركشة بإزهار فاتحة استعارت أغلبها من صديقاتها .

  وهي تراقص بلا كلل أو ملل ضامة  في عناق فظيع ألوان الأقمشة وهي توزع عليها ابتسامات تقفز على بخار الماء ورغوة ” الشومبوا” وهي بعنين مغمضتين سرقهما عمى الأحلام .

    وكنجمات ”هوليود ” تمايلت بجسدها في الفراغ والهواء غير مبالية بسعال والدها المنهمك بممارسة هوايته المفضلة التي جاء بها من الثكنة إلى البيت بعد تقاعده من الجيش الذي عمل به لأزيد من عقدين كمدرب للنظام المنظم .

” و بآحد ….اثنين …..” وراتب ضئيل ينفقه على السجائر وطاولات القمار تفرغ بشكل كامل لأفساد يوميات عائلته وجيرانه .

   فكل ما جناه من أحلام و أمنيات وحصاد لخيبات وانتكاسات وكذا أمجاد الحروب ومعاهدات السلام واتفاقيات الهدنات توقف نهائيا ليلهو في خياله على مساحة بلاطات ”البلكونة”رفقة حبل الغسيل والتدخين وفناجين القهوة و الأخبار .

والصفارة لاتبرح فمه فكل أحداث حياته بقيت تراوح مكانها من كل صباحاته في إيعاز ”استعد …..استرح ” ليشرف على تخرج فيالق حربية من أكادميته العسكرية التي بنى مجدها ببطولة ” دونكوشوتية ” من وحي خياله عششت معه بشقته بالطابق الثاني لعمارة سيئة السمعة .

    وكبوق حروب مزعج أفسد صوت المنبه المنبعث من غرفة الأم أحلام العائلة فانتشلهم من النعاس والتثاؤب وصفارات الوالد تهز أجسادهم مسرنمة واختل توازن الراقصة وتوقف اهتزاز جسدها على لقطات تصفيف شعرها ” بالسيشوار” الذي زهقت روحه الكهرباء التي توقفت فجأة .

   حينئذ بدأ صباحهم مزعجا كعادته ببكاء الصغير الذي تضيع منه رضاعة الحليب بين الوسائد و الأغطية وشقيقتان عنيدتان تنافسان الراقصة أحلامها المحشوة بالأماني والابتسامات داخل غرفة”الدوش” .

   ووالدة بقميص نوم مكرر من أيام دخلتها و وجه بملامح ضبابية صدأة لقصص غير مقروءة مليئة بالفزع واللامبالاة لا تضع أية مساحيق أو عطور ولا تعتني البتة بتسريحة شعرها الغزير ولا يوجد في قسماتها أي نافذة مفتوحة على الفرح بارعة في قتل الضجر فاتنة بالسب والشتم ولا تنام أبدا حزينة تعلمت النسيان وفقدان الخجل ولا تجد وقتا كاف لوضع طقم الأسنان حتى تبدو بمظهر غير لائق ومزاج متعكر و رغم شعورها بالمسؤولية كربة بيت تصر على ترك صنبور الماء مفتوحا على صحون عشاء ليلة البارحة .

   طبعا هي الآن لا تقول صباح الخير لأي أحد من عائلتها بعد عودتها متفاخرة من انتصارها في معركة مارست فيها أمومة فائقة القسوة على الصبي الذي يتبول بمكر على سريرها فبين يديها الخشنتين صمت بكاؤه إلى الأبد تحت الغطاء وحشر برأسه إلى زاوية الجدار هربا من صفعاتها مدعيا طفولة بريئة على الرغم من أنه بلغ سن التمدرس إلا أنه لا يذهب إلى المدرسة .

  و خرجت إلى مطبخها تتمتم بلغة قاسية كانت قد تعلمتها مذ أن فقدت الشفقة على الرجال منذ زمن طويل وأعدت مع القهوة كل شتائمها لعمال الكهرباء.

   وعندما عادت الحياة إلى المصابيح هبت من جديد ريح المجفف مع نثار موسيقى كلاسيكية نسيها البث معذبة على اختناقات مشاهد الصورة التي تغمز من على صحن شاشة تلفيزيون “أبو كرش” الصامد أمام هذا الخراب الذي أحدثه فيه الزمن منذ مجيئه إلى هنا مع عرس “العريف” .

   وبلا اهتمام عاد البنات من شجارهن على المرآة والوالد إلى استراحة بالمكان وجلسوا رفقة الأم والصبي إلى كراسي طاولتهم التي لا تتسع لأي شخص آخر حتى و لو كان ضيف طارئ .

   وفي مصالحة مؤقتة جلس البعض نصف نائم والبعض ليس جميل امرأة واحدة لديها شعور بالحياة يمكن أن يكون لها عشيق و عشيقها المفترض هذا هو الذي حرك فيها هذا الانزعاج المبكر و ساقها الى عالم آخر حتى ترقص وتحتل “الدوش” قبلهم يكون قد هطل عليها بأفكاره مع الغبار بالأمس حين التقاها بالحديقة العمومية التي لا تنبت فيها أشجار ولا أزهار ولا حشائش ولا تأتيها العصافير المغردة ولها سور عال مزرب بأسلاك شائكة وأمام مدخلها كشكين لبيع التبغ وحاوية قمامة للسوق المجاور  للخضار والسمك و التي يستعمل زوياها التجار والمتسوقون كمرحاض في حالات الطوارئ .

  ففي حدود منتصف ذلك النهار أمسك بعنف شديد كتفها حتى هز ضلوعها فقد أراد سماع ضجيج قلبها وهو بعيون كسيرة في دور غير رومنسي .

   قانط و يائس من فشله الذريع مبتئس من عدم تحقيق حلمه الذي لازمه لفترة طويلة فاقدا الأمل نهائيا في أن يصبح كاتبا متألقا يؤلف قصصا جميلة يقرؤها الناس ويصير له اسم من ذهب بين الروائيين والكتاب ويتمكن من حصد جوائز معترف بها في منابر رسمية .

   وكسهم قاتل سحب من بين يديه الجريد التي قرر أن تكون الأخيرة في حياته ومزق أوراقها وألقى بها إلى الهواء صابا جم غضبه على الصفحة الثقافية منها التي كان قد عقد عليها العزم بأن تنشر له مولوده الجديد لمجموعته القصصية التي لم تر النور على أية صفحة من جرائد الجمهورية فألقى بها إلى فمه و أكلها بنهم على طريقة ” فان” .

   وبنية معها لا يفهمها إلى حد الآن احتفظ من الجريدة بقصاصة واحدة على إعلان لمسابقة على وظيفة محترمة تتطلب من المشارك مقابلة شفوية فقط ولأنه يثق بمهارتها رشحها لنيل المنصب بدون منازع واكتفى بالمغادرة دون أن  يطلب منها قبلة وهو يفكر في الانتحار.

 وتحت تأثير “نافاريا ” حادة سلمها الهدية الأخيرة ومضى إلى وجهة مجهولة .

 بالبيت و  بعد دقيقة الصمت وتحية العلم الرمزية على طاولة الإفطار تفسحت فناجين القهوة ومربى الفراولة مع حديثهم على تشجيع الراقصة الصغيرة للظفر بمنصب الوظيفة المعلقة على عشرة أسئلة شفهية لصباح هذا اليوم الحالم.

   وظهرت أفكار متعددة في غياب الوالد الذي كان يستطعم التدفؤ على بخار القهوة وعبث الصغير بالبسكويت “المرسكل” من بقايا الخبز والعجائن الذي تتفنن فيه الأخت الكبرى التي  غادرت المدرسة باكرا بسبب ضعفها الفادح في الإملاء وغبائها في الحساب و هي لا تزال تخرج من الصباح إلى المساء في رحلة صيد عريس رغم بلوغها سن الثامنة والثلاثين .

   وهي الآن متضامنة مع الراقصة الحسناء بشكل متناسق الألفة وخاصة بعد أن عطفت الصغيرة على حالها و أهدتها كتاب ” كيف تراسلين عشيقك في عشرين رسالة ؟ ” .

مطمئنة هذا الصباح على مستقبلها العاطفي بعد رسمها للرسالة العاشرة من الكتاب التي كان نصها مناجاة روحية لأرملة مع زوجها الفقيد في سطور غرامية بالغة الحبكة والوفاء .

  و بكامل ثقتها بوقوع حروف الرسالة على قلب عشيقها البقال الأمي الذي طالما حلم بالزواج من امرأة متعلمة ومثقفة.

 مزهوة بشوكولاطة الأمس التي أرسلها لها العاشق الجديد مع الطفل الذي يقرأ له رسائلها .

أشارت  على الصغيرة بارتداء التنورة الحمراء التي استعارتها من صديقتها راقصة البالي التي ترقد في نصف قنطار من الجبس بعد انكسار عمودها الفقري وهي تؤدي رقصة الفراشة التي لا يحرقها لهب ” اللامبة ” في احدي حفلات عيد ميلاد الصديقات.

   وترى أن عليها أن تكمل أناقتها بالقميص الوردي الذي جلب الحظ لصاحبته التي تزوجت الشهر الفارط وعليها أن تفتح نصف أزراره إلى الأعلى إلى أن يظهر اللون الأزرق لحمالة الصدر التي سرقاها في إحدى مغامراتهن للتسوق .

   و أن تكتفي بلمسات فنية من أحمر الشفاه بشكل فوضوي حتى تظهر منها مفاتن متوحشة تعجب الرجال الشهوانيين ، أما الجوارب ففضلت أن تكون متناسقة مع مشدات خصلات شعرها .

   الأم قاطعت واقترحت ” بروفيل “آخر مشابه ” للوك ” الطبيبة التي تعالجها من داء الربو المزمن فاقترحت تجريب نظارات طبية و أن تكبح انتفاخ صدرها بحمالة أضيق و أن تحشر اتساع خصرها و أردافها بسروال فضفاض واختارت لها زوج لحذاء رياضي مع قبعة .

   المؤسف أن كل اقتراحاتها غير متوفرة بين تلال الألبسة المستعارة فوجهت شتيمة نابية للصبي الذي شرب كل القهوة.

   الأخت الوسطى البارعة في قتل العصافير وخنق القطط ومطاردة صراصير العمارات و فئران المجارير مضغت وعضت على بشواربها متلكئة بغضب ساحبة منها سروالها وخاتمها وساعتها وحتى تغضبها أكثر أشارت عليها بالذهاب عارية لأن الذين ينجحون عادة في مسابقات الشفوي يذهبن بنصف ملابس .

وكالجندي “شوفان “ابتسم بصعوبة بعد أن افرغ من حصة ” اليوغا” واقترح عليها أن تذهب ببزة عسكرية.

   عندما تعبت اختارت ألوانها وأشكالها كما أرادت وتزينت بكل ما استطاعت و عند الباب الخارجي فكروا في التقاط صورة جماعية للذكرى إلا أنه سرعان ما نشب شجار في من يؤدي دور المصور.

   عندما وصلت أصابها ذهول وفزع فالباب مغلق ولا أحد ينظر غيرها وقد كانت تتوقع ألاف المنافسين ولم تستمر حيرتها طويلا حتى وصل الحارس الذي كان يلهو بلعب “الدومينو” في المقهى المجاور.

  رحب بها وفتح باب أحلامها على اتساعه ورافقها إلى قاعة الاختبار ، وحيدة أمام لجنة مكونة من أربع مشرفين و رئيس وجهوا لها عشر أسئلة كل إجابة  صحيحة وان فشل الممتحن في الكلام تقترح عليه ثلاث أجوبة يختار منها واحد والواحد المختار يحتاج اشارة بهز الرأس.

    اجتازت بتعاسة فصول المقابلة ولم تكن سعيدة رغم التهاني وتوقيع محضر التنصيب فقد تفاجأت برعب المصب الذي كان موجها لتغسيل الأموات من النساء وهي من كان في اعتقادها أنها ستصبح “سكرتيرة “لامعة  تتمكن من دخول عالم المال و الأعمال وتسافر إلى دول وعواصم وتقبل هدايا ثمينة وتحضر حفلات فاخرة ومناسبات عروض أزياء تقتني منها أجمل الفساتين والثياب ويفتن بها رب عملها العجوز الذي يكره زوجته التي تكبره بخمسة عشر سنة فيتزوجها ويموت وترث كل ثروته وتصبح سيدة مجتمع مرموقة وتخلص عائلتها من البؤس و الأحلام التعيسة  وتنجي عشيقا الافتراضي من الانتحار وتصنع منه روائيا كبيرا بحروف من ماس وتنقذ فريق مدينها لكرة القدم الذي لا يتأهل أبدا لاجتياز القسم السفلي وتشتري أسهم نادي عريق يلعب في دوري المحترفين يشارك فيه أبناء حييها الذين يسجلون ضد مرماهم دائما كنجوم بأغلى المرتبات .

   عادة مساء منهكة و أرادت النوم أكثر من أسبوع إلا أنه تحتم عليها إعادة شاحنة الملابس إلى أصحابها .

 وسط جو عائلي يشبه محطة الحافلات وجدت أخاها الصغير يتابع فلم رعب وهو يمسك بدمية تغني من بطنها وقد بتر أعضاء جسدها ووضع سكين الخضار على رقبتها وبجانبه طفلة مذعورة وباكية هي صاحبة الدمية التي جاءت مع والدتها إلى الأم لتعيد لها زوجها وفي البهو اكتظاظ ومشاحنات نسائية على المرور إلى الدور بغرافة أمها العرافة منهن من تريد الانجاب ومن تريد الزواج ومن تريد تطليق زوجها والعودة إلى عشيقها .

   وعلى “البلكونة “الوالد ورفاقه يلعبون الورق ويتشابكون بالأيادي و يبصقون على وجوه بعضهم البعض ويتبادلون شتائم بذيئة بصوت عال .

   باشرت  تسليم سلال الألبسة وقد أتمت ذلك بصعوبة وبقيت ” تنورة ” واحدة مهلهلة لا تصلح للمسابقات ولا للخروج وهي على طراز المودا الأخيرة لصاحبتها التي عرفتها منذ أقل من أربعة وعشرون ساعة تقيم بالطابق السفلي من العمارة ترددت ثم قررت أن توصلها و حين دخلت وجدت نساء الأجرة والرجال السريعون في نزع سراويلهم بلمح البرق .

   و لأن حظها سيئ دائما اقتحمت شرطة الآداب الشقة واعتقلوهم جميعا.

في المخفر انهالوا عليها بالقبلات والعض والقرص ولو لاالتعليمة البارقة بترحيلهم فورا إلى السجن لكانت حبلى بتوأم  بضابط من مكافحة الشغب وعون أمن مختصة بتنظيم حركة المرور .

   بالسجن باشرت حياة جميلة مع صديقاتها الجدد فالمرقد محترم والمأكل والمشرب لائقان وساحة جميلة بها حديقة فيها ورود وعصافير معششة وفطور صباح ببسكويت أفضل من بسكويت أختها بكثير و ” بلازما” ملونة بألوان الطيف وتقنيات الصورة ثلاثية الإبعاد يتابعون عليها برامج تثقيفية وأفلام مثيرة إلا أنه ليست بسعادة كاملة فلا أحد من عائلتها يزورها ويراسلها .

إلى صباح يوم جميل رقصت ” تانغو” على وقع أنغام حروف رسالة وصلتها من أختها الوسطى أخبرتها فيها أنهم رحلوا إلى ” فيلا ” بالعاصمة بعد نجاح الضباط الذين دربهم الوالد فانقلبوا على السلطة وحكموا البلاد بالحديد والنار وقد تمت ترقية والدهم إلى عقيد الشرف وأن أمها شفيت تماما من الربو ولم تعد  تستيقظ باكرا وقد صار لها خزانة ملابس ومجوهرات ولديها أكثر من قميص للنوم وأن الصغير صار يذهب لمدرسة تعليم اللغات من أجل المطعم الذي يقدم وجبات شهية أما أختها الكبرى فهي تعيش في مدينة أخرى غير سعيدة مع البقال الذي تزوجها بالإكراه بعد أن لفق له ” العقيد” تهما بالعمل السري مع المعارضة .

  أما هي فقد فتحت مؤسسة ذائعة الصيت لدفن الموتى وقد ازدهرت تجارتها بعد اندلاع الحرب الأهلية فور وصول أصدقاء الوالد الى سدة الحكم فكثرت الوفيات بدواعي الاقتتال ولكل تسعيرته الخاصة فالعسكريون بمبالغ خيالية وتشريفات رسمية على عاتق الدولة أما المعارضون فتحرق جثثهم على الطريقة الهندوسية و أما المدنيون فكل بحسب معارفه .

  أما الخبر المفرح فهو ولوج عشيق الأمس  عالم الشهرة من بابه الواسع بعد انتصار نصوصه التي اعتبرت شخصياتها أبطال قوميين و هو يسافر من بلاد إلى بلاد ومن عشيقة إلى عشيقة وقد حصدت روايته الأخيرة كل الجوائز العربية كما ترجمت لأكثر من عشر لغات وهي قيد الإنتاج السينمائي في فلم عملاق أنت بطلته الورقية .

وفي الأخير سامحينا لأنها الرسالة الأخيرة ولن نزورك أبدا لأن “العقيد “شطب اسمك من عائلتنا المرموقة فوداعا وداعا. 

/

* قاص من الجزائر

اترك تعليقا